بصمات

العمق السيكولوجي للفكر الصهيوني ما بين الشتات والاستيطان!

تتأسّس هذه المقالة على معطًى تاريخيّ مفاده أنّ العُمق السيكولوجي للذهنية الصهيونية هو نتاج الشتات التاريخي الممتدّ لعقود، والذي وجد في الأرضية التنويرية الغربيّة منطلقًا لتجاوز الشتات وتشكيل الوجود السياسي اليهودي الخاص به لأوّل مرة في التاريخ.

العمق السيكولوجي للفكر الصهيوني ما بين الشتات والاستيطان!

لأنّ عملية العَلمنة السياسيّة لدولة اسرائيل نَحَت منحًى علمانيًّا ودينيًًا معًا، حيث كان المسار الأول بمثابة تهيئة لتجلّي المسار الثاني، فإنّنا نكون أمام مسارٍ تنويريّ معكوس، مسار أفقه ثيولوجي وأساسه علماني، والمقصود به ذلك الفكر المتأثّر بمعاناة التهجير والتنكيل والاضطهاد لم يسمح ببلْورة وعيٍ يقبل بالآخر، وهو ما يعود لعملية التراكم التاريخي لانغلاقه عن العالم وإلحاحيّة ضرورة الانفلات من الشتات، الذي شحن الفكر الصهيوني بشحنة كراهية وحقد تجاه الآخر. هذه الكراهية تجاه العالم عمل على توجيهها، بشكلٍ أوّلي، نحو تحرير ما يعتقد أنّه حقه الجغرافي بناءً على النبوءة الدّينية، فكان انفتاحه يُشكّل في حدّ ذاتِه بؤرة عنفٍ وكراهيةٍ تجاه الآخر، وهو انفتاحٌ يعتمد منهج النّفي والسّلب الذي يلفظ الآخر ويعمل على تهجيره بدعوى أحقّية استيطان البديل المصطفى دينيّا.

يخلط البناء الهوياتي للصهيوني ما بين القالب الدّيني والبنى العلمانية

وبالنتيجة، فإنّ مساءلة العمق السيكولوجي للسلوكات النّاتجة عن المسار التاريخي ليهود الشتات تبرز عقدة ذنب رافقت مسار تشكّل الهوية الصهيونية ذاتها، وتعيش هذه الهوية على ازدواجية ما بين مسارٍ تاريخي لمعاناة الشتات وطموحٍ لتجاوزه بضمّ أكبر قدر من الامتداد الجغرافي في عمق الامتداد العربي، إذ سيظلّ هذا الكيان مسكونًا بالتوسّع الاستيطاني، لأنّ تحقّق المطلب الثاني يُكَفِّرُ عن الأول ويعلن إمكانية تجاوزه.

والحال أنّ تحقيق هذا التكفير تطلّب خلق بديلٍ ثانٍ يتكفّل بإعادة تجربة الشتات، لأنّ إعادة التجربة على طرفٍ آخر يُخفّف من وطأة الشعور بالظلم التاريخي، وهي معادلة على الرَّغم من غرابتها، إلّا أنّها صارت واقعًا إسرائيليًا، لأنّ تجربة الشتات كانت تجربة يهودية بالدرجة الأولى، ولم يعاقَب عليها أحد، على الرَّغم من أنّ هذا الغطاء كان وما زال ينهل من الجانب التوراتي، لكنه في العمق جسّد بوادر كائن يستبْطن الكراهية والحقد.

إنّ هذا التهجير وممارسة القوّة تجاه الآخر يمنحه راحةً لتحقيق العدل الذي فقده على مرّ عقود، كأنّه يخلق معادلةً توازي إعادة تجربة التهجير والتنكيل لا يكون هو ضحيتها، بل يكون قائدها ومشكّلها، فتصير تجربة الشتات تجربةً مقبولًا بها ولا تخضع لأيّ منطق، سواء كان إنسانيًا أو أخلاقيًا، إذ يتمّ التطبيع معه باعتباره حلًا ضمن حلول أخرى، وهو ما نعيش على وقعِه اليوم، آنذاك يتخلّص الصهيوني من عقدة الظلم التاريخي الذي تعرّض له، ويُعيد التجربة وِفق آلياتٍ أو أسُسٍ دينيةٍ تضفي نوعًا من القدسية والخلاصية لوجوده.

الفلسطيني يُصنّف كعدو يقف حاجزًا أمام دولة أحادية القومية تدخل في باب الاصطفاء الوجودي لدى الصهيوني

تسمح هذه القدسية لهذا الفكر المتأزّم بتجاوز المُساءلة الذاتية لعملية الشتات التي يقوم بها تجاه قومٍ آخر، وبالتالي يخلُط البناء الهوياتي للصهيوني ما بين القالب الدّيني المؤطّر لكلّ غاياته الدنيوية والبنى العلمانية المُهيْكلة لتحقيق هذه الغاية، والتي يسمح عبرها ومن خلالها باستخدام كل الوسائل الممنوحة في إلحاق الأذى والكراهية والعنف بهذا الآخر.

ومردّ ذلك أنّ هذا الآخر - الفلسطيني نموذجًا - يُصنّف أساسًا في خانة العدو الذي يقف حاجزًا أمام استكمال الدولة أحادية القومية بماهيةٍ أحاديةٍ، والتي تدخل في باب الاصطفاء الوجودي لدى الصهيوني الذي يَقيه بالمقابل كلّ أنواع الشعور بالذنب أو حتى إمكانية تأثير مشاهد القتل والتهجير بحقّ الفلسطينيين.

تأسيسًا على ما سبق، نخلُص إلى ما يلي:

- لقد حطّمت إسرائيل عملية التراكم التاريخي للفكر الأنواري الغربي. صحيح أنّها تُصنّف بالدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، إلّا أنّ ديموقراطيتها بقيت انتقائيةً ومحصورةً على قومها دون سواه، بحيث لم تسعَ لخلق أرضية تتعايش مع المختلِف أو حتّى الاعتراف به، لأنّ عملية بناء المسار التاريخي لدولة إسرائيل كان تاريخًا مكثّفًا ومضغوطًا بإلحاحية قيام الدولة على أساس أحادية القومية، وهي الذريعة التي ما زالت تؤطّر الوجود الصهيوني.

ترسم إسرائيل لنفسها صورة الضحية التي تسائِل الضمير الأخلاقي الغربي لضمان استمرار وجودها وحمايته

- غالبًا ما تتّخذ إسرائيل تاريخ الشتات والتهجير والتعذيب (الهولوكوست) لتأنيب ومساءلة الضمير الغربي أو إرهاقه للحصول على تكفير عمّا جرى. ويضمن هذا التكفير الغربي لإسرائيل اليد الطّولى في الشرق الأوسط، فترسم لنفسها صورة الضحية المستهدَفة التي تسائِل باستمرار مسؤولية الضمير الأخلاقي الغربي لضمان استمرار وجودها وحمايته.

- بالنّسبة إلى فكرة الامتداد وتوسيع الدولة الإسرائيلية، وبغضّ النظر عن حيثيّات وواقع الأمر الجغرافي للمنطقة العربية، فإنّها تنتجُ فكرًا متعاليًا عن الواقع وتسعى لرسمِ واقعٍ يبدو في منطقه الأوّلي مستحيل التحقّق، لكنه يدخل في سياق التحدي المستقبلي الإسرائيلي، بخاصّة أنّ الإرادة التوارتية تسمح بهذا المنطق وتستجيب له، وقد تكون دولة إسرائيل وتحقّقها على أرض الواقع أبرز حدث ساهم في إدراج كل المستحيلات بباب المُمكن المُتاح.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن