كانَ مِنَ الطَّبيعيِّ أَنْ تَخْتَلِفَ المَواقِفُ بِشَأْنِ هَذا القَرارِ ما بَيْنَ مُؤَيِّدٍ وَمُعارِضٍ وَمُتَحَفِّظ. رَأى المُؤَيِّدونَ أَنَّ القَرارَ يُمَثِّلُ "فُرْصَةً" لِتَثْبيتِ وَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ في قِطاعِ غَزَّةَ المُثْخَنِ بِجِراحِ عُدْوانٍ إِسْرائيليٍّ اسْتَمَرَّ لِعامَيْنِ، وَتَسْهيلِ وُصولِ المُساعَداتِ الإِنْسانِيَّةِ والإِغاثِيَّةِ لِسُكّانِهِ، وإنْهاءِ –أَوْ على الأَقَلِّ تَعْطيلِ– خُطَطِ نِتِنْياهو لِتَهْجيرِهِم. إِضافَةً إلى أَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِدَوْرٍ لِلسُّلْطَةِ الفِلَسْطينيَّةِ في إِدارَةِ القِطاعِ بَعْدَ إِصْلاحِها، وَتَقَدُّمِ عَمَلِيَّةِ إِعْمارِ غَزَّةَ، وأنَّ ذَلِكَ "قَدْ يُوَفِّرُ الظُّروفَ لِبَلْوَرَةِ مَسارٍ مَوْثوقٍ نَحْوَ تَقْريرِ المَصيرِ وَقِيامِ دَوْلَةٍ فِلَسْطينيَّةٍ"، وَأنَّهُ أَوْكَلَ الإِدارَةَ اليَوْمِيَّةَ لِلْقِطاعِ إلى لَجْنَةٍ فِلَسْطينيَّةٍ مِنَ التِّكْنوقْراطِ المُسْتَقِلّينَ مِنْ أَهالي غَزَّة. أَضِفْ إلى ذَلِكَ، أَنَّ تَنْفيذَ القَرارِ في دِيسَمْبِر/كانونَ الأَوَّلِ 2027، وَلا يَتِمُّ تَجْديدُهُ مِنْ دونِ مُوافَقَةِ مَجْلِسِ الأَمْن.
القرار ارتكب جرمًا عندما وضع شروطًا على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم خلافًا لما هو مستقر عليه دوليًا
يَتَبَنَّى المُعارِضونَ لِلْقَرارِ مَوْقِفًا مُعاكِسًا بِالمرّة وَيَعْتَبِرونَهُ فَخًّا تَمَّ تَصْميمُهُ بِعِنايَةٍ لِكَيْ يُقَدِّمَ لِإِسْرائيلَ سِلْمًا وَدِيبْلوماسِيَّةً ما عَجِزَتْ عَنْ تَحْقِيقِهِ حَرْبًا وَقِتالًا، فَهُوَ لا يُحَدِّدُ المَعاييرَ التي على أَساسِها يَتِمُّ تَقْييمُ أَنَّ إِصْلاحَ السُّلْطَةِ قَدْ تَمَّ على "نَحْوٍ مُرْضٍ"، وَما هي الهَيْئَةُ التي سَتَقومُ بِهَذا التَّقْييمِ؟، وَيَنْطَبِقُ ذَلِكَ على شَرْطِ "تَقَدُّمِ أَعْمالِ إِعادَةِ تَطْويرِ غَزَّة". وَمَعَ افْتِراضِ تَنْفيذِ القَرارِ، أَشَاروا إلى أَنَّهُ سَمَحَ لِلْجَيْشِ الإِسْرائيليِّ بِالاسْتِمْرارِ في احْتِلالِ "مُحيطٍ أَمْنيٍّ سَيَظَلُّ قائِمًا إلى حينِ تَأْمينِ غَزَّةَ على نَحْوٍ كافٍ"، وَيُرَتِّبونَ على كُلِّ ما تَقَدَّمَ، أَنَّ الأَمْرَ مَتْروكٌ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ في تَرْتيبِ الأَوْضاعِ الخاصَّةِ بِتَنْفيذِ القَرار. يُضيفونَ إلى ذَلِكَ، أَنَّ القَرارَ ارْتَكَبَ جُرْمًا فاحِشًا عِنْدَما أَشارَ إلى وَضْعِ شُروطٍ على حَقِّ الفِلَسْطينيّينَ في تَقْريرِ مَصيرِهِمْ خِلافًا لِما هُوَ مُسْتَقَرٌّ عَلَيْهِ دَوْلِيًّا مِنْ أَنَّ حَقَّ تَقْريرِ المَصيرِ لِلشُّعوبِ هُوَ حَقٌّ طَبيعِيٌّ أَصيلٌ لا يَجِبُ المَساسُ بِهِ أَوِ المُفاوَضَةُ عَلَيْه.
لا بُدَّ مِنَ الاعْتِرافِ بِغُموضِ الكَثيرِ مِنْ عِباراتِ القَرارِ، وَهُوَ الغُموضُ نَفْسُهُ الذي اتَّسَمَتْ بِهِ بُنودُ خُطَّةِ تْرامْب مِما يُعْطي مَجالًا للالْتِباسِ وَتَعَدُّدِ التَّفْسيراتِ وَتَضارُبِها على النَّحْوِ الذي حَدَثَ في قَرارِ مَجْلِسِ الأَمْنِ 242 لِعامِ 1967 الذي أَشارَ إلى تَعْبيرِ انْسِحابِ إِسْرائيلَ مِنْ "أَراضٍ مُحْتَلَّةٍ"، مِما فَتَحَ البابَ لِلْجَدَلِ حَوْلَ ما إِذا كانَ القَرارُ يُشِيرُ إلى بَعْضِ الأَراضي المُحْتَلَّةِ أَوْ كُلِّها.
هناك مجال لتأثير وجود موقف عربي تضامني يعمل على استثمار العناصر الإيجابية في القرار
لَمْ يُحَدِّدْ القَرارُ الخاصُّ بِغَزَّةَ قَواعِدَ تَشْكيلِ "مَجْلِسِ السَّلامِ"، وَلا طَريقَةَ عَمَلِهِ، وَلا مَرْجِعِيّاتِهِ، بِالإِضافَةِ إلى عَدَمِ تَحْديدِ قَواعِدِ اخْتِيارِ الدُّوَلِ التي تُرْسِلُ جُنودَها ضِمْنَ "قُوَّةِ الاسْتِقْرارِ الدَّوْليِّ"، وَلَمْ يوضِّحْ عَمّا إِذا كانَتْ قُوَّةَ حِفْظِ سَلامٍ أَمْ أَنَّها قُوَّةٌ قِتالِيَّةٌ لِفَرْضِ السَّلامِ، وَنَزْعِ السِّلاحِ مِنَ الفَصائِلِ الفِلَسْطينيَّةِ، والتي أَشارَ إِلَيْها القَرارُ بِـ "الجَماعاتِ المُسَلَّحَةِ مِنْ غَيْرِ الدُّوَلِ"، كَما لَمْ يوضِّحْ ما هُوَ المَقْصودُ مِنْ تَعْبيرِ "الِامْتِيازاتِ والحَصاناتِ" لِأَفْرادِ القُوَّة.
يُلاحَظُ أَيْضًا أَنَّ القَرارَ تَجاهَلَ تَحْديدَ أَيِّ جَداوِلَ أَوْ مَحَطّاتٍ زَمَنِيَّةٍ لِتَنْفيذِ بُنودِهِ بِما في ذَلِكَ انْسِحابُ إِسْرائيلَ مِنَ المَناطِقِ التي تَحْتَلُّها الآنَ فيما يُسَمّى بِحُدودِ الخَطِّ الأَصْفَر. وَبَيْنَما نَصَّ القَرارُ على قِيامِ مَجْلِسِ السَّلامِ بِرَفْعِ تَقاريرَ إلى مَجْلِسِ الأَمْنِ مَرَّةً كُلَّ سِتَّةِ شُهورٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوضِّحْ دَوْرَ الثّاني في مُناقَشَةِ مَضْمونِها، وَحَقَّهُ في إِبْداءِ الرَّأْيِ فيها. يَأْخُذُ المُتَحَفِّظونَ بِمَوْقِفٍ عَمَليٍّ فَهُمْ يُدْرِكونَ جَوانِبَ الغُموضِ في القَرارِ واحْتِمالاتِ إِساءَةِ اسْتِخْدامِهِ وَلَكِنَّهُمْ يُدْرِكونَ في الوَقْتِ ذاتِهِ الفُرْصَةَ التي يُوَفِّرُها القَرارُ، وأَنَّ هُناكَ مَجالًا لِتَأْثيرِ وُجودِ مَوْقِفٍ عَرَبي تَضامُنيٍّ يَعْمَلُ على اسْتِثْمارِ العَناصِرِ الإِيجابيةِ في القَرارِ، فَهُناكَ دَوْرٌ رَئيسيٌّ لِلدُّوَلِ الخَليجيَّةِ العَرَبيةِ التي مِنَ المُتَوَقَّعِ مُشارَكَتُها في تَمْويلِ إِعْمارِ غَزَّةَ، وَهُناكَ دَوْرٌ لِلدُّوَلِ الإِقْليميَّةِ الثَّلاثِ المُوَقِّعَةِ على الاتِّفاقِ والضّامِنَةِ لَهُ، وَهي مِصْرُ وَتُرْكِيا وَقَطَرُ، وَهُناكَ دَوْرٌ خاصٌّ لِمِصْرَ التي أَعْطى قَرارُ مَجْلِسِ الأَمْنِ لَها – مَعَ إِسْرائيل – مَسْؤولِيَّةً خَاصَّةً بِشَأْنِ تَكْوينِ وَعَمَلِ القُوَّةِ الدَّوْلِيَّة.
المطلوب من دولنا العربية عدم الانتظار وإنما التحرُّك والمشاركة في صنع الأحداث
وَمِنْ ثَمَّ تَسْتَطيعُ الدُّوَلُ العَرَبيَّةُ والإِسْلاميَّةُ أَنْ تَتَجاوَزَ جَوانِبَ الغُموضِ الوارِدَةَ في القَرارِ بِطَرْحِ مُبادَراتٍ وَتَفْسيراتٍ واسْتِعْدادٍ لِلْمُشارَكَةِ في التَّطْبيقِ على النَّحْوِ الذي يُؤَدِّي بِهِ إلى مَسارِ إِقامَةِ الدَّوْلَةِ الفِلَسْطينيَّة.
نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ حُكومَةَ اليَمينِ المُتَطَرِّفِ في إِسْرائيلَ لَمْ تَرْتَحْ لِخُطَّةِ تْرامْب، وَسَوْفَ تَبْذُلُ كُلَّ ما في وُسْعِها لِوَضْعِ العَقَباتِ أَمامَ تَنْفيذِ قَرارِ مَجْلِسِ الأَمْنِ وَتَفْريغِهِ مِنْ عَناصِرِهِ الإِيجابيَّة.
يَدُلُّ على ذَلِكَ، أَنَّها حَتَّى يَوْمِ 25 نُوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني نَفَّذَتْ أَكْثَرَ مِنْ 400 انْتِهاكٍ لِوَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ، فَالمَطْلوبُ مِنْ دُوَلِنا العَرَبيةِ عَدَمُ الِانْتِظارِ وإنَّما التَّحَرُّكُ والمُشارَكَةُ في صُنْعِ الأَحْداثِ، حَتّى يُصْبِحَ قَرارُ مَجْلِسِ الأَمْنِ بِدايَةً لِحَلٍّ وَلَيْسَ عَوْدَةً إلى حالَةِ اللّاسِلْمِ واللّاحَرْب.
(خاص "عروبة 22")

