بصمات

التَّمْييزُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ بِوَصْفِهِ عُنْصُرِيَّة!

حيـنَ يَجْـري الكَـلامُ على العُـنْـصُـرِيَّـةِ في مُجْـتَمَـعاتِ اليَـوْم، وَيَـنْـصَـرِفُ المُتَـكَـلِّـمونَ عَلَيْها إلى بَـيانِ وُجوهِها وَتَـبَـدِّياتِها المُخْـتَلِـفَـةِ داخِـلَ المُجْـتَـمَعِ الواحِـدِ وَفي العَـلاقَـةِ بَيْـنَ المُجْتَـمَـعات، كَـثيـرًا مـا يُـشاحُ بِالنَّـظَـرِ عَـنْ وَجْـهٍ رَئـيسٍ مِـنْ وُجوهِ تِـلْكَ العُـنْـصُرِيَّـةِ وَيُـطْـرَحُ جـانِبًا: على وَفْـرَةِ مـا يُـشارُ إِلَيْـهِ وَيُـعْـتَـنى بِالحَـديـثِ فيـهِ في هَـذا البـاب. أَمّـا المُـهْـمَـلُ والمَـقْـصِيُّ الذي نَـعْـنـيهِ في كَـلامِـنـا وَنَحْـسَـبُـه، بِالتّـالي، مِـنْ أَظْـهَـرِ ظَـواهِرِ العُـنْـصُرِيَّـةِ في الاجْتِـمـاعِ الإِنْسـانِيِّ فَهُـوَ التَّـمْيـيزُ بَـيْـنَ الجِـنْسَيْـن: في الحُـقـوقِ والاعْـتِـبارِ والمَكـانَة؛ وَذَلِكَ يَحْـصُـل، في الغـالِب، في شَـكْـلٍ مِـنْ تَـعْـلِيَةِ مَـقامِ الذُّكـورِ على الإِنـاثِ في المَـراتِبِـيَّـةِ الاجْـتِماعِيَّـةِ / القِـيَـمِيَّـة، وَمِـنَ النَّـظَـرِ بِعَيْـنِ الانـتِـقاصِ إلى المَرْأَةِ في المُـجْـتَـمَعِ والتَّـسْليمِ بِـدُونِـيَّـتِها في المَكـانَة!.

التَّمْييزُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ بِوَصْفِهِ عُنْصُرِيَّة!

يَـتَـعَـلَّـقُ الأَمُـر، هُـنـا، بِالعُـنْـصُـرِيَّـةِ الأَقْـدَمِ في التّـاريـخِ والأَضْـخَـمِ حَـجْـمًا فيـهِ مُقـارَنَـةً بِـأَيِّ عُـنْصُرِيَّةٍ أُخْـرى. فَـأَمّـا أَنَّـها العُـنْصُرِيَّةُ الأَقْـدَمُ فَـلِأَنَّ قِـيَمَ النِّـظامِ الأَبَـوِيِّ والنِّـظامِ الذَّكـورِيِّ ظَـلَّـت، على الأَغْـلَب، القِـيَمَ السّـائِـدَةَ في المُجْتَـمَعاتِ الإِنسـانِيَّـةِ عَـبْـرَ التّـاريـخ، حَتّى حـينَما كـانَتْ تَـنْـفَسِحُ فيها مَسـاحاتٌ لانْـتِـعاشِ قِـيَمٍ نَـقيضٍ ذاتِ طـابِـعٍ أَميـسِـيّ، أَوْ أُمـومِـيّ؛ وَأَمّـا أَنَّـها العُـنْصُرِيَّةُ الأَضْـخَـمُ حَـجْـمًا فَـلِـسِـعَـةِ مَـنْ تَـقَعُ عَـلَـيْـهِـنَّ مِـنَ النِّـسَاء؛ حَيْـثُ يُمَـثِّـلْـنَ مـا نِسْـبَـتُـهُ نِصْـفُ المُجْـتَـمَعِ أَوْ يَـزيـدُ قَـليلًا في كُـلِّ بُـلْدانِ العالَم. وَلَـقَـدْ يَـعِـنُّ لِـعانٍّ أَنْ يَـسْـأَلَ عَـنْ وَجْـهِ العُـنْصُرِيَّةِ في هَـذِهِ "النّـازِلَةِ" وَعَـمّـا إِذا كـانَ يَـسـوغُ وَصْـفُ نَـظْـرَةِ المُجْـتَـمَعِ هَـذِهِ إلى المَـرْأَةِ بِأَنَّـها عُـنْصُرِيَّة، فَـنَـرُدُّ على السُّـؤالِ قائِـلينَ إِنَّ مُـجَـرَّدَ التَّـمْـييزِ بَيْنَ الجِـنْسَيـْنِ يَـكْـفي، في حَـدِّ ذاتِـه، لِـيَـقومَ دَلـيلًا على نَـزْعَـةٍ عُـنْصُرِيَّةٍ في النَّـظَـر.

أكبر وَهْم هو الاعتقاد بأنّ الحداثة أبطلت قيَم الذكورية ومفاعيلها في المجتمعات

إِذا كـانَ التَّـسْليـمُ بِأَنَّ التَّـمْـييزَ بَيْـنَ الجِـنْسَـيْـنِ ثَـمَرَةٌ مِـنْ ثَـمَـراتِ النَّـزْعَـةِ الذَّكـورِيَّـةِ تَمْيِيزٌ نـافِـلٌ أَوْ، قُـلْ، هُـوَ لَيْـسَ أَكْـثَرَ مِـنَ التَّـنْـفيلِ في قَـوْلِ المَشْـهورِ والمَعْـهود، فَـإِنَّ مـا لَيْـسَ مَقْـبولًا ابْـتِـداهُهُ، في عُـرْفِ السَّـوادِ الأَكْـبَر، هُـوَ دَمْـغُ الذَّكـورِيَّـةِ بِالعُـنْصُرِيَّة؛ فَـلَـقَـدْ يَـكونُ مَبْـنى التَّـمْـييزِ قـائِـمًا على الاخْـتِـلافِ الطَّـبيـعِيِّ - البِـيولوجِـيِّ لا على أَسـاسٍ آخَـرَ يَـبْـعَثُ على المُفاضَـلَة. عِـنْدَ مَـنْ يَـرْفُضونَ إِلْصاقَ التُّهْـمَةِ بِـها أَوْ عِـنْدَ مَـنْ يُـبَـرِّرونَ تَـفَـوُّقَ الذَّكَـرِ على الأُنْـثى. أَمّـا عِـنْدَ مَـنْ يُـسَلِّـمُونَ بِأَنَّ في الذَّكـورِيَّـةِ عُـنْصُرِيَّة، أَوْ شُـبْـهَـةَ عُـنْصُرِيَّـة، فَـقَـدْ تَـجِدُ مَـنْ يَـذْهَبُ مِـنْهُمْ إلى القَـوْلِ إِنَّ الثَّـقَـافَـةَ الذَّكـورِيَّـة - التي ظَلَّـتْ عابِرَةً لِـلـزَّمـانِ والمَـكـان، لِـلتَّـارِيخِ والمُجْتَمَعات - سُـرْعانَ ما انْـحَـدَّتْ آثـارُها وَخَـمَـدَ زَنْـدُ جَـمْـرَتِها في الأَزْمِـنَـةِ الحَـديـثَـةِ حَتّى أَنّ عَـلاقـاتِ المُـواطَـنَةِ وَقِـيَمَـها، وَأَرْأَسُـها قـيـمَـةُ المُساواة، جَـبَّـتْـها أَوْ هِيَ تَـكادُ أَنْ تَـفْـعَلَ واضِعَـةً لَـها، بِذَلِك، فَـصْلًا خِـتامِـيًّا أَوْ يُـمَـهِّـدُ لِـلخِـتام. وَمَـعَ أَنَّ قَـوَلَـةَ هَـذا الرَّأْيِ أَقَـلُّ إِنْـكـارًا لِـلتُّـهْـمَةِ مِـنْ غَـيْرِهِمْ (وَإِنْ كـانوا يُـلْـقُونَها على الماضي وَذُكورِهِ حَـصْـرًا)، إِلّا أَنَّـهُـمْ يَـذْهَـلونَ عَـنِ الفـارِقِ بَيْنَ المُواطَـنَـةِ والتَّـمْـييزِ بَيْنَ الجِـنْسَيْـن: بَيْـنَ مَـنْـظومَـةٍ حُـقوقِـيَّـة - سِياسِيَّـة، مِـنْ جِـهَـة، وَثَـقَافَـةٍ عَـميـقَةِ الجُـذورِ مِـنْ جِهَـةٍ ثـانِيَـة، وَعَـنْ عَـدَمِ جَـوازِ إِسْـقـاطِ الجَوْهَـرِيِّ في الذَّكـورِيَّـة: ثَـقافِيّاتُها التي يَـلْـتَحِمُ بِـها مَبْـنـاها.

بَـيانُ ذَلِكَ أَنَّ عَـلاقـاتِ المُـواطَـنَـة، النّـاسِجَـةَ لِـلمُساواة، إِذْ تُـنْـتِـجُ تَـكـافُـؤًا في الحُـقـوقِ المَـدَنِـيَّـةِ والسِّياسِيَّةِ بَيْنَ المُـواطِـنِينَ كـافَّـةً مِـنَ الجِـنْسَيْـن؛ وَإِذْ هِيَ تُـبَـدِّدُ أُسُـسَ كُـلِّ حَيْـفٍ أَوْ ضَـيْـمٍ يُـصيـبُ حُـقوقَ النِّـسـاءِ القـانونِـيَّـةَ في المُجْتَمَعِ وَتُـجَـرِّدُ الذَّكـورِيَّـةَ مِـنْ أَيِّ امْـتِـيازٍ قـانونِيٍّ أَوْ سِـياسِيّ، بَلْ وَتَـتَـجاهَلُ الفارِقَ الجَـنْدَرِيَّ وَلا تُـؤَسِّسُ عَلَيْهِ تَمْـيـيزًا في الحُـقوق، لا تَـمْـلِكُ أَنْ تَـجْـتَـثَّ الذَّكـورِيَّـةَ مِـنَ الأَذْهانِ إِنْ كـانَـتْ تَـسْـتَـطيعُ أَنْ تَـجْـتَثَّـها مِـنْ مَـنْظومَةِ القَوانيـنِ الضّـامِنَـةِ لِـلحُـقوقِ المَـدَنِيَّـةِ والسِّياسِيَّة (حُـقـوقِ المُـواطَنَة). وَلَـقَـدْ يَـكونُ أَكْـبَرُ وَهْـمٍ يُـخـاتِـلُ وَعْـيَـنـا هُـوَ الاعْـتِـقادُ بِأَنَّ الحَـداثَـةَ أَبْـطَلَـتْ قِـيَمَ الذَّكـورِيَّـةِ وَمَـفـاعـيـلَها في المُـجْـتَـمَـعات؛ إِذْ ما تَـفْـتَـأُ الحَـداثَـةُ هِيَ نَـفْـسُـها تُـفْـصِحُ عَـنْ وُجوهٍ عِـدَّةٍ مِـنْ ذَكـورِيَّـتِـها ما اسْتَـطـاعَتِ التَّـحَرُّرَ مِـنْـها، تَـمـامًا مِـثْلَما لَمْ تَـسْـتَـطِـعِ الذِّهْـنِـيَّـةُ النِّـسائِـيَّـةُ العامَّـة - في مُجْـتَـمَـعاتِـنَا وَمُجْـتَـمَـعاتِ الغَـرْب - أَنْ تَـتَـحَرَّرَ مِـنْ وَطْـأَةِ ثِـقْـلِ الذَّكـورِيَّـةِ الجاثِـمِ عَـلَيْـها وَلا اسْتَـطاعَتْ تَـعْـطيلَ عَـمَـلِـيَّـةِ اسْتِـبْـطانِ القِـيَمِ الذَّكـورِيَّـةِ فيـها.

الذهنية العامة مُتشبّعة بقيَم الذكورة ويشترك فيها الرجال والنساء

وَها نَحْـنُ، هُـنـا، أَمـامَ المُـفارَقَةِ الكُـبْرى التي لَمْ تَـرْتَـفِـعْ بَـعْـد: مُسـاهَـمَةُ الحَـداثَةِ والمَـرْأَةِ مَـعًا في إِعادَةِ إِنْـتـاجِ القِـيَمِ الذَّكـورِيَّـة، وَذَلِكَ مِـنْ طَـريـقِ حَـوامِـلِها المـادِّيَّـةِ والفِـكْـرِيَّـة (الحَـداثَة) وَحَـوامِلِها التَّـرْبَـوِيَّـةِ والتَّـنْـشِـئَـوِيَّـة (المَـرْأَة)!.

قُـلْـنـا إِنَّ هَـذا التَّـمْـييزَ السّـائِـد، في الذِّهْـنِـيَّـةِ العامَّـة، بَيْـنَ الجِـنْسَـيْـنِ لا يُـنْـظَـرُ إِلَيْـهِ بِـوَصْـفِـهِ قَـريـنَـةً على عُـنْصُرِيَّـةٍ بين النِّـسـاء، على الرَّغْـمِ مِـنْ شَـديدِ مَـعانـاتِـهِـنَّ آثـارَ ذَلِكَ التَّـمْـيـيزِ عَـلَـيْـهِـنَّ وَعلى مَـكـانَـتِـهِـنَّ الاجْتِـماعِيَّـة؛ أَمّـا تَـفْـسـيرُ ذَلِكَ فَـفي تِـلْكَ الذِّهْـنِـيَّـةِ العامَّـةِ بِالذّات، التي هِيَ ذِهْـنِـيَّـةٌ مُـتَـشَـبِّـعَـةٌ بِـقِـيَمِ الذُّكـورَةِ وَتَـفَـوُّقِـها: والتي يَشْـتَرِكُ فيها الرِّجـالُ والنِّـسـاءُ على السَّـواء!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن