رَكَّزَ التَّعْليقُ "المُوَحَّدُ" على أَنَّها صَفْقَةٌ تِجارِيَّةٌ رابِحَةٌ خَاصَّةً لِبَلَدٍ مَأْزومٍ اقْتِصادِيًّا وَتَتَرنَّحُ مُوازَنَتُهُ مِن ثِقْلِ الدُّيون. التَّفْسيرُ المِصرِيُّ رَبَطَ مُباشَرَةً بَيْنَ الصَّفْقَةِ مَعَ "العَدُوِّ" وَأَزْمَةِ القاهِرَةِ الاقْتِصادِيَّةِ قائِلًا؛ مِن جِهَة إِنَّ الغازَ الإِسْرائيلِيَّ في سِعْرِهِ أَرْخَصُ مِنَ البَدائِلِ الأُخْرى، وَبِالتّالي فَإِنَّها تُقَلِّلُ فاتورَةَ الغازِ الَّذي تَسْتَورِدُهُ مِصْر، وَالَّذي تُشيرُ مَصادِرُ غَرْبِيَّةٌ إلى أَنَّهُ كانَ أَحَدَ الأَسْبَابِ في الأَعوامِ الثَّلاثَةِ الأَخيرَةِ وَراءَ الهَرْوَلَةِ لِلحُصولِ على قُروضٍ مِن صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْليِّ لِتَمْويلِ شِراءِ الغازِ بِجُزْءٍ مِنْها، رافِعًا الدَّيْنَ الخارِجِيَّ هذَا العامَ إلى 161 مِلْيارَ دولارٍ بِزِيادَةِ 8.3 مِلياراتِ دولارٍ عَن 2024.
مُخطط تهجير الفلسطينيين من غزّة إلى مصر "تأجَّل" فقط
وَمِن جِهَةٍ ثانِيَة، فَإِنَّهُم يَقولونَ إِنَّ اعْتِمادَ إِسْرائِيلَ على تَصْديرِ غَازِها لِأوروبّا على مَحَطَّاتِ التَّسْييلِ المِصْرِيَّةِ في إِدكو وَدمياط حَتّى عامَ 2040 سَيُدْخِلُ لِمِصْرَ نَحْوَ 11 مِليارَ دولار، وهوَ ما يَحْتاجُهُ بَلَدٌ تَسْتَهلِكُ فَوائِدُ الدَّيْنِ وَأَقْساطُهُ السَّنَوِيَّةُ ما يَقْرُبُ مِن 90% مِن إيراداتِ الضَّرائِب، وَهيَ الَّتي تُشَكِّلُ أَصْلًا 88% مِن إيراداتِ الدَّوْلَة. بِعِبارَةٍ أَوْضَح، لا يَبْدو أَنَّهُ قَد تَحَكَّمَ في نَظْرَةِ مِصْرَ لِلصَّفْقَةِ حَقيقَةُ أَنَّ التَّهديدَ الأَخْطَرَ حالِيًّا على الأَمْنِ القَوْميِّ المِصْريِّ إِنَّما يُمَثِّلُهُ الطَّرَفُ الثّاني في الصَّفْقَةِ أَي إِسْرائيل. فَبِاعْتِرافِ الإِسْرائيليِّينَ أَنْفُسِهِم فَإِنَّ مُخَطَّطَ تَهْجيرِ الفِلَسْطينِيّينَ مِن غَزَّةَ إلى مِصْرَ "تَأَجَّلَ" فَقَط، لَكِنَّ إِعْدادَ كُلِّ الظُّروفِ لِتَنْفيذِهِ يَجْرِي على قَدَمٍ وَساق. وَضاعَفَ الاِحْتِلالُ الإِسْرائيلِيُّ في "مَمَرِّ فيلادِلفْيا" خَطَرًا آخَرَ كانَ يُسَمّيهِ الكاتِبُ الصُّحُفِيُّ محمد حسنين هيكل بِحِسِّهِ الاِسْتِباقيِّ "التَّماسَ المُباشِرَ" غَيْرَ المَسْبوقِ بَيْنَ الحُدودِ المِصْرِيَّةِ وَالتَّهْديدِ العَسْكَريِّ الإِسْرائيلِيّ.
وَلَمْ تَتَحكَّمْ فِيهِ حَقيقَةُ أَنَّ قُدْرَةَ إِسْرائيلَ وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ راعِيَةِ الصَّفْقَةِ على مُمارَسَةِ ضُغوطٍ على المَوْقِفِ السِّياسيِّ المِصريِّ تُجاهَ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ سَتَتَزايَد، وَقُدْرَةَ القاهِرَةِ على المُقاوَمَةِ سَتَكونُ أَقَلَّ وَفي الحَدِّ الأَدْنى سَتَكونُ أَكْثَرَ تَرَدُّدًا لِحِسابِها لِلعَواقِب. وَلَكِنْ ما هِيَ العَواقِب؟
يَقومُ الغازُ الطَّبيعِيُّ بِتَوْليدِ 82% مِنَ الكَهْرَباء. وَلا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِأُلوفِ المَصانِعِ الَّتي يُمْكِنُ أَن تَتَوَقَّفَ في لَحْظَةٍ تَدَّعي فيها إِسْرائيلُ أَنَّ هُناكَ مُشْكِلَةً في إِنْتاجِ حَقْلِ "ليفياثان"، وَقَد سَبَقَ أَن فَعَلَتْها، وَلَكِن بِإِظْلامِ بُيوتِ مِصْرَ كَما حَدَثَ مِن قَبْلُ حِينَما اضْطُرَّتْ مِصْرُ لِسَنتَيْنِ إلى تَقْليصِ إِمْدادِ المَصانِعِ وَتَقْنينِ إِنارَةٍ مُتَبادَلَةٍ لِلمَناطِقِ السَّكَنِيَّة... إِلخ. لَقَد مَثَّلَتْ هذِهِ الفُرْصَةُ تَهْديدًا مُباشِرًا لِلأَمْنِ القَوْميِّ وَاسْتِقْرارِ النِّظامِ السِّياسيِّ جَرَّاءَ الغَضَبِ الشَّعْبيِّ مِن تَنْغيصِ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ بِسَبَبِ نَقْصِ الكَهرَباء، وهوَ ما حَدَا بِالحُكومَةِ لِشِراءِ الغازِ المُسالِ مُباشَرَةً مِنَ السّوقِ وَالاِقْتِراضِ مِنَ الخارِجِ كَما سَبَقَ القَوْلُ، لِدفْعِ هذَا الخَطَر.
الدور المصري تراجع فخلق فراغًا هيمنت فيه إِسرائيل وتقدّمت فيه إيران وتركيا
لا يُمْكِنُ إِدْرَاكُ الخَطَرِ الَّذي تُمَثِّلُهُ الصَّفْقَةُ على قَرارِ مِصْرَ المُتَعَلِّقِ بِالأَمْنِ وَالسِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ وَتَمَوْضُعِها في الإِقْليمِ وَالعَالَم، إِلّا بِمُلاحَظَةِ عامِلَيْنِ رَئيسِيَّيْن؛ أَحَدُهُما يَتَعَلَّقُ بِالماضِي أَي بِتاريخِ مِصْرَ الحَديثِ مُنْذُ عَهدِ الخِدِيويِّ إِسماعِيلَ وَحَتَّى الآن، وَالآخَرُ يَتَعَلَّقُ بِمُسْتَقبَلِ العالَمِ العَرَبيِّ في هذِهِ المَرْحَلَةِ الفارِقَة.
في التّاريخِ المِصْريِّ الحَديث، لَطالَما كانَتِ الاِسْتِدانَةُ المُفْرِطَةُ مِنَ الغَرْبِ سَبَبًا لِنَمَطٍ مُتَكَرِّرٍ تَدْفَعُ فِيهِ النُّخَبُ الحاكِمَةُ إلى اتِّخاذِ قَراراتٍ كانَ مُستَحيلًا أَن يَتَّخِذوها لَولا الدُّيونُ الأَجْنَبِيَّة. اسْتَخْدَمَ الإِنْجليزُ دُيونَ إِسماعيلَ لِلهَيْمَنَةِ على مِصْر وَلَمّا رَفَضَ الاِمتِثالَ لِكُلِّ القُيودِ احْتَلَّتْ بَريطانْيا مِصْرَ عامَ 1882. تَكَرَّرَ نَموذَجُ قِيادَةِ الأَزْمَةِ الاقْتِصادِيَّةِ لِلقَرارِ السِّياسيِّ مُنْذُ تَخَلّى الرَّئيسِ السّاداتِ عن سِياسَةِ الاقْتِصادِ الوَطنيِّ المُسْتَقِلِّ وَتَوَرَّطَ في الاِسْتِدانَةِ مِنَ الخارِج. في دِراسَةٍ سابِقَةٍ لِلكاتِب، اتَّضَحَ أَنَّ هُناكَ قَراراتٍ كَلَّفَت مِصْرَ تآكُلَ دَوْرِها، تَمَّت ــ كُلِّيًّا أَو جُزْئِيًّا ــ تَحْتَ وَطْأَةِ مَخاوِفِ التَّعَثُّرِ في سَدادِ دُيونِها.
