صحافة

"المشهد اليوم"…حرب ترامب الجمركية "تغزو" العالم وتهجير غزة مستمرالمجر تنسحب من "الجنائية الدولية" إرضاء لنتنياهو وغارات اسرائيلية على لبنان وسوريا

من اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسوم الجمركية الجديدة في حديقة البيت الأبيض الوردية (رويترز)

لم تهدأ المواقف وردود الفعل منذ اللحظة الأولى لإقرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب رسومًا جمركية جديدة على مختلف الواردات الأميركية، ما دفع العديد من الدول والخبراء الى التحذير من مغبة حرب تجارية عالمية بدأت تلوح في الأفق وسط تنامي المخاوف من تباطؤ اقتصادي خطير ستكون له تداعيات كارثية جدًا لن تكون الولايات المتحدة بمنأى عنها. فترامب، الذي يثير الجدل مع كل خطوة يتخذها منذ لحظة وصوله الى البيت الابيض لم يفرق بين عدو وصديق في قراره الاخير، بعدما فرض نوعين من الرسوم على 180 دولة حول العالم (استثنى منها عددًا قليلًا جدًا من الدول مثل روسيا وبيلاروسيا وكوبا)، فالنوع الاول عبارة عن رسوم جمركية أساسية بنسبة 10% فيما الأخر حدد تعريفات مضادة مع الدول التي لدى الولايات المتحدة تعاملات تجارية معها تراوحت بين 10% و40%. 

وشكل هذا القرار، الذي فاق التوقعات، صدمةً فوريةً في الأسواق العالمية التي تشهد أساسًا هشاشةً بارزة كما دفع العديد من الدول الى درس خياراتها لمواجهة تداعيات هذا القرار، اذ نبهت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن هذه الرسوم ستُوجّه "ضربة قوية" للاقتصاد العالمي. في حين طالبت وزارة التجارة الصينية بـ"الإلغاء الفوري"، متوعدة باتخاذ إجراءات مضادة حماية لمصالحها. ولم تسلم الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي الست من الاجراءات حيث كان لها حصة ضمن اللائحة التي خضعت لتعريفات بنسب متفاوتة ما انعكس سلبًا على أداء الأسواق العربية خلال تداولات أمس، الخميس.

"الجنون الاميركي الاقتصادي"، إن صح التعبير، يتزامن مع التعقيدات في المشهد السياسي برمته خاصة في قطاع غزة الذي يشهد على بدء اسرائيل خطة التهجير "الطوعي" للأهالي مع اصدار أوامر اخلاء جديدة وتوسيع نطاق العملية العسكرية وفرض حصارًا شاملًا على المعابر ومنع ادخال المساعدات الطبية والانسانية والغذائية منذ أكثر من شهر. هذه العوامل تضاف الى القصف والغارات المتواصلة وارتكاب قوات الاحتلال المزيد من المجازر بحق الاطفال والنساء مستفيدة من الصمت العربي والعالمي والدعم الاميركي اللامحدود وكان آخرها المجزرة المروعة أمس في مدرسة "دار الأرقم" التي تؤوي نازحين في حي التفاح بمدينة غزة، والتي خلفت عشرات الشهداء والجرحى.

وفي جديد التصريحات، شدد الرئيس ترامب على أنه سيسعى لحل "أزمة غزة المستمرة منذ عقود". وقال إن "الكثير يموتون هناك، وسنرى ما يُمكن أن نفعله في هذا الشأن". وكانت معلومات راجت، في وقت سابق، تشير الى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يزور أميركا الأسبوع المقبل لتكون زيارته الثانية منذ تولي ترامب السلطة ما يعكس مدى التعاون والتنسيق بين البلدين. هذا وأحبط مجلس الشيوخ الأميركي، بأغلبية ساحقة، مسعى لمنع بيع أسلحة بقيمة 8.8 مليار دولار لإسرائيل التي ترتكب ابادة جماعية بحق أهالي القطاع المنكوب وتمنع عنهم المساعدات مما يرقى، وفق القوانين والاعراف المعتمدة، الى "جريمة حرب".

