في الثامن عشر من شهر مارس استأنف الكيان الصهيوني مجازره في غزة، بوتيرة أعلى من الفصل الأول من حرب الإبادة، التي استمرت 471 يوما، بعد أن أحكم إغلاقا شاملا على قطاع غزة من جميع المحاور ونقاط العبور منذ الثاني من الشهر نفسه، وأوقف تماما أي مساعدات إنسانية، من ماء وغذاء ودواء ومحروقات. وفوق هذا وضع اللوم على حركة المقاومة بدعم من الولايات المتحدة، الشريك الأساسي في المجازر.
حدثت هذه التطورات في ظل ثلاثة متغيرات: صمت الجبهة اللبنانية، وإعلان إدارة ترامب تأييدها المطلق للكيان وفتح بوابات مخازن الأسلحة جميعا، وتوسع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وبالتحديد تدمير المخيمات التي كانت ومازالت حاملة للذاكرة الفلسطينية التي جسدتها نكبة عام 1948. ولا أعتقد أن أحدا يختلف على أن إسرائيل هي التي فرضت الحصار المطبق، وأنها هي التي استأنفت المجازر، إلا أن بعض المسؤولين العرب والفلسطينيين اختاروا، أن يضعوا اللوم على حركات المقاومة، فبدل التعبئة ضد جرائم الحرب التي يمارسها الكيان راحوا يلومون الضحية. قامت مظاهرة في بيت لاهيا يوم 25 مارس، ضمت المئات من المواطنين، بعض الهتافات نادت بوقف الحرب وبعضها طالبت حركة حماس بالرحيل وبعضها عبّر عن الحنق والقهر والظلم والإحباط، وهنا نريد أن نقدم بعض الملاحظات.
– من حق أهل غزة المحاصرين في غزة المجوّعة المدمرة، أن يتظاهروا ضد الجميع. من حقهم أن يصرخوا ويغضبوا، ولا أحد يملك حق أن يرفض طريقة تعبيرهم عن حنقهم وقهرهم وجوعهم وحزنهم على أحبابهم. ومادام الغضب عفويا نابعا من قلوب محروقة لا يجوز لأحد أن يتهم أو يخون أو يمنع أو يفسر بأكثر مما يحتمل الموقف.
– لكن من غير المقبول أن تقوم جماعة التنسيق الأمني، بتجيير أو تفسير تلك الاستغاثات وكأنها استفتاء على صوابية مواقفهم، وخطل مواقف المقاومة. فمن سلم سلاحه وسجن مئات المعارضين فهؤلاء هم آخر من يحق لهم أن يقدموا لنا تفسيرات لتلك الآهات، لأنهم في الأخير هم من يتحمل مسؤولية مصائب الشعب الفلسطيني، عندما قبلوا بمشروع أوسلو الذي لم يأت على ذكر أي من حقوق الشعب الفلسطيني، لكنه أسهب في الدور المناط بالسلطة الفلسطينية.
– إن المطالبة بالخروج من قطاع غزة وتسليم السلاح لا يعني إلا الاستسلام المذل، الذي ستعقبه مجازر لكل من قاوم أو لم يقاوم، من أيّد حركات المقاومة أو لم يؤيدها. وسيعقب الاستسلام التهجير. ولا بأس أن نذكر بأن الخروج من بيروت سنة 1982 أعقبته مجازر صبرا وشاتيلا. والحكم على مظاهرة بيت لاهيا بأنها استفتاء ضد المقاومة، كالحكم على هتاف مئات المستقبلين للمحررين قرب سجن عوفر: "حط السيف قبال السيف ونحن رجال محمد ضيف". وللعلم فقد ردد الخارجون من صلاة العيد في الأقصى المبارك الهتاف نفسه.
– إن من يحمّل المقاومة مسؤولية مجازر غزة، عن جهل أو قصد، يعني بكل بساطة أنه يبرئ الكيان ولا يقرأ التاريخ ولا يفقه في طبيعة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي التفريغي، ولا يعرف ما جرى في صراع المئة عام، كما سماها المؤرخ والكاتب رشيد الخالدي في كتابه الأخير. فهل كانت حماس موجودة عندما ارتكبت إسرائيل مذابح يوم الأرض وقبية والسموع والطنطورة ودير ياسين، وبحر البقر والكرامة وجنوب لبنان وحمام الشط. هذا الكيان قام على المجازر وعاش عليها، وما زال يتغذى على الدم الفلسطيني فأسهل الحلول لديه هوالقتل ثم المزيد من القتل، كما وصفه محمود درويش: "اقتل كي تكون".
– لو أن دعاة الاستسلام هؤلاء منعوا المستوطنين من تدمير الممتلكات، وقطع أشجار الزيتون وهدم البيوت، وطرد المجتمعات المحلية، وتوسيع المستوطنات، لرفعنا لهم شارت النصر وأكاليل الغار. لكن من يتهمونهم بالعمالة لإسرائيل وأنهم وجه آخر للاحتلال هم الذين صمدوا 471 يوما في المواجهات، وقدموا قياداتهم التي لا تجلس في الفنادق كما يدعون بل في الميدان. وهم الذين حرروا آلاف الأسرى وهم الذي خلقوا هذا الشرخ الكبير في مجتمع الكيان، وهم الذين أعادوا القضية إلى جوهر الاهتمام العالمي بعد تغييبها تماما.
– العمليات العسكرية في الضفة الغربية، خاصة في مناطق جنين وطولكرم ونابلس لم تتوقف يوما، خاصة منذ وقف إطلاق النار، بل إن سنة 2023 (قبل طوفان الأقصى) كانت الأكثر دموية منذ الانتفاضة الثانية، خاصة بعد انتخابات 2022 التي جلبت سموتريتش وبن غفير لقمة هرم الفاشية. فكيف يفسر هؤلاء الحرب الشاملة في الضفة، علما أن تلك المناطق، من المفروض أنها خاضعة للسلطة وقواتها الأمنية؟
– هناك ثلة من دعاة الاستسلام ومقاتلي الإنترنت والأنستغرام ومنصة إكس، يدعون أن ما يجري في الضفة هو أوامر خمينية، وأن إيران هي التي تعبئ وتقرر وتوزع. وكأن الاحتلال الذي يعيشه كل أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل يحتاج إلى مُنظـّر من الخارج ليصطف الناس ضد هؤلاء المجرمين والقتلة والمستوطنين، وكأن الفلسطيني من السذاجة حتى يأتي من يحرضه من الخارج، ولولا التحريض الخميني لعاش الناس في سعادة وهناء مع أكثر من 900 حاجز وعشرة آلاف معتقل وعشرات السجون. فقوات الاحتلال لطيفة ورحيمة وجميلة، لا تؤذي أحدا ولا تحرق عائلة ولا تقطع شجرة، وتسمح للناس أن يأكلوا ويشربوا ويتنفسوا ويجلسوا على المقاهي لتدخين الأراجيل. فماذا تطلبون منهم أكثر. لماذا تستمعون لأفكار الخميني أيها الناس. عيشوا في نعيم احتلال سموتريتش وبن غفير ونتنياهو وكاتس.
– أعطونا مثالا واحدا وقع شعب تحت الاحتلال الأجنبي والاستعمار والسيطرة وتحرر بتدبيج الخطب والبيانات وفرق الدبكة ومهرجانات الصيف وتحرير المقالات وتسمين البعثات الخارجية وتبادل الزيارات ومناشدة المجتمع الدولي. نعرف تاريخيا أن كل من ثار ضد جلاديه ومحتليه اتهم بالإرهاب. مانديلا حكم عليه 27 سنة في الأسر بتهمة الإرهاب، وقادة الثورة الجزائرية وقيادات الثورات في ناميبيا وزمبابوي وزامبيا وفيتنام واليمن الجنوبي والعراق وإريتريا في عيون الغاصبين كلهم إرهابيون. وعندما حققوا الاستقلال أصبح هؤلاء قادة لبلادهم، ونصبت لهم التماثيل وسميت بأسمائهم الساحات والمطارات والجامعات. أما من تماهى مع المحتل والغاصب فقد انتهى به الأمر إلى مزبلة التاريخ.
– ليس من حقنا أن ننصب أنفسنا منظرين لمن هم في الميدان. أهل مكة أدرى بشعابها وما علينا إلا أن نعمل كل في مجاله لدعم صمود شعبنا ومساعدة محتاجيه. وأود هنا أن أثني على الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة، عن علم ودراية، حيث يمدون يد العون للفقراء والمعوزين والجوعى والمرضى والجرحى. وهم ليسوا الاستثناء بل كل أبناء الشعب الفلسطيني في الخارج يؤدون هذا الدور كل بطريقته. نحن في الخارج ليس بإرادتنا، ولو فتحت لنا أبواب الوطن الحر (كما وعدنا دعاة سلام الشجعان) لما تأخرنا يوما في العودة.
وأخيرا لنستمع إلى ما قاله سفير الكيان في الأمم المتحدة، داني دانون، يوم 22 مارس في مجلس الأمن مخاطبا السفير الفلسطيني حول أحداث جنين وطولكرم: "السلطة حاولت أن تسيطر على حديقتها الخلفية في جنين وطولكرم لكنها فشلت. في عمليات السلطة التي قامت بها في يناير تمكنت من اعتقال 247 "إرهابيا" وصادرت مئات الأسلحة. ولكنكم فشلتم، وشعبكم يراكم أنكم فشلتم وأنكم حكومة عاجزة فاسدة. لا تسيطرون على جنين ولا على طولكرم. أنتم حكومة صورية فقط. حكومة تتهاوى. غير قادرة على الحكم وغير قادرة على ضمان الأمن. وغير قادرة على احتواء التهديد الذي يواجه المدنيين الإسرائيليين". هل من وضوح أكثر من هذا عن الدور الذي أنيط بسلطة أوسلو؟
(القدس العربي)