الأمن القومي العربي

سيطرة الجيش على الخرطوم: نهاية الحرب أم انتقالها إلى فصل جديد؟!

السودان - ماهر أبوجوخ

المشاركة

تطوّرات متسارعة شهدتها الأوضاع العسكرية في السودان، تزايد وقعها في العاصمة الخرطوم منذ إعلان الجيش فكّ الحصار عن مقر قياداته المركزية في وسط العاصمة في 25 يناير/كانون الثاني الماضي وما تلاه من تطوّرات في مسرح العمليات بلغت ذروتها بإكمال السيطرة على مقر القصر الجمهوري والوزارات القوميّة على رأسها رئاسة مجلس الوزراء والمالية والداخلية والعدل في 22 مارس/آذار وما أعقب ذلك من وصول قائد الجيش الفريق الأول الرّكن عبد الفتاح البرهان وهبوط أول طائرة في مطار الخرطوم منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 ودخوله القصر بعد أربعة أيام من إعلان الجيش سيطرته عليه، وخلال تلك الزيارة أعلن البرهان أنّ "الأمر انتهى وباتت الخرطوم حرّة" من قوات الدعم السريع.

سيطرة الجيش على الخرطوم: نهاية الحرب أم انتقالها إلى فصل جديد؟!

لعلّ تسارع الأحداث في جبهات القتال، بما في ذلك تراجع حدّة مقاومة قوات الدعم السريع الموجودة في الخرطوم خصوصًَا بعد الخطاب المصوّر لقائدها الفريق الأول محمد حمدان دقلو "حميدتي" الذي بُثّ يوم 15 مارس/آذار الذي أعلن فيه عدم خروجهم من العاصمة أو القصر، أثار تساؤلاتٍ عديدةً بخاصة بعد استعادة الجيش والمجموعات المتحالفة معه السيطرة على المواقع الاستراتيجية في العاصمة بما في ذلك القصر ومقرّ المخابرات العامة والمطار والجسور والمنطقة العسكرية في جبل أولياء بشكلٍ متسارعٍ من دون مقاومة من الدعم السريع، وهو ما دفع البعض للإشارة إلى وجود تفاهمات وصفقة بين الطرفيْن، فيما ذهب آخرون لاعتبار تلك النتائج العسكرية تفسيرًا وتأكيدًا على الانهيار الكامل لقوات الدعم السريع.

تُظهر الوقائع الموضوعيّة وتطوّرات المشهد العسكري منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي في مواجهة قوات الدعم السريع وقواته المنتشرة على امتداد ثلاث ولايات (سنّار/ الجزيرة والعاصمة الخرطوم) تعرض هذه القوات لمصاعب عسكرية حقيقيّة جعلتها فعليًا تتراجع جرّاء الهجمات العسكرية التي شنّها الجيش والمجموعات المتحالفة معه وهو ما ترتّب عليها فقدان مواقع استراتيجية (جبل موية/ سنجة عاصمة ولاية سنار)، إلّا أنّ التحوّل الأكبر كان إعلان قائد قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة اللواء أبوعاقلة كيكل انسلاخه وانضمامه إلى الجيش في 20 أكتوبر/تشرين الأول، فخلق هذا الانسلاخ متاعب إضافية للدعم السريع وترتّب عليه زيادة الضغط العسكري على قواته في ولاية الجزيرة، وانتهى المشهد باستعادة الجيش السيطرة على عاصمة ولاية الجزيرة مدني في 11 يناير/كانون الثاني بالإضافة لمدن أخرى في الولاية تباعًا وترتّب على هذا الوضع خنق قوات الدعم السريع الموجودة في العاصمة الخرطوم التي اشتدّ عليها الحصار بعد فقدانها السيطرة على منطقة مصفاة الجيلي شمالي العاصمة في 25 من الشهر عينه والذي تزامن مع فكّ الحصار عن القيادة المركزية للجيش في وسط الخرطوم.

بالنّظر إلى هذه الوقائع، فإنّ الخيار العسكري الأفضل للدعم السريع في ظلّ تعرّض قواته للحصار في العاصمة الخرطوم كان الانسحاب من مناطق تمركزه ووجوده في العاصمة والإفلات من كمّاشة الحصار بالاتجاهات الشمالية والشرقية والجنوبية عبر التوجّه غربًا بعبور ضفّة النيل الأبيض من الخرطوم عبر جسر خزان جبل أولياء صوب أم درمان. وبالنّسبة للجيش فكان هدفه الأساسي استعادة السيطرة على العاصمة بأقلّ خسائر ممكنة لأنّ الهجوم على القوات المنسحبة كان يعني عدم منحها أي فرصة سوى القتال وهو أمر قد يُطيل أمَد المعركة ويحدث خسائر يمكن تجنّبها بهذا السيناريو.

مع اقتراب حرب السودان من إكمال عامها الثاني ودخولها عامها الثالث في منتصف أبريل/نيسان المقبل ومع استصحاب التطوّرات الماثلة خلال الأشهر الثلاثة من هذا العام، بات السؤال المطروح إلى أين تتجه الحرب في السودان، فهل اقتربت نهايتها فعلًا أم أنّها تتجه إلى مسارٍ وفصلٍ جديد؟!.

بالنّظر إلى الخطابات الصادرة عن قيادة الطرفَيْن ممثّلَيْن بقائديْ الجيش والدعم السريع بمناسبة عيد الفطر المبارك، فمن الواضح أنّ السّمة العامة للخطابَيْن لا تبشران بأي أفق قريب يُنهي الحرب سلميًّا عبْر طاولة التفاوض وهو الأمر الذي راج تأويله وتفسيره بعد التحرّكات الإقليمية الأخيرة لنائب وزير الخارجية السعودي وليد بن عبد الكريم الخريجي إلى دول إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد وتزامنها مع زيارات مماثلة لوزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي شخبوط بن نهيان لتلك الدول بالإضافة إلى كينيا في الأسبوع الثالث من مارس/آذار، وهو ما فُهم وقتها بأنّه جزء من تحضيرات المشهد لإحياء المسار السياسي بين طرفَيْ الحرب في السودان عبر "منبر جدّة" المجمّد منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، فيما نظر البعض لتلك الزيارات المتتالية كجزءٍ من التنافس الإقليمي بين الرياض وأبوظبي من واقع موقف كلّ منهما تجاه طرفَي الحرب بالسودان.

أمّا الوقائع العسكرية في ضوء التطوّرات والموقف الميداني للطرفيْن والمجموعات المتحالفة معهما فإنّ الخلاصة الأساسية تُظهر تحقيق الجيش وحلفائه لانتصار عسكري وسياسي ومعنوي كبير باستعادة السيطرة على العاصمة ليُكمل بها سلسلة من النجاحات العسكرية المستمرّة منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي بإخراج قوات الدعم السريع من كل المناطق الواقعة في وسط البلاد ممثلةً في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنّار، وشروع قوات الجيش وحلفائه في التقدّم غربًا واستعادة السيطرة على مدن أم روابة والرهد بولاية شمال كردفان، مع العمل على استمرار حاضرة دارفور التاريخيّة وعاصمة ولاية شمال دارفور (الفاشر) في الصّمود في مواجهة حصار وهجمات الدعم السريع المتواصِلة والمستمرّة للسيطرة عليها، والانتقال بالأوضاع من مرحلة الدفاع في الولايات الغربية في كردفان ودارفور إلى وضعية الهجوم وبداية محاصرة الدعم السريع في تلك الولايات.

لكن من الواضح أنّ الدعم السريع، على الرَّغم من التطورات العسكرية في غير صالحه منذ أكتوبر/تشرين الأول وحتّى نهاية رمضان، يراهن على توظيف واستثمار اتفاقه السياسي الموقّع في العاصمة الكينية نيروبي في فبراير/شباط، وتكوين كتلة (التأسيس) مع أطراف ذلك الاتفاق على رأسها الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الفريق عبد العزيز الحلو، لفتح جبهات قتال جديدة مشتركة مع قوات الحلو في منطقتَيْ (النيل الأزرق) المتاخمة للحدود مع إثيوبيا و"جنوب كردفان" لتعزيز سيطرتها على تلك المناطق وضرب حصار إضافي على حاميات الجيش في تلك المناطق، وعمليًا تمّت ترجمة هذا السيناريو بإعلان السيطرة على منطقة لقاوة الاستراتيجية في 23 مارس/آذار بغرض تمهيد تقدّمها صوب المناطق النفطية في غرب كردفان إلى جانب عمليات عسكرية أخرى في النيل الأزرق.

وتـُمثّل سيطرة الدعم السريع على (المالحة) بولاية شمال دارفور قبل يومٍ من إعلان سيطرتهم على لقاوة انتصارًا عسكريًا مهمًّا لكونها تمثّل نقطة ارتكاز وتجميع للقوة المشتركة المُشكّلة من الفصائل الموقّعة على اتفاق سلام جوبا والتي تقاتل مع الجيش، وتُجسّد قوّة الإسناد الأساسيّة للجيش في مهامّ الدفاع عن الفاشر، كما يهدف الدعم السريع من وجوده في هذه المنطقة السيطرة على الطريق المُفضي لمنطقة المثلّث المشترك مع ليبيا وتهديد منطقة الدبة في الولاية الشمالية التي تُعدّ نقطة الوصل بين مناطق سيطرة الجيش ودارفور ومن ثمّ نقل التهديدات العسكرية لمناطق الولاية الشمالية.

في الخلاصة، ومن خلال وقائع الحرب والتطوّرات المرتبطة بها بعد إكمال الجيش سيطرته على العاصمة الخرطوم بجانب التحركات السياسية والعسكرية للدعم السريع، ومع استصحاب خطابات ولغة الطرفيْن، يمكننا القول إنّ هذه الحرب في طريقها لإنهاء أحد فصولها وبدء فصل جديد قد تتغيّر فيه جغرافيا المواجهات العسكرية أو الأسلحة أو التكتيكات أو الأطراف.. لكنّها تظلّ أحد فصول حكاية الحرب المندلعة في السودان والمستمرة دون توقف منذ ما يقارب الثلاثة أعوام!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن