تتجه المنطقة الى التصعيد الخطير الذي تعكسه الوقائع الميدانية الهادفة لتغيير موازين القوى ولتكريس الدور الاسرائيلي المتقدّم في المنطقة بدعم أميركي جلي يسهم بإعطاء حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المزيد من جرعات الثقة لتحقيق مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة المُحاصر والمنكوب، فيما لبنان وسوريا يشهدان على العربدة الاسرائيلية والمطامع المتجلية بفرض وقائع جديدة تتماهى مع مخططات تل أبيب.
ورغم الحراك العربي اللافت في أكثر من جهة ومسعى لوقف حمام الدم الجاري في غزة، لا تزال المفاوضات عالقة رغم أن حركة "حماس" أعلنت رسميًا أنها منفتحة على كل المقترحات والخيارات المقدمة من جانب الوسطاء في هذا الخصوص. ولكن الحصار والظروف الصعبة تزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الغزاويين الذين ضاقوا ذرعًا من الحرب وخسائرها. فلليوم الثاني على التوالي، شهد القطاع مظاهرات جديدة رافضة لوجود "حماس" وداعية لانهاء القتال وادخال المساعدات الانسانية. وقد توسعت رقعة الاحتجاجات التي بدأت من بيت لاهيا، أول من أمس، لتجد صداها في مظاهرات مشابهة عمّت مناطق عدة في القطاع وشملت الشجاعية ودير البلح ايضًا.
وعلّق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، في كلمته أمام الكنيست، على هذه التظاهرات بالقول: "يدرك عدد متزايد من سكان غزة أن "حماس" تجلب لهم الدمار والخراب، وهذا مهم جداً. كل هذا يثبت أن سياستنا ناجحة". أما وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فقد دعا سكان القطاع للخروج في تظاهرات مماثلة لتلك التي جرت في بيت لاهيا لـ"طرد "حماس" والإفراج عن المختطفين باعتبار أن هذه الطريقة الوحيدة لوقف الحرب". من جهتها، طالبت "فتح" الحركة بالاستجابة إلى نداء الأهالي والاحتجاجات الشعبية المشروعة، داعية الى عدم بقاء "مصير الشعب الفلسطيني مرهوناً بأجندة إقليمية - فصائلية لا تعبر عن هويته الوطنية ومصالحه العليا".
ومنذ استئناف الحرب الأسبوع الماضي، تستهدف اسرائيل قياديين وشخصيات رفيعة المستوى لدى "حماس"، التي أعلنت رسميًا، فجر اليوم، عن مقتل المتحدث باسمها عبد اللطيف القانوع في غارة جوية استهدفت خيمته في جباليا البلد بشمال غزة. فيما ذكر "المركز الفلسطيني للإعلام" أن الجيش الإسرائيلي نفذّ سلسلة غارات أسفرت عن انفجارات ضخمة في شمال القطاع فجراً. وقد أدت العمليات العسكرية المستمرة إلى استشهاد 830 فلسطينيًا منذ عودة الحرب لترتفع الحصيلة العامة إلى 50183 شهيدًا.
هذا وأعلن جيش العدو، في بيان، حصيلة عملياته العسكرية في غزة ولبنان وسوريا، مشيراً الى أنه شنّ أكثر من 430 هدفا ضد حركتي "حماس" و"الجهاد" في القطاع خلال الأسبوع الماضي. كما هاجم 18 هدفًا في سوريا، بما في ذلك قدرات عسكرية متبقية في قاعدتي تدمر وتيفور وقصف أكثر من 40 هدفًا لـ"حزب الله" في جنوب وعمق لبنان. اضافة الى ذلك، أفاد عن اعتراضه 14 صاروخًا على مدار الأسبوع منها 6 صواريخ أرض-أرض أطلقت من اليمن و3 قذائف صاروخية أطلقت من لبنان و5 من قطاع غزة.
وفي سيّاق متصل ليس ببعيد عما يجري في غزة، قتل 4 أشخاص وجرح أخرين جراء قصف أميركي استهدف محافظة صنعاء. وكان إعلام الحوثيين تحدث عن وقوع 17 غارة على الأقل على محافظة صعدة، شمال غرب البلاد، فيما ردت الجماعة بالهجوم مجددًا على حاملة الطائرات الأميركية في البحر الأحمر. ويسعى الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى وقف تهديد الحوثيين للملاحة البحرية وتعطيل حركة التجارة العمالية للتخفيف من حجم الخسائر الاقتصادية والمالية الناجمة عن ذلك كما بتقليص دور أذرع ايران في المنطقة ونفوذها الذي تعاظم في فترة ما حتى وصل الامر بقادتها الى التفاخر بالاستيلاء على 4 عواصم عربية.
