على الرَّغم من الجهود المبذولة لتقليل الفواقد إلا أنّ نسب الهدر لا تزال مرتفعةً، وتشير الأبحاث إلى أنّ نسبة الفاقد بالمحاصيل الزراعية في الوطن العربي تتراوح ما بين 30% و50% من محاصيل الخضار والفاكهة، ومن حوالى 10% إلى 15% من محاصيل الحبوب وهي نسبة مرتفعة مقارنةً بالعديد من دول العالم.
وأنواع الفواقد من المحاصيل الزراعية متعدّدة وتشمل الفاقد قبل الحصاد نتيجةً لنقص العناية بالمحصول أثناء النمو وانتشار الآفات والأمراض التي تؤثر في الإنتاجيّة وجودة المحصول، وكذلك استخدام أصناف زراعية غير ملائمة تعطي إنتاجيةً منخفضة، ثم الفاقد أثناء الحصاد نتيجة استخدام الطرق التقليدية للحصاد والتي تؤدي إلى زيادة الفاقد من المحاصيل.
الفاقد في الحاصلات الزراعية يُـمثّل هدرًا كبيرًا للموارد الطبيعية مثل المياه والأراضي والطاقة
يلي ذلك فواقد ما بعد الحصاد، بخاصّة خلال مرحلتَي النقل والتخزين حيث تتعرّض المحاصيل الزراعية، بسبب طرق التخزين التقليدية، إلى سرعة النّضج والتلف الظاهري، كما تتعرّض الثمار إلى التلف الميكانيكي أثناء عمليات النقل نتيجةً لسوء وسائل النقل التقليدية وكذلك الطرق والبنية التحتية بالإضافة إلى طرق التعبئة والتغليف غير السليمة.
تم نأتي إلى المرحلة الأخيرة التي تُسبّب في زيادة الفاقد والتي تتمثّل في سوء مراحل التسويق والتخطيط لعمليات التوزيع بما يؤدّي إلى تكدّس المنتجات الزراعية وانتهاء صلاحيّتها.
وبنظرةٍ أكثر عمقًا للأثر السلبي لزيادة الفاقد في الحاصلات الزراعية، نجد أنّ هذا الفاقد يُـمثّل هدرًا كبيرًا للموارد الطبيعية مثل المياه والأراضي والطاقة والتي تؤثّر في استدامة الزراعة في الوطن العربي، حيث تستهلك الزراعة نحو 70% إلى 80% من الموارد المائية للدول العربية وأي فاقد في الإنتاج يعني فقدان المياه التي تُـمثّل موردًا نادرًا في معظم الدول العربية.
وتشير التقارير إلى أنّ الدول العربية تفقد ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنويًا بسبب المحاصيل التالفة، كما تؤثّر الفواقد في المحاصيل الزراعية على المساحة المتاحة من الأراضي الزراعية مما يستلزم التوسّع في استصلاح أراضٍ زراعية جديدة بتكاليف اقتصادية هائلة.
ويؤدّي تضخّم الفواقد الزراعية بالدول العربية إلى زيادة استيراد المواد الغذائية من الخارج، خصوصًا الحبوب التي تستورد الدول العربية أكثر من 50% من احتياجاتها منها، وهو ما يكلّفها مليارات الدولارات سنويًا مما يؤكّد ضرورة التغلّب على مشكلة زيادة الفاقد وذلك من خلال استخدام النّظم التّكنولوجية الحديثة.
ومن التّقنيات الحديثة الفعالة، استخدام الذكاء الاصطناعي لمتابعة مراحل نموّ المحاصيل المختلفة ولتقليل الأخطاء البشرية وتحليل التربة والتنبؤ بحالة الطقس لتجنّب الظروف غير الملائمة التي تؤدّي إلى انتشار الآفات، كما أنّ استخدام البذور المحسّنة وراثيًا والتي تتحمّل الظروف البيئية القاسية مثل التصحّر وندرة المياه يؤدّي إلى زيادة الإنتاجية وتقليل الفاقد.
كذلك وفّرت التّكنولوجيا نُظُمًا حديثة للحصاد الآلي للمحاصيل تؤدّي إلى تقليل التلف الناتج عن الطرق التقليدية وأهمّها آلات الحصاد الجامعة وكذلك الروبوتات الذكية.
ثم تأتي مرحلة التخزين، وهي من أهم المراحل التي تؤدّي إلى زيادة نسبة الفاقد بحيث تتيح التّكنولوجيات الحديثة نُظُمًا متطوّرة لنقل وتخزين المحاصيل مثل وسائل النقل المبرّدة، وكذلك غرف التخزين المبرّد المتطوّرة والمزوّدة بأنظمة مراقبة لدرجات الحرارة والرطوبة لمنع نموّ الفطريات والبكتيريا والمزوّدة أيضًا بطرق جديدة لعمليات التعبئة والتغليف الذكية، حيث سيتم استخدام مواد تعبئة "نانونية" قابلة للتحلّل الذاتي من دون التأثير في البيئة.
تجربة مستمدّة من الحضارة الفرعونيّة
الجدير بالذّكر أنّ هناك تجارب ناجحة لتطوير نُظُم التخزين التقليدية في الوطن العربي أدّت بالفعل إلى تقليل الفواقد بمحاصيل الحبوب، خصوصًا القمح.
ففي مصر، نظرًا لارتفاع تكلفة الصوامع المعدنية الرأسية، قامت الجهات البحثية المصرية بابتكار تكنولوجيا جديدة تميّزت بالكفاءة الاقتصادية وانخفاض التكلفة، والمثير في تلك التّكنولوجيا المبتكرة أنّها استفادت من الميراث الثقافي والتاريخي في تطويرها.
ابتكار أجولة وصوامع ذكية نجحت في تخزين القمح بأدنى فواقد وبتكلفة تعادل 50% من تكلفة طرق التخزين التقليدية
فمنذ عهد الفراعنة، يتمّ تخزين الحبوب بطريقة آمنة، ويتّضح ذلك من خلال تجربة النبي يوسف الناجحة في تخزين القمح لسنوات من دون فاقد.
وبدراسة النظرية المستخدَمة في عملية التخزين خلال تلك الحقبة من الزمان، تبيّن أنها اعتمدت على نظام التخزين المُحكَم في مخازن تحت الأرض نظرًا لانخفاض درجة الحرارة في هذه الأماكن، بما يراوح ما بين 10 درجات و15 درجة مئوية عن حرارة الجو العادية ثم الاستفادة من ظاهرة تُعرف بـ"تنفّس الحبوب" أي انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون من الحبوب المخزّنة بصورة طبيعية ليكون هذا الغاز بمثابة المادة الحافظة للحبوب لأنه يمنع نموّ الحشرات التي تُسبّب فقدًا كبيرًا وذلك من دون استخدام أي مواد كيميائية تؤثر في البيئة أو سلامة الحبوب.
وباستخدام النظرية نفسها، تمّ ابتكار أجولة وصوامع ذكية نجحت في التخزين الآمن للقمح بأدنى فواقد وبتكلفة تعادل 50% من تكلفة طرق التخزين التقليدية ومن دون الحاجة لإضافة أي مواد تبخير للقضاء على الحشرات، كما يتمّ تعبئة وتفريغ تلك الصوامع والأجولة بطرق ميكانيكية من دون الحاجة إلى عمالة يدوية مما يقلّل من التكاليف الإجمالية لعملية التخزين.
الاهتمام بالتكنولوجيا الحديثة الخيار الأهم لتقليل الفواقد في الزراعة ودعم الأمن الغذائي للمواطن العربي
وتحظى تكنولوجيا تجفيف الخضار والفاكهة، والتي تقلّل الفاقد وتزيد الفترة المتاحة لتسويق للمحصول، باهتمام خاص من قبل العديد من الدول العربية مقارنةً بباقي أنواع تكنولوجيات تقليل الفواقد. ولكن يجب إيلاء العناية للنُظُم التّكنولوجية أيضًا والتي تساعد على تقليل الفاقد أثناء عمليات التسويق من خلال أنظمة التسويق الإلكتروني التي تؤدّي إلى تقصير فترة بقاء المحصول في الأسواق مما يقلّل من فرص تلفه، وكذلك نُظُم التحكّم في التوزيع للمنتجات الزراعية بناءً على الطلب الفعلي للمستهلكين مما يقلّل من تكدّس تلك المنتجات وانخفاض أسعارها.
بصفة عامة، يُـمثّل الاهتمام بالتكنولوجيا الحديثة الخيار الأهم لتقليل الفواقد في الزراعة وتعزيز الاستدامة الزراعية والحفاظ على الموارد الطبيعية ودعم الأمن الغذائي للمواطن العربي بهدف الوصول لإنتاج زراعي من دون فاقد كبير مما يتيح منتجات زراعية ذات جودة عالية وبكميات أكبر تكفي الأسواق المحلية وتساهم في تعزيز التصدير.
(خاص "عروبة 22")