لَيْسَ خافِيًا تَظافُرُ عَديدِ العَوامِلِ المُرَكَّبَةِ في صِياغَةِ تِلْكَ الصّورَةِ النَّمَطِيَّةِ لِلغَرْبِ في العالَمِ العَرَبِيّ. فَفيها ما هُوَ عامِلٌ تاريخِيٌّ مُرْتَبِطٌ بِطَبيعَةِ عَلاقَةِ الإِسْلامِ بِالثَّقافَةِ اليَهو-مَسيحِيَّةِ التي تَظْهَرُ أَفْضَلُ تَعْبيراتِها في الحُروبِ الصَّليبِيَّة، وَما خَلَّفَتْهُ مِنْ انْعِكاساتٍ في المِخْيالِ إلى العَصْرِ الحَديثِ أَثْناءَ التَّوَسُّعِ الاسْتِعْمارِيِّ الإِمْبِرْيالِيّ، الذي قامَ على القَهْرِ والقُوَّةِ الصَّلْبَةِ لِفَرْضِ الأَمْرِ الواقِع. وَلَقَدْ كانَ لِتِلْكَ المُعْطَياتِ تَداعِياتٌ سَلْبِيَّةٌ في عَمَلِيَّةِ تَقَبُّلِ الحَداثَةِ الغَرْبِيَّةِ بِتَوَجُّسٍ وَريبَة.
تَتَقاطَعُ عَوامِلُ فِكْرِيَّةٌ وَسوسْيو-سيكولوجِيَّةٌ مَعَ العَوامِلِ سالِفَةِ الذِّكْر. إِذْ مِنَ الواضِحِ وُجودُ حالاتٍ مِنَ العَطالَةِ الذِّهْنِيَّةِ التي تَدْفَعُ قِطاعًا واسِعًا مِنَ الرَّأْيِ العامِّ العَرَبِيِّ إلى تَبَنّي الأَحْكامِ الجاهِزَة، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُمَثِّلُ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ التَّعْويضِ عَنْ وَضْعِيَّةِ العَجْزِ والخُنوعِ أَمامَ الغَرْب. وَهُوَ ما يُؤَشِّرُ إلى وُجودِ حالاتِ فِصامٍ عَميقَةٍ شَديدَةِ التَّوَسُّعِ والامْتِدادِ في ظِلِّ الإِدْمانِ على الإِبْحارِ في شَبَكاتِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ وَسَطْوَةِ التّافِهينَ الذينَ يَسْتَغِلّونَ أَحْدَثَ الوَسائِطِ التِّكْنولوجِيَّةِ والاتِّصالِيَّةِ لِلتَّلاعُبِ بِالعُقولِ وَتَزْييفِ الوَعْي.
منح الغرب المواطنة لمهاجرين قادرين على ضمان استمرارية تفوُّقه وعجزت الدول العربية عن الاستفادة من خبرات أبنائها
بِقَدْرِ ما لا يُمْكِنُ إِنْكارُ تَراجُعِ دَوْرِ النُّخَبِ المُفَكِّرَةِ في التّأْثيرِ على سَيْرِ الأَحْداث، فَإِنَّ ذَلِكَ التَّراجُعَ يَجِبُ أَنْ لا يُثْنِيَ عَنْ اسْتِمْرارِ مُحاوَلاتِ تَصْحيحِ المَفاهيمِ والتَّصَوُّرات. فالغَرْبُ بِشِقَّيْهِ الأوروبِّيِّ والأَميرْكِيِّ لَيْسَ كُتْلَةً مُتَجانِسَةً لا تَنَوُّعَ فيها، وَإِنَّما على النَّقيضِ مِنْ ذَلِكَ يُثْبِتُ تاريخُ الأَفْكارِ أَنَّهُ لَمْ تَنْعَدِمْ فيهِ الأَصْواتُ الخَيِّرَةُ المُتَشَبِّعَةُ بِمَبادِئَ إِنْسانِيَّةٍ وَأَخْلاقِيَّةٍ مُسانِدَةٍ لِقَضايا الفِلَسْطينِيّينَ والعَرَبِ مُنْذُ مَعارِكِ التَّحْريرِ الوَطَنِيّ. فَمَنْ لا يَتَذَكَّرُ مَواقِفَ جانْ بول سارْتْر وَسيمون دو بوفْوار وَفرانْتز فانون الذي انْخَرَطَ مَيْدانِيًّا في الكِفاحِ مَعَ جَبْهَةِ التَّحْريرِ الجَزائِرِيَّة. كَما لَمْ تَخْفُتْ بَعْضُ الأَصْواتِ الغَرْبِيَّةِ المُنَدِّدَةِ بِالغَطْرَسَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ في حَرْبِ الإِبادَةِ في غَزَّةَ حَتّى داخِلَ الأَوْساطِ اليَهودِيَّةِ المَرْموقَةِ مِثْلَ نَعوم تْشومِسْكي وَجوديث بَتْلَر وَإِيلان بابيه وَآلان بادِيو وَغَيْرِهِم.