لا تستطيع مصر أن تبقى أكثر من ذلك داخل حدودها بعد أن وصلت التهديدات إليها فأصبحت مُهدَّدة من جميع الاتجاهات
مِن هذِهِ القَرارات، زِيَارَةُ السّاداتِ إلى القُدْسِ الَّتي قادَت إلى "كامب ديفيد" وَمَزَّقَتِ النِّظامَ الإِقْليمِيَّ العَرَبِيَّ وَما زالَت. يُشِيرُ د. جلال أمين إلى أنَّ "قَبولَ الرَّئيسِ السّاداتِ بِزِيارَةِ القُدْسِ كانَ واحِدًا مِنَ الشُّروطِ الغَرْبِيَّةِ لِكَيْ تَقْبَلَ مُساعَدَتَهُ في الخُروجِ مِن أَزْمَتِهِ الاقْتِصادِيَّةِ". وَيُؤَكِّدُ تَقْريرٌ لِلاسْتِخباراتِ الأَميرْكِيَّةِ في فِبْراير/شباط عامَ 77، أَي قَبْلَ 9 شُهورٍ فَقَطْ مِن زِيارَتِهِ لِلقُدْسِ، الصِّلَةَ القاطِعَةَ بَيْنَ التَّأَزُّمِ الاقْتِصادِيِّ وَانْدِفاعِ الرَّئيسِ السّاداتِ غَيْرِ المَحْسوبِ نَحوَ إِسْرائيل أَنَّ "ضُغوطَ الوَضْعِ الاقْتِصادِيِّ السَّيِّئِ وَالعَجْزَ المَالِيَّ بِسَبَبِ الدُّيونِ الخَارِجِيَّةِ المُتَفاقِمَةِ يَجعَلُ السّاداتَ في حاجَةٍ إلى تَحْقيقِ تَقدُّمٍ في مُفاوَضاتِ السَّلام، خاصَّةً أَنَّ مَخاطِرَ الإِطاحَةِ بِالسّاداتِ مِنَ السُّلْطَةِ تَتَزايَدُ إِذا لَم يَكُنْ هُناكَ تَحَسُّنٌ في الأَزْمَةِ الاقْتِصادِيَّة".
قَرارُ الرَّئيسِ مُبارَك بِالاِنْضِمامِ إلى التَّحالُفِ الدَّوْليِّ ضِدَّ العِراقِ كانَ سَبَبُهُ الوَحيدُ هُوَ التَّخلُّصُ مِن عِبْءِ الدَّيْنِ الخارِجِيّ، وَيُقَدَّرُ أَنَّ مُكافَأَةَ مِصْرَ كانَت إِعْفَاءَها مِن أَغْلبِ دُيونِها العَسْكَرِيَّةِ وَالمَدَنِيَّة، لَكِنْ ثَبُتَ فيما بَعْدُ أَنَّهُ كانَ قَرارًا كارِثِيًّا مِنَ النّاحِيَةِ الاسْتْراتيجِيَّة، إِذ قَضى تَمامًا على الجَناحِ الشَّرْقيِّ لِلأَمْنِ القَوْميِّ العَرَبيِّ وَباتَتْ مِصْرُ مِن دونِ جَناحِها العِراقِيّ، وَلاحِقًا مِن دونِ جَناحِها السّورِيّ... وَالمُهِمُّ أَنَّ الدَّوْرَ المِصْرِيَّ تَراجَعَ فَخَلَقَ فَراغًا هَيْمَنَت فيه إِسرائِيلُ على سَماواتِ المِنْطَقَةِ قَصْفًا وَاحْتِلالًا وَتَقَدَّمَت فيهِ إيرانُ وَترْكيا.
التَّطَوُّرُ الأَهَمُّ خاصٌّ بِالمُسْتَقبَل، حَيْثُ يَتَعَرَّضُ الشَّرْقُ الأَوْسَطُ الآنَ لِتَفاعُلاتٍ جَبّارَةٍ سَتُعيدُ تَشْكيلَ عَلاقاتِ القُوَّةِ وَأَحْجَامِ الأَدْوار، بَل وَتَغْييرَ حُدودِ الدُّوَل. وَمِصْرُ مُسْتَهْدