تقوض العودة الوحشية لآلة القتل الإسرائيلية، وخطتها الممنهجة لتدمير ما تبقى من قطاع غزة، كل المبادرات الإقليمية والدولية التي أعلنت على مدىِ الشهور الماضية، لإعادة إعمار القطاع المنكوب، دون تهجير أهله، وتفتح الطريق أيضا أمام سيناريوهات مفزعة، قد تشهدها المنطقة في مقبل الأيام، من شأنها أن تغير خريطة الشرق الأوسط بالفعل، لكنه تغيير لا يمكن لأحد أن يضمن، ولا حتى دونالد ترامب نفسه، أن يكون متوافقا مع ما تريده حكومة الحرب في إسرائيل، أو اللوبي الصهيوني في الإدارة الامريكية.
تمضي إسرائيل باستمرار عدوانها الهمجي، على ما تبقى من قطاع غزة إلى نهاية الشوط، غير عابئة بصورتها المتداعية في أوساط الرأي العام العالمي، وضاربة عرض الحائط بعشرات من التظاهرات التي تتواصل من المناهضين للحرب في الداخل الإسرائيلي ذاته، وكأنما قد تلبست الشياطين حكومة نيتانياهو، التي لم تفلت فرصة إلا وصبت مزيدا من الزيت على النيران المشتعلة، وهو ما تجلى مؤخرا في الإعلان عن تأسيس أول وكالة لما يسمى بـ"التهجير الطوعي" للفلسطينيين من القطاع المنكوب، بالتزامن مع التصديق على إنشاء ثلاث عشرة مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.
وإذا كان ما يجري في غزة يحدث على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، الذي اكتفى على مدى شهور المذبحة ببيانات الشجب والادانة، فإن ما يجري بدأب في الضفة الغربية يعكس حجم المأساة التي تخطط إسرائيل لتنفيذها كاملة، والتي تستهدف ابتلاع الضفة بكاملها، وتنفيذ خطة تهجير ممنهجة لسكانها، على ما يعنيه ذلك من تقويض كامل لوجود السلطة الفلسطينية بها، وهي الخطة التي لم تخفها حكومة اليمين المتطرف في يوم، إذ أعلنت في غير مناسبة أن العام الحالي هو عام استرداد يهودا والسامرة.!
وما تفعله إسرائيل في الضفة لا يقل فداحة عما يجرى في غزة، وهو يتزامن مع مشروعين تقدم بهما الجمهوريون الى الكونجرس، لحظر مسمى الضفة الغربية في الوثائق الحكومية الأمريكية، واستبدالها بـ"يهودا والسامرة"، وهو الاسم التوراتي للضفة الغربية، بهدف دعم خطة إسرائيل التي تستهدف بالأساس، استعادة سيطرتها على الأراضي التي احتلتها عقب نكسة يونيو 1967، وهو ما تجلى بوضوح على مدى الأسابيع الماضية، في التوغل الإسرائيلي اللافت في الجنوب السوري، وسط صمت إقليمي ودولي مريبين.
والحقيقة إن ما يحدث في غزة حاليا لا يمكن عزله في حقيقة الأمر، عن حرب الممرات الاقتصادية التي يبدو أنها سوف تشتعل قريبا، والتي تحتل فيها شواطئ غزة أهمية كبرى، خصوصا في مشروع الممرّ الاقتصادي الأمريكي الجديد، الذي أعلن عنه الرئيس بايدن في نيودلهي العام قبل الماضي، ضمن مبادرة ما يعرف بـ"الشراكة من أجل الاستثمار"، في مواجهة مبادرة الحزام والطريق، وهو ما سوف يجعل من المنطقة العربية ملعبا رئيسا في تلك الحرب المرتقبة.
(الأهرام المصرية)