يَحْكُمُ الغَرْبَ مَنْطِقُ المَصالِحِ الاسْتراتيجِيَّةِ وَلَيْسَ تَرْتيلُ العُكاظِيّاتِ والأَناشيدِ الحَماسِيَّةِ التي لا تُغْني وَلا تُسْمِنُ مِنْ جوع. فَضِمْنَ ذَلِكَ التَّصَوُّرِ الاسْتراتيجِيِّ مَنَحَ الغَرْبُ حُقوقَ المُواطَنَةِ الكامِلَةِ لِبَعْضِ المُهاجِرينَ القادِرينَ على ضَمانِ اسْتِمْرارِيَّةِ تَفَوُّقِهِ وَهَيْمَنَتِه، فَأَعادَ إِدْماجَهُمْ في نَسيجهِ الاجْتِماعِيِّ وَوَصَلَ عَدَدٌ مِنْهُمْ إلى أَعْلى المَناصِبِ المَرْموقَةِ مِثْلَ عُمْدَةِ نْيويورْك زَهْران مَمْداني نَجْلِ البْروفيسور مَحْمود مَمْداني الأوغَنْدِيِّ الجُذور، في وَقْتٍ عَجَزَتْ فيهِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ عَنِ الِاسْتِفادَةِ مِنْ خِبْراتِ أَبْنائِها المُتَفَوِّقينَ بِجَوائِزِ نوبِل اسْتِفادَةً عَمَلِيَّة، بَلْ إِنَّ مَسْأَلَةَ مَنْحِ المُواطَنَةِ وَحَقِّ الإِقامَةِ لِبَعْضِ المُهاجِرينَ الأَفارِقَةِ غَيْرِ الشَّرْعِيّينَ ما زالَتْ تُراوِحُ مَكانَها سِياسِيًّا وَتَشْريعِيًّا في وَقْتٍ تُعاني فيهِ بَعْضُ تِلْكَ الدُّوَلِ نَقْصًا شَديدًا في اليَدِ العامِلَةِ الفَلّاحِيَّة، فَضْلًا عَنْ تَراجُعِ النُّمُوِّ الطَّبيعِيِّ بِدَرَجَةٍ تُهَدِّدُها بِالتَّهَرُّمِ السُّكّانِيّ، خاصَّةً في تونِس.
تَعْكِسُ تِلْكَ المَواقِفُ الاخْتِزالِيَّةُ مِنَ الغَرْبِ اسْتِمْرارَ تَكَلُّسِ الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ وَسُباتَ العَقْلِ العَرَبِيِّ وَعَجْزَهُ عَنْ مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ المُتَسارِعَة. وَهُوَ ما يُثْبِتُ فَشَلَ المَنْظومَةِ التَّعْليمِيَّةِ والتَّرْبَوِيَّةِ الذَّريعَ في تَنْشِئَةِ أَجْيالٍ لَها مَلَكاتُ تَفْكيرٍ وَنَقْدٍ كافِيَةٌ لِلنَّظَرِ المَوْضوعِيِّ في الإِشْكالِيّاتِ القائِمَةِ والانْخِراطِ الفاعِلِ في الثَّوْراتِ العِلْمِيَّةِ بِروحِ المَسْؤولِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ التّاريخِيَّة.
شتّان بين من ينتهج رؤية استراتيجية طويلة المدى وبين من ما زالت تحكمه رؤية ارتجالية
لَيْسَتِ الأَحْداثُ المُتَسارِعَةُ التي بَنى عَلَيْها الرَّدُّ العَرَبِيُّ مَواقِفَهُ الاخْتِزالِيَّةَ تُجاهَ الغَرْبِ إِلّا أَحْداثًا عابِرَةً في "اسْتراتيجِيا المَصالِحِ الغَرْبِيَّة"، فَمَنْ يُراجِعُ تَسَلْسُلَ الأَحْداثِ الكُبْرى مُنْذُ الثَّوْرَةِ الإيرانِيَّةِ إلى اليَوْمِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ يُمْكِنُهُ اكْتِشافُ خَيْطٍ ناظِمٍ بَيْنَها يَتَجَلّى في المَسارِ التَّصاعُدِيِّ الذي شَهِدَتْهُ الهَيْمَنَةُ الأَميرْكِيَّةُ تَحْديدًا، التي تَعَرَّتْ مَعَ احْتِلالِ العِراقِ سَنَةَ 2003، وافْتُضِحَتْ تَمامًا بَعْدَ حَرْبِ إِبادَةِ غَزَّة. وَهَذَا ما يُؤَكِّدُ أَنَّ الفَوارِقَ بَيْنَ العَرَبِ والغَرْبِ لَيْسَتْ قِيَمِيَّةً أَخْلاقِيَّةً بِحُكْمِ أَنَّهُ لا توجَدُ حَضارَةٌ لَمْ تُسَجِّل انْحِرافاتٍ فَرْدِيَّةً أَوْ سُلْطَوِيَّةً في تاريخِها، وَإِنَّما يَكْمُنُ الفارِقُ أَساسًا في طَبيعَةِ الرُّؤى المُوَجِّهَةِ لِلسِّياساتِ العامَّة، فَشَتّانَ بَيْنَ مَنْ يَنْتَهِجُ رُؤْيَةً اسْتراتيجِيَّةً طَويلَةَ المَدى، وَبَيْنَ مَنْ ما زالَتْ تَحْكُمُهُ رُؤْيَةٌ ارْتِجالِيَّةٌ رَعْوانِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