تزامناً، تعاني ثلاثة من هذه العواصم العربية الاربعة من العدوان الاسرائيلي المستمر الذي يرفض الالتزام باتفاقيات وقف النار وينقضها وينقلب عليها مستفيدًا من غياب التحركات الرادعة لاجرامه المتعاظم كما لوجود دعم قوي تمثله الولايات المتحدة الاميركية، الحليف الاستراتيجي المدافع عن مصالح تل أبيب ومشاريعها الاستيطانية والتوسعية في المنطقة. وفي ما يعيش قطاع غزة من تصاعد للعمليات العسكرية، تواصل واشنطن حملتها على اليمن فيما لبنان رغم الجهود والمساعي لا يزال بقلب العاصفة بظل مخاوف حقيقية من العودة الحرب.
وفي التطورات المستجدة، نفذت طائرة مُسيرة غارة على سيارة في بلدة معروب بجنوب لبنان ما أسفر عن موت أحد الأشخاص وجرح أخر. في حين، جدّد الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم رمي كرة المسؤولية في ملعب الدولة اللبنانية لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب واطلاق سراح الأسرى. وتبرر اسرائيل كل جرائمها بحجة الدفاع عن أمنها القومي كما القضاء على من تسميهم بـ"الجماعات الارهابية"، الذين وجهت لهم منذ أواخر العام الماضي ضربات قاصمة اسهمت في تبدل موازين القوى الاقليمية.
وهذه التعديات اليومية الاسرائيلية على سيادة لبنان واستقراره تترافق مع التحديات الداخلية التي تحاول الحكومة اللبنانية الجديدة ايجاد حلولًا لها. فبعد التعيينات الأمنية الاخيرة، يتجه مجلس الوزراء اليوم الى انتخاب حاكم لمصرف لبنان، حيث تميل الكفة الى اختيار كريم سعيد المدعوم من رئيس الجمهورية جوزاف عون و"لوبي" المصارف وسط انتقادات لهذا الخيار، الأمر الذي دفع رابطة المودعين الى عقد مؤتمرًا صحفيًا للاعلان عن رفضها هذا الترشيح الذي يتعارض مع الرؤية الاقتصادية الاصلاحية وتبني حلول عملية تطمئن الخارج وتعيد الى لبنان استقراره الاقتصادي.
سوريًا ايضًا المشهد نفسه يتكرر لجهة الانتهاكات الاسرائيلية، حيث ذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن "طائرات الاحتلال استهدفت بعدة غارات محيط الميناء الأبيض ومدينة اللاذقية". ويأتي ذلك بعد يوم على الاحداث الدموية التي وقعت في بلدة كويا في ريف درعا الغربي وأدت الى وقوع قتلى وجرحى وذلك بعد ساعات من استهداف القوات الإسرائيلية مطار تدمر العسكري، ومواقع محيطة بالمدينة في ريف حمص. أما داخليًا، فلا تزال الحكومة الجديدة تعمل على ضبط الامن ومحاسبة فلول النظام السابق حيث اعتقلت، أمس، المفتي أحمد حسون لدى محاولته الفرار من البلاد تنفيذًا لمذكرة توقيف صادرة عن النيابة العامة.
في الشؤون الدولية، دعا الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، قبل انعقاد القمة الأوروبية حول أوكرانيا في باريس هذا الأسبوع، إلى "وقف الضربات الروسية على أوكرانيا فورًا"، مشددًا على ان موسكو "لا تظهر أي رغبة في السلام". كما لفت الى أن بلاده ستقدم ملياري يورو مساعدات إضافية لكييف. وتسعى دول الاتحاد الاوروبي الى الوقوف خلف أوكرانيا لما تمثله هذه الحرب من معضلة مشتركة لوقف المطامع الروسية.
الأوضاع في غزة تطغى على عناوين الصحف العربية الصادرة اليوم، الخميس، حيث جميعها ركزت على ما تمر به القضية الفلسطينية من منعطفات خطيرة. وفي جولتنا الصباحية نرصد:
شددت صحيفة "الراية" القطرية على أن "حكومة التطرّف الإسرائيلي تشن حربًا على الوجود الفلسطيني، مستخدمة في ذلك كل الأساليب الإجرامية، فهي لا تتورع عن ارتكاب جرائم حرب وتصفية عرقية وإبادة هي الأبشع على مدار التاريخ". وقالت "العالم يتفرج كيف يذبح الشعب الفلسطيني في غزة والضفة وتتم مصادرة أراضيه وتسليمها للمستوطنين من أجل تصفية القضية الفلسطينية في انقلاب على قرارات الشرعية الدولية التي أقرّت حق هذا الشعب في إقامة دولته المُستقلة".
ودعت صحيفة "الدستور" الأردنية الى "تضافر كل الجهود من اجل وقف العدوان وحرب الإبادة التي يقوم بها الاحتلال، سواء في قطاع غزة بعد استئنافه لحرب الإبادة والتدمير والقتل، أو في محافظات الضفة الغربية ومخيماتها من تدمير وتجريف وهدم". وتابعت "في ظل ما تمر به القضية الفلسطينية واتساع العدوان الإسرائيلي يجب العمل على أهمية تنفيذ مقررات الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، ودعوة المجتمع الدولي والدول المعنية لوقف العدوان وانسحاب الاحتلال من كامل القطاع".
ضمن السياق عينه، رأت صحيفة "الغد" الأردنية أن "حماس" تحت ضغط شديد. ليس فقط من الشارع الفلسطيني في غزة، بل مما تتلقاه من خسائر فادحة في صفوفها. فإسرائيل وفي غضون أيام قليلة تمكنت من تصفية صف عريض من القيادات السياسية والإدارية، بهدف شل قدرة الحركة على حكم غزة"، مؤكدة أن "الأفضل لنتنياهو كما حركة "حماس" أن يجدا مخرجا سياسيا ينهي الحرب بشروط معقولة تضمن الإفراج عن المحتجزين وتخلي "حماس" عن السلطة في القطاع".
ومن وجهة نظر صحيفة "الوطن" العُمانية، فإن "خريطة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات التي تتصدر الكنيست الصهيوني هي ليست نمطًا استعراضيًّا بقدر ما تمثل حالة أيديولوجية في العقلية الصهيونية وتنتظر الفرصة المُواتية لها"، جازمة أن "الظروف اليوم مواتية لتَحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، فعلى العرب اليوم مواجهة المصير الذي بدأ على حدودهم، وننتظر كيف سيتمكَّن العرب من الدّفاع عن أنفسهم في مواجهة هذا الخطر الداهم؟".
أما صحيفة "اللواء" اللبنانية، فنقلت عن مصادر تساؤلها "ما الذي يمنع إسقاط سيناريو غزة وفتح شهية نتنياهو نحو لبنان، علماً أنه يكرر باستمرار أن الاتفاق الذي أبرم كان على وقف إطلاق النار، وليس على إنهاء الحرب بين لبنان والكيان المحتل؟"، مستنتجة أن "الوقائع المرتبطة بوضع "حزب الله" لا تسمح له الآن بفتح جبهة إسناد، كما فعل في 8 تشرين الأول عام 2023. كما أنه، أي الحزب، قد لا يكون قادراً على ضبط إيقاع المواجهة هذه المرة"، وفق تعبيرها.
من جهتها، لفتت صحيفة "الوطن" البحرينية الى أن الحوثيين "يمثلون ورقة ضغط متقدمة تستخدمها طهران للمساومة في الملفات الكبرى، وعلى رأسها البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، فإن تغيّر نبرة واشنطن يوحي بأن صبرها على هذا الابتزاز بدأ ينفد"، معتبرة أن "جماعة الحوثي لم تعد مجرد لاعب يمني، بل أصبحت تمثل ذراعًا إيرانية ممتدة في خاصرة الخليج العربي. ومع اتساع دائرة الاستهداف السياسي والعسكري ضدها، فإنها تواجه اليوم لحظة حاسمة. الرسالة الأمريكية باتت واضحة: زمن الحروب بالوكالة يقترب من نهايته، ومن يصر على البقاء فيها سيدفع الثمن".
(رصد "عروبة 22")