وكثفت ادارة ترامب في الفترة الاخيرة من توريد الاسلحة، ومنها القنابل الثقيلة، والتي سبق وأوقفتها ادارة الرئيس السابق جو بايدن ما مكّن حليفتها الاستراتيجية، اسرائيل،  في استكمال حربها على غزة وعرقلة مقترحات الوسطاء لخلق العثرات أمام التفاوض فيما يبدي أهالي المحتجزين لدى "حماس" امتعاضًا كبيرًا من أداء الحكومة، التي ترفض الحل الدبلوماسي والعودة الى طاولة المفاوضات، بل "تكشر عن أنيابها" لاستكمال الحرب حتى "النفس الاخير" وفق تصريحات كبار مسؤوليها. وفيما تتواصل جهود الوساطة المصرية بحثاً عن بارقة أمل "ولو ضئيلة"، يستمر نتنياهو في تحدي قرارات المحكمة الجنائية الدولية حيث حط في بودابست في أول رحلة له إلى أوروبا منذ 2023. هذه الزيارة التي لاقت حفاوة وترحيب حار من جانب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي اعلن عن سعي بلاده للخروج من المحكمة وعدم الالتزام بالقرارات الصادرة عنها، ما يمثل انتكاسة جديدة لحقوق الانسان ولمبدأ تحقيق العدالة.

التصعيد الخطير في غزة ومساعي التجزئة التي تجري على قدم وساق، تترافق مع التوتر المتعاظم على الجبهة السورية حيث استهدفت غارات إسرائيلية، أمس، مقرّين عسكريين قرب دمشق، بحسب ما أوردته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، وذلك بعد ساعات من ضربات مماثلة طالت قاعدة جوية في حمص، ومحيط مركز للبحوث العلمية في شمال دمشق ومدينة حماة وسط البلاد. وبعد الغارات الجوية، ليل الأربعاء، استشهد 9 سوريين من سكان درعا بنيران إسرائيلية خلال تصديهم لتوغل قوات العدو في المنطقة الواقعة بين مدينة نوى وبلدة تسيل، في الريف الغربي للمحافظة.

في غضون ذلك، تبرر اسرائيل تعدياتها المتكررة على الاراضي السورية، منذ سقوط النظام السابق، بإزالة أي تهديد بمكن أن يستهدف مواطنيها كما تنظر بعين الريبة والقلق من تعاظم الدور التركي في سوريا وسط اتهاماتها لانقرة بمحاولة فرض وصايتها على دمشق. هذه المواقف التصاعدية استوجبت ردًا واضحًا من وزارة الخارجية التركية التي اتهمت تل أبيب بأنها "أكبر تهديد للأمن في المنطقة"، داعية إياها الى "التخلي عن سياساتها التوسعية، والانسحاب من الأراضي التي تحتلها، والكفّ عن تقويض جهود إرساء الاستقرار في سوريا". يُذكر أن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أرسل تحذيرًا للحكومة السورية "من أنها ستدفع ثمنًا باهظًا إذا سمحت لقوات معادية لإسرائيل بالدخول".

هذه المستجدات التي تضع المنطقة في مهب الريح وتطرح أكثر من علامة استفهام عن المشاريع الاسرائيلية في سوريا ولبنان، تواكب العمليات العسكرية الاميركية المستمرة ضد الحوثيين في اليمن. في وقت تسعى ايران الى التوصل لاتفاق مع الادارة الاميركية الجديدة بشأن ملفها النووي ولكن عبر مفاوضات غير مباشرة. وضمن السياق، لم يستبعد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر توصل واشنطن وطهران إلى حل دبلوماسي يردع إيران من إنتاج سلاح نووي، بينما حذر نظيره الفرنسي جان نويل بارو من أن "الفرصة المتاحة لمثل هذا النهج الدبلوماسي آخذة في الانغلاق"، وذلك خلال لقاء جمع الجانبين في فرنسا. الى ذلك، يجري وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاثة (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) مشاورات مع نظيرهم الأميركي ماركو روبيو في بروكسل اليوم، الجمعة، للاطلاع على الخطط الأميركية بشأن الملف النووي الإيراني.

أما في لبنان، فتزداد التعديات الاسرائيلية والاستهدافات لشخصيات محسوبة على "حزب الله" كما الفصائل الفلسطينية، حيث أعلن الدفاع المدني اللبناني عن مقتل 3 أشخاص في غارة إسرائيلية على شقة في مدينة صيدا فجر اليوم، فيما أفيد، بحسب المعلومات، أن المستهدف هو المسؤول في حركة "حماس" حسن فرحات (أبو ياسر) وقد قضى مع إبنه وإبنته جراء الغارة. ويأتي هذا الاستهداف بينما أصيب شخصان بجروح، الخميس، خلال استهداف سيارة على طريق بنت جبيل بجنوب لبنان، فيما واصلت إسرائيل قصفها لعدة مناطق. هذا وينتظر لبنان وصول الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت يوم غدٍ، السبت، لعقد لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين، بهدف بحث كيفية معالجة الوضع في جنوب لبنان.

الجولة الصباحية على الصحف العربية الصادرة اليوم أظهرت حجم الاهتمام بالقضية الفلسطينية إلى جانب الاوضاع المستجدة في لبنان ناهيك عن قرارات ترامب التجارية. وهنا نرصد أبرز ما ورد:

اعتبرت صحيفة "الخليج" الاماراتية أن "إدارة ترامب تجاوزت كل حدود العلاقات في دعم إسرائيل على حربها على غزة، ووفّرت لها كل الدعم السياسي والعسكري كما الحماية في الأمم المتحدة بالحيلولة دون صدور أي قرار من مجلس الأمن يدينها"، مشيرة الى أن "إدارة ترامب تعمل لتحقق لإسرائيل أهدافها السياسية التي لم تحققها في الحرب خلال إدارة بايدن، ومنها مقترح تهجير أكثر من مليونين في غزة، وتزويدها بأسلحة مهمة، ومعاقبة الجنائية الدولية وصدور قرارات تنفيذية ضد معاداة "السامية" ومعاقبة الجامعات التي تسمح بخروج مسيرات ضد إسرائيل".

وتحت عنوان "تطهير عرقي في غزة"، كتبت صحيفة "الوطن" القطرية متسائلة "قصف جوي وبحري وبري على قطعة أرض لم يبق فيها مبنى أو مؤسسة أو مدرسة أو مشفى أو شارع إلا تم تدميره كليًا أو جزئيًا ولا شارع إلا وتم تجريفه.. وما بقي لا يصلح للحياة ومع أكثر من 55 ألف شهيد و120 ألف جريح ماذا تريد أميركا وإسرائيل؟"، واضافت: "ما يجري هو تطهير عرقي في غزة وليس "حماس" هي السبب.. هذه سياسة صهيونية وللأسف مدعومة أميركيًا، فإسرائيل تعمل على تهجير الناس من الضفة أيضاً".

وشددت صحيفة "الأهرام" المصرية على أن "ملف تهجير الفلسطينيين يتصدر المشهد في ظل ما يقوم به جيش الاحتلال من تفريغ للعديد من المناطق داخل قطاع غزة ومنع دخول المساعدات وتحويل غزة إلى مكان غير صالح للحياة مما قد يدفع السكان إلى البحث عن مخرج والتجاوب مع المخطط الصهيو ـ أمريكي، لدفعهم للهجرة قسريًا"، مؤكدة أن "هذا التصعيد المستمر من إسرائيل وخلفها الولايات المتحدة سيجر المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار وربما حدوث فوضى سيدفع الجميع ثمنها".

من جهتها، أشارت صحيفة "الجريدة" الكويتية الى أن "إسرائيل تسعى لممارسة أقصى أنواع الضغوط العسكرية على لبنان لإقناعه بالذهاب نحو المفاوضات. ولذلك، تكثف من عملياتها العسكرية أو عمليات الاغتيال، وسط مخاوف من أن يصبح استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مسألة روتينية أو تتكرر بشكل دائم ومن دون أي تحذيرات"، لافتة الى أن "المعلومات تشير إلى أن إسرائيل تريد تنفيذ عملياتها في أي مكان تريده، وأنها ستضرب أي هدف تسنح لها الفرصة في استهدافه".

أما صحيفة "اللواء" اللبنانية، فألمحت الى "أن إدارة ترامب لا تغطي الخروقات الإسرائيلية المتكررة وحسب، بل تقدم الدعم العسكري والديبلوماسي لحكومة نتنياهو لتشجيعها على إرتكاب المزيد من الإعتداءات في لبنان، والإستمرار في إرتكاب المجازر ضد الفلسطينيين العُزَّل في غزة"، منبهة الى أن "الخطر الذي يمكن أن يحيق بلبنان في هذه الفترة بالذات، هو محاولة ربط موضوع سلاح "حزب الله" لما يمكن ان يحدث في إيران، في حال فشل المفاوضات الديبلوماسية مع واشنطن".

في سياق منفصل، قالت صحيفة "القدس العربي"، في معرض تناولها للرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الاميركي "الحلّ، بالنسبة لمليارديرات مثل ترامب نفسه، وحلفائه الكبار مثل إيلون ماسك (وزير الكفاءة الوطنية) وجيف بيزوس (صاحب "أمازون") يتم بالطريقة نفسها التي يدار بها الاقتصاد الأمريكي، ولكن، هذه المرة، عبر تحميل العالم كلّه مسؤولية الدفع"، لكنها أوضحت أن "الخسائر الكبرى ستدفعها طبعا الدول الأكثر فقرًا وضعفًا في العالم، وستكون طبقاتها الأكثر هشاشة وفقرًا، هي الأكثر تعرضًا للتداعيات الخطيرة"، وفق تعبيرها.

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن