تقدير موقف

الترامبية الـ"نيو-صهيونية" وتوسيع إسرائيل!

بقيادته الأميركية الأصلية وليس الإسرائيلية الوكيلة، يجوب "قطار الموت الصهيوني" البلاد العربية، ناشرًا القتل والدماء والدمار، والأهمّ عوامل الهزيمة النفسية بفعل "الاغتصاب" المجرّد لكل ما يمتّ للسيادة والكرامة بصلة.

الترامبية الـ

كم وجَدَ قادة اليمين الإسرائيلي المتطرّف، مثل سموتريتش وبن غفير، أنفسَهم متأخرين عن اللّحاق في ركب فوضى ترامب وفوضاه العالمية، المهدِّد والمتوعِّد بشنّ الحروب في كلّ اتجاه تحقيقًا لأهداف الـ"نيو-صهيونية" التي تباطأت تلّ أبيب في تحقيقها، وأهمّها "توسيع مساحة إسرائيل".

هي فرصة تاريخية مكّنت "إسرائيل" من جعل سوريا دولةً منزوعةَ السلاح والسيادة، بل والإرادة الوطنية الجامعة، وطوال عقودٍ من الاحتلال والقصف والقذف الإعلامي المركّز، تمكنت الـ"نيو-صهيونية" من جعل بعض العرب يؤمنون بأنّ إيران هي العدوّ ما قبل الأوّل لهم، وقد تواطأت إيران بسلوكها التغوّلي في دفع هؤلاء العرب لابتلاع طبخة ترامب المسمومة "السلام الإبراهيمي" اتقاءً لافتراس الفُرس لهم!

تخادُم إيران مع أميركا سمح لقاسم سليماني بالتغوّل في البلاد العربية بحماية "الأباتشي" الأميركية

ولهذا، يخوض "قطار الموت الصهيوني"، في تضاريس النّفسية العربيّة، ناصبًا شراكه في مكبوتاتِ المكوّنات العِرقية والإثنية والطائفية والأقلّوية، ورافعًا سيف حمايتها، كما بات يحلو لنتنياهو ترديد ذلك، تارةً تجاه دروز السويداء، وطورًا تجاه أكراد الحسكة!.

اندفاعة "قطار الموت الصهيوني" الأخيرة، كانت بحجم الهزيمة الاستراتيجيّة التي مُنيت بها إيران ومحورها، فشلّ ذراعيْها اللبناني والفلسطيني تقريبًا، وبدت خسارة سوريا، بمثابة انفراط عقْد هذا المحور لا جوهرته الثمينة فقط.

وها هي الـ"نيو-صهيونية" بقيادتها الترامبية تخوض حربًا مدمّرةً أصالةً عن نفسها ووكالةً عن إسرائيل ضدّ الحوثيّين في اليمن، تمهيدًا لانتصاب المواجهة مع طهران بوصفها رأس المحور بهدف دفعها لمفاضلة مسمومة بين التضحية بأذرعها وبمشروعها النووي، وبين بقاء النّظام.

الاستراتيجية الأميركية تستثمر في تفجير تناقضات المنطقة ومكوّناتها الدّينوغرافية والمجتمعية

إذن، من دون إبطاء وبلا هوادة، يشقّ "قطار الموت الصهيوني" طريقه نحو إيران التي تلقّت رسالةً ترامبيةً بشروطٍ قاسية، يتمثل أهمّها في تدمير برامج المُسيّرات والصواريخ الباليستية، وبحسب السفير الإيراني في بغداد تضمّنت شروط ترامب طلبًا بحلّ "الحشد الشعبي" وإنهاء الفصائل الموالية لإيران في العراق، أيّ ما تبقى من نفوذ إيران الإقليمي.

وإذْ لسنا بصدد توْهين قوة إيران وقدرتها ومدى اقتدارها، لا سيّما أنّها هذه المرة وجهًا لوجه أمام حرب وجوديّة، فلا بدّ من الإشارة الى أنّ حلّ "الحشد الشعبي" و"المقاومة الإسلامية في العراق" التي انخرطت في معركة إسناد غزّة، يؤكّدان خطةً أميركيةً لضرب الهيْمنة الإيرانية على العراق، والتي ما كان لإيران أن تمتلكها لولا تخادُمها مع الولايات المتحدة منذ ما قبل غزو العراق عام 2003، واستكمالها في الحرب على تنظيم "داعش"، ما سمح لجنرال إيران قاسم سليماني، بالتغوّل في البلاد العربية بحماية "الأباتشي" الأميركية، من "باب المندِب" الى "بوّابة فاطمة".

معلوم أنّ الاستراتيجية الأميركية لحظة الشروع في إسقاط صدّام حسين عام 2003، اقتضت التحالف مع الأحزاب والميليشيات الشيعيّة والكرديّة العراقية، إلا أنّ الاستراتيجية الأميركية تبدو قد غيّرت أدواتها بعد إسقاط بشّار الأسد وأخذت تستثمر في تفجير تناقضات المنطقة ومكوّناتها الدّينوغرافية والمجتمعية، بالمقلوب. وبحسب غرفة العمليات المركزيّة لشؤون المنطقة والشرق الأوسط، والتي يقودها مع جنرالات الحرب، علماء الاجتماع والأديان والفلسفة والآثار والإحصاء والموارد المختلفة، فإنّ الحصان الرّابح سيكون هذه المرّة الجماعات و"الحركات الجهادية السُنّية".

اشتباكات الحدود السورية - اللبنانية "بروفة" للاشتباكات المرجّحة على الحدود السورية - العراقية

وبعيدًا عن "اجتماعات جدّة" بين وزيريْ الدفاع اللبناني والسوري لتنقية الأجواء وضبط الحدود في ضوء المتغيّرات الجيوبوليتيكية، تُفيد الاشارة الى أنّ اشتباكات الحدود، وقراءاتها المتناقضة في البلديْن، هي بمثابة "بروفة" مرجّحة للحرب على ضفتيْ الحدود المتداخلة، مع ما تختزنه من عوامل كامنة وغير مكبوتة للثأر من "حزب الله" بوصفه حاكم تلك الحدود حتى انهيار نّظام الأسد من جهة، والمنخرط الى جانب النّظام المخلوع ضدّ من يصفهم بـ"التكفيريّين" وقد باتوا حكّام سوريا الجدد من جهة أخرى. ما يعني أنّ "اجتماعات جدّة" قد تؤسِّس لمُناخات تعاون وثقة، إلّا إذا قرّر نتنياهو تفعيل الحرب غير المتوقّفة أصلًا على لبنان، بحجّة نزع سلاح "حزب الله" من كل لبنان!

الأخطر في الاشتباكات الأخيرة، أنّها ليست مجرّد "بروفة" للحدود اللبنانية - السورية، بل "بروفة" للاشتباكات المرجّحة على الحدود السورية - العراقية. وإذا كانت دمشق تلتزم الصمت حيال هذا الموضوع، فالأمر يختلف عنه في بغداد، حيث برزت مواقف وجّهت نقدًا عنيفًا لحكومة بغداد جرّاء استقبالها وزير خارجية سوريا أحمد الشيباني. ويعتبر وزير داخلية العراق الأسبق باقر جبر صولاغ الزبيدي أنّ أحمد الشّرع "إرهابيّ" أوْغل في الدم العراقي، وأنّ نظام دمشق الجديد "قادم ليقاتلنا" على أسوار العراق! وسبقته، مواقف لافتة لكلٍّ مِن هادي العامري ونوري المالكي تدعو، خصوصًا بعد أحداث الساحل السوري، للتدخل في سوريا حمايةً للعراق من "الإرهاب الذي يمثّله أبو محمد الجولاني وهيئة تحرير الشام" التي يصفها المالكي باسمها الأصلي "داعش" و"القاعدة"!.

يضع ترامب نصب عينيه هدفًا مركزيًا واحدًا وهو "توسيع مساحة إسرائيل"

إشارتنا إلى الحدود السورية - العراقية، تأخذ أهميتها الاستراتيجية من شروط ترامب التي تضمّنتها رسالته لإيران، ما يعني أنّ ترامب يبشّرنا ببحرٍ من الدماء بين جماعات دينية متطرّفة سورية وعراقية (سنّية وشيعية) يستحكم بينها ما هو أكثر من العداء الطائفي و"الدّينيولوجي".

لا يهدف ترامب الذي يحمل "وسام" قاسم سليماني، إلى تمكين السُنَّة من الثأر من ظلم الشيعة في العراق، ولهذا احتاط مسبقًا فوثّق مضبطةَ اتّهامٍ بحقّ أحمد الشّرع بسبب "اضطهاد العلويّين" في الساحل السوري، وإنّما يضع نصب عينيْه هدفًا مركزيًا واحدًا وهو "توسيع مساحة إسرائيل" التي تسعى إلى استكمال ممرّ "داوود" من الجولان إلى حيث الأكراد في شرقي الفرات ليكون مكانًا محتملًا لتهجير الفلسطينيين من الضفّة الغربية، مع رسالة ساخنة للرئيس التركي أردوغان، تقول "حُكم الشرع... مقابل قسد"!

.. بانتظار صواريخ الحوار الأميركي - الإيراني!

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن