قد تبدو المقارنة غير صحيحة بين ما يجري في داخل قطاع غزة من حالة من الاحتجاجات على استمرار حكم حركة "حماس" برغم حالة الدمار الكبير، الذي آل إليه القطاع وسقوط آلاف الفلسطينيين ضحايا في الحرب، وعدم وجود مقاربة حقيقية للحل في ظل الاستمرار في دائرة الفراغ بشأن تسليم عدد من المحتجزين والأسرى، والحديث عن الانسحابات الجزئية والإعمار، واعادة ترتيب الأجواء داخل قطاع غزة أمنياً وسياسياً عبر لجنة توافقية بين حركتي "فتح" و"حماس"، والتجاوب مع ما يُطرح أميركياً وإسرائيلياً، وبين ما جري في إسرائيل من تطورات متعلقة باستمرار حالة التظاهرات الكبرى دورياً في شوارع إسرائيل للمطالبة بإتمام صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين ووقف إطلاق النار.
وهو ما يؤكد أن الانقسام الجاري في المجتمع الإسرائيلي مرتبط بحالة الحكومة الراهنة، ومكونات ائتلافها في المقام الأول، واستمرار حالة التجاذب الداخلي المرتبط بإقالة رئيس الشاباك، والمستشارة القضائية، وغيرها من الإجراءات الداخلية المرتبطة بممارسات الحكومة الإسرائيلية، وإعادة تثبيت حضورها على الأرض، بعد عودة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى موقعه مجدداً ليمارس مخططه الأمني. وبالتالي، فإن الإشكالية الرئيسة في الحالتين استمرار حالة التشرذم الداخلي في غزة وإسرائيل، وعدم وضوح الرؤية أو التوصل إلى حل سياسي حتى الآن.
فبالنسبة لغزة لن يكون الأمر سهلاً في سياق الكثير من الحسابات، واستمرار النهج الإسرائيلي في داخل القطاع، والاعتماد على الخيار العسكري بصورة كبيرة مع تطوير الأهداف الرئيسة في القطاع من خلال ضرب البنية الأساسية بالكامل، واستئناف سياسة الاغتيالات للعناصر الأمنية الداخلية والكوادر من الصف الثاني، وقطع الإنترنت والمياه والكهرباء في إطار مخطّط محدد، يستهدف التأكيد على أن القطاع غير صالح للحياة، ومن ثم تشجيع الهجرة الطوعية، والتي بدأت على أرض الواقع ولدول متعددة، وهو الأمر الذي سيفرض استراتيجية الأمر الواقع على كل الأطراف.
وفي المقابل، فإن ما يجري في إسرائيل سيحتاج إلى مراجعات داخلية متعلقة بحالة عدم الاستقرار، التي تجري في الوقت الراهن برغم استقرار الحكومة إلا أن الرأي العام الإسرائيلي، بات منقسماً ما بين شعبين مع وضد المشهد الراهن، وفي ظل تحذيرات من دخول إسرائيل حرباً أهلية، إذا استمر المشهد الراهن على ما هو عليه، الأمر الذي يؤكد أن الوضع الراهن في إسرائيل غير مناسب للانخراط في مسار وقف إطلاق النار، إلا بعد تحقيق الأمن المنشود، وعدم تكرار ما جرى في 7 أكتوبر.
وهو ما قد يتكرر في ظل خيارات صعبة ومحتملة بالتصعيد التدريجي على الجبهة اللبنانية، حيث لا ضمانات حقيقية، حتى الآن، برغم ما جرى لـ"حزب الله"، وحركة "حماس"، وفي ظل احتمالات البحث عن بدائل أخرى مباشرة لتهديد أمن إسرائيل، والدخول مجدداً في مواجهات نوعية جديدة، برغم ما جرى من تدمير شبه كامل لقدرات حركة "حماس"، و"حزب الله" والاتجاه الراهن أميركياً وإسرائيلياً إلى التعامل مع جبهة الجماعة "الحوثية".
في هذا السياق، من المقارنة بين ما يجري في قطاع غزة وإسرائيل وحالة الرفض الواضح لقطاعات الرأي العام ما يشير إلا أن البديل -وبحثاً عن حل- على سبيل المثال في غزة، قد يكون حكم العشائر التي طالبت إسرائيل به بعد عدة أشهر من الحرب في غزة، أو عناصر مدنية أو خدمية غير فصائيلية، وهو ما يؤكد أن إسرائيل ستظل تبحث عن البديل في ظل توقعاتها بأن "حماس" لن تخرج من حكم القطاع، وستضحي بكل فلسطيني موجود في غزة، وأن ما تقوم به من قبول بالمقترحات الراهنة، يأتي في سياق تكتيكي وليس استراتيجياً، وأن المطروح إسرائيلياً الذهاب إلى انتخابات مبكرة وإنهاء حالة الانقسام في الساحة السياسية.
في إسرائيل الآن لا توجد خلافات كبيرة حول شكل الاستقرار أو الحوار القومي في ظل ما يجري بالفعل، واستمرار حكم نتنياهو، ما دام يحظى بدعم المؤسسة الدينية والحاخامات الكبار، الذي يراهنون بالفعل على استمرار المشهد، ويوجهون إسرائيل نحو العمل العسكري ليس فقط لتحسين شروط التفاوض فقط، وإنما لإنهاء وجود الفلسطينيين على الأرض، في ظل ما يتم العمل به، وتحت شعار متعارف عليه في الأوساط الإسرائيلية "نحن والأغيار".
في مقابل ذلك، سيظل التصور الإسرائيلي العمل داخل قطاع غزة على خيارات ممتدة، وهو ما قد يصعب التوصل لحل، ولو مرحلي حقيقي في ظل الوضع الفلسطيني الراهن، واستمرار حالة التباين بين الفصيلين "حماس" وفتح، وحاجة الرأي العام الفلسطيني للعمل على أرضية مستجدة، وهو ما قد يعيق بالفعل التوصل لأي حل حقيقي، خاصة أن السلطة الفلسطينية ضعيفة، وتحتاج إلى دعم حقيقي وإعادة تعويم دورها، وتطوير دور منظمة التحرير ومؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، لكي يقتنع الرأي العام الدولي بجدوى التغيير، وليس المناورة التي تعمل بها السلطة الفلسطينية.
إن حالة الاحتجاجات داخل إسرائيل وغزة لها أُسس حقيقية راسخة مرتبطة بما آلت إليه الأوضاع الفلسطينية والإسرائيلية في العموم، والتي قد تؤثر في مسار ما سيجري من تطورات حقيقية على الأرض، وفي ظل خيارات لا تزال مفتوحة على سيناريوهات متعددة.
(الاتحاد الإماراتية)