الهِجْرَةُ بِسَبَبِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ في غالِبِها هِجْرَةٌ داخِلِيَّة. عِنْدَما تَكونُ الهِجْرَةُ داخِلِيَّة، يَكونُ الأَشْخاصُ الَّذينَ يَنْتَقِلونَ مِن خِلالِ تِلْكَ الهِجْراتِ تَحْتَ مَسْؤولِيَّةِ دُوَلِهِمْ وَتَتِمُّ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ البَطيئَةِ وَالتي قَدْ تَسْتَغْرِقُ وَقْتًا أَطْوَلَ حَتّى تَتَعَمَّقَ نَتائِجُها السَّلْبِيَّة. لا تَبْدو الهِجْرَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ الآثارِ طَويلَةِ الأَجَلِ هِجْرَةً قَسْرِيَّة، إِلا أَنَّهُ يَجِبُ التَّحَسُّبُ لِتِلْكَ الآثارِ وَالاسْتِعْدادُ الجَيِّدُ لِلتَّعامُلِ مَعَ تَداعِياتِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ البَطيئَةِ كَما هوَ الحالُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ السَّريعَة.
وَلِإِيضاحِ تَأْثيرِ التَّغَيُّرِ المُناخِيِّ على الهِجْرَة، فَإِنَّ المُواطِنينَ يَتَنَقَّلونَ داخِلَ الدَّوْلَةِ عادَةً مِنَ الرّيفِ إلى الحَضَرِ وَمِنَ الرّيفِ وَالمُدُنِ الصُّغْرى إلى العاصِمَةِ وَالتَّجَمُّعاتِ الحَضَرِيَّةِ الكُبْرى التي تَسْتَأْثِرُ عادَةً بِالنَّصيبِ الأَكْبَرِ مِنَ النَّشاطِ الاقْتِصادِيّ، خاصَّةً في دُوَلِ الجَنوبِ التي تُعْرَفُ بِالدُّوَلِ النّامِيَةِ أَوِ الفَقيرَةِ وَأَغْلَبُها مَوْجودَةٌ في نِصْفِ الكُرَةِ الأَرْضِيَّةِ الجَنوبِيِّ حَيْثُ يَسودُ الفَقْرُ في الرّيفِ بِسَبَبِ أَنَّ مِهْنَةَ الزِّراعَةِ قَليلَةُ الرِّبْحِيَّة.
العالم سيشهد تشريد ونزوح 216 مليون شخص بسبب التغيّرات المناخية بحلول عام 2050
تُصْبِحُ الهِجْرَةُ الداخِلِيَّةُ أَمْرًا مُزْعِجًا فَقَطْ عِنْدَما تَكونُ تِلْكَ الهِجْرَةُ مَدْفوعَةً بِعَوامِلَ خارِجَةٍ عَنْ إِرادَةِ الشَّخْصِ المُهاجِر، وَعِنْدَها تَتَحَوَّلُ الهِجْرَةُ مِنِ اخْتِيارٍ إلى إِجْبار. يُمْكِنُ لِلنُّزوحِ أَيْضًا أَنْ يَكونَ بِسَبَبِ المَشْروعاتِ التَّنْمَوِيَّةِ مِثْلَ إِقامَةِ السُّدودِ النَّهْرِيَّةِ وَغَمْرِ مَحَلّاتِ إِقامَتِهِمْ وَأَراضيهِم، كَما حَدَثَ في تَهْجيرِ أَهالي النَّوْبَةِ بَعْدَ بِناءِ سَدِّ أَسْوانَ العالي في مِصْرَ وَفي السّودان، أَوْ بِناءِ سَدِّ النَّهْضَةِ في إِثْيوبْيا، وَغَيْرِهِم. وَأَخيرًا النازِحونَ بِسَبَبِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ التي زادَتْ حِدَّتُها في العُقودِ الأَخيرَةِ وَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ "المُهاجِرونَ البيئِيّون".
يُشيرُ تَقْريرٌ لِلبَنْكِ الدَّوْلِيِّ صادِرٌ في سِبْتَمْبِر/أَيْلول 2021 إلى أَنَّ العالَمَ سَيَشْهَدُ تَشْريدَ وَنُزوحَ 216 مِلْيونَ شَخْصٍ بِسَبَبِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ بِحُلولِ عامِ 2050. يُمَثِّلُ هَذَا الرَّقْمُ قُرابَةَ 3% مِنْ إِجْمالِيِّ سُكّانِ العالَم. وأَوْضَحَ التَّقْريرُ أَيْضًا أَنَّ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةَ باتَتِ اليَوْمَ واحِدَةً مِنْ أَهَمِّ الدَّوافِعِ المُحَرِّكَةِ لِلهِجْرَةِ الدّاخِلِيَّةِ في مَناطِقَ عَديدَةٍ مِنَ العالَم، وَأَنَّ تَأْثيرَ المُناخِ سَوْفَ يَزْدادُ حِدَّةً بِمُرورِ الوَقْتِ حَتّى عامِ 2050.
يَدْعو الميثاقُ العالَمِيُّ مِنْ أَجْلِ الهِجْرَةِ الآمِنَةِ وَالمُنَظَّمَة (مِيثاقُ مَراكِش) إلى فَهْمٍ أَعْمَقَ لِتَغَيُّرِ المُناخِ كَأَحَدِ المُحَرِّكَاتِ المُهِمَّةِ لِلهِجْرَة. وَلا تَتْرُكُ التَّغَيُّراتُ المُناخِيَّةُ أَيَّ قِطاعٍ مِنْ دونِ تَأْثيرٍ سواءً على صِحَّةِ الإِنْسانِ وَالحَيَوانِ أو لِناحيةِ ظُهورِ أَمْراضٍ جَديدَة، وَلَكِنَّ أَخْطَرَها سَيَكونُ على قِطاعِ الزِّراعَةِ وَالأَمْنِ الغِذائِيِّ مِمّا سَيَزيدُ مِنَ الهِجْرَةِ القَسْرِيَّة. وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ التَّداعِياتِ هُوَ التَّأْثيرُ في نُضوبِ المِياهِ الجَوْفيةِ وَجَفافِ الأَنْهار، وَهُوَ ما رَأَيْناهُ في العِراقِ وَإِيرانَ حالِيًّا وَمِنْ قَبْلِهِما في سورْيا، وَجَفافُ بَعْضِ أَنْهارِ جَنوبِ لُبْنانَ، وَجَفافُ بُحَيْراتٍ كامِلَةٍ في إِيرانَ وَتْشاد. ثُمَّ ظاهِرَةُ اليَوْمِ "صِفْر" وَالتي حَدَثَتْ في جَنوبِ أَفْريقْيا حَيْثُ تَعَرَّضَتْ لِلقَحْطِ وَلِتراجُعٍ حادٍّ في مُعَدَّلاتِ سُقوطِ الأَمْطارِ مِمّا اضْطَرَّ الحُكومَةَ في جَنوبِ أَفْريقْيا إلى صَرْفِ المِياهِ لِلسُّكّانِ بِمُعَدَّلِ غالونٍ واحِدٍ لِكُلِّ أُسْرَة، وَالأمرُ يَتَكَرَّرُ حالِيًّا في إيران، ثُمَّ حُدوثُ "تْسونامي" يُؤَدّي إلى غَمْرِ مِياهِ المُحيطِ المالِحَةِ لِلأَراضي الزِّراعِيَّةِ المُجاوِرَةِ وَعَدَمِ انْسِحابِها، مِمّا أَدّى إلى خُروجِها مِنْ نِطاقِ الأَراضي الزِّراعِيَّةِ المُنْتِجَةِ وَهِجْرَةِ أَصْحابِها.
العمالة الزراعية تشهد تناقصًا على المستويين العالمي والعربي
وَهُناكَ أَيْضًا التَّدَهْوُرُ وَالتَّصَحُّرُ لِلتُّرَبِ الزِّراعِيَّة، حَيْثُ تَتَراجَعُ إِنْتاجِيَّةُ الحُقولِ بِسَبَبِ تَدَهْوُرِ صِفاتِ التُّرْبَةِ وَتَمَلُّحِها، حَتّى تَخْتَفِيَ تَمامًا إِنْتاجِيَّةُ هَذِهِ التُّرَبِ الزِّراعِيَّةِ وَتَكونَ قَدْ وَصَلَتْ إلى مَرْحَلَةِ التَّصَحُّرِ التي لا عَوْدَةَ مِنْها فَتُفْقَدُ التُّرَبُ الزِّراعِيَّةُ إلى الأَبَدِ وَلا يُمْكِنُ اسْتِعادَتُها، أَوْ بِسَبَبِ نُضوبِ مِياهِ الآبارِ وَتَمَلُّحِها، أَوْ نُضوبِ مِياهِ الأَنْهار، وَوَقْتَها يَخْتَفي الماءُ وَالغِذاءُ وَلا يَجِدُ البَشَرُ إِلّا اخْتِيارَيْنِ فَقَطْ هُما المَوْتُ جوعًا وَعَطَشًا أَوِ النُّزوحُ وَالهِجْرَةُ القَسْرِيَّة.
وَأَشارُ تَقْريرُ جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ عامَ 2024 إلى أَنَّ العَمالَةَ الزِّراعِيَّةَ تَشْهَدُ تَناقُصًا على المُسْتَويَيْن العالَمِيِّ وَالعَرَبِيِّ حَيْثُ تَراجَعَتِ النِّسْبَةُ ما بَيْنَ عامَيْ 2015 وَ2023 مِنْ 21.4% إلى 11.16% على المُسْتَوى العَرَبِيّ، وَمِنْ 28.83% إلى 25.71% على المُسْتَوى العالَمِيّ. وَيَعودُ هَذَا التَّراجُعُ إلى أَسْبابٍ عِدَّةٍ مِنْ أَهَمِّها تَزايُدُ مَوْجاتِ الهِجْرَةِ مِنَ الرّيفِ إلى الحَضَرِ سَواءً بِسَبَبِ نَقْصِ رِبْحِيَّةِ القِطاعِ الزِّراعِيِّ أَوْ بِسَبَبِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ التي ضَرَبَتِ القِطاعَ الزِّراعِيّ.
ضرورة العمل على إيجاد خطط بديلة للتعامل مع التغيّرات المناخية في إنتاج الغذاء والمياه
وَعلى المُسْتَوى العَرَبِيِّ فَالتَّقْديرُ الأَكْثَرُ تَوَقُّعًا في الحالَةِ المِصْرِيَّةِ هُوَ اضْطِرارُ حَوالِي مِلْيونٍ وَنِصْفِ المِلْيونِ مُواطِنٍ إلى مُغادَرَةِ مَحالِّ إِقامَتِهِمُ المُعْتادَةِ بِسَبَبِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ خِلالَ الفَتْرَةِ المُقْبِلَة، ما يُكَبِّدُ الِاقْتِصادَ خَسائِرَ كَبيرَة، ناهيكَ عَنِ المُشْكِلاتِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ النّاجِمَةِ عَنْ تِلْكَ التَّحَرُّكاتِ السُّكّانِيَّةِ الكَثيفَة.
التَّحَرُّكاتُ المُسْتَقْبَلِيَّةُ لِلتَّغَلُّبِ على الهِجْرَةِ المُناخِيَّةِ العَرَبِيَّةِ تَتَلَخَّصُ في: ضَرورَةِ الاسْتِمْرارِ في بَذْلِ الجُهْدِ في سَبيلِ التَّأَقْلُمِ مَعَ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ وَمُجابَهَتِها، وَالتَّوْعِيَةِ بِالتَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ وَآثارِها الِاقْتِصادِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ وَالبيئِيَّة، وَالعَمَلِ على إِيجادِ الخُطَطِ البَديلَةِ لِلتَّعامُلِ مَعَ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ في مَجالاتِ الزِّراعَةِ وَإِنْتاجِ الغِذاءِ وَالمِياه، وَالتَّحَسُّبِ لِتَأْثيراتِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ في الهِجْرَةِ وَالتَّحَرُّكاتِ السُّكّانِيَّةِ القَسْرِيَّةِ التي قَدْ تَنْجُمُ عَنِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة، وَالعَمَلِ على وَضْعِ خُطَطٍ بَديلَةٍ وَآمِنَةٍ لِلتَّحَرُّكاتِ السُّكّانِيَّة، وَالتَّوَسُّعِ في مَشْروعاتِ الِاقْتِصادِ الأَخْضَرِ وَالأَزْرَقِ بِما يُوَفِّرُ العَديدَ مِنْ فُرَصِ العَمَلِ وَيُقَلِّلُ مِنْ مَخاطِرِ الهِجْرَة.
(خاص "عروبة 22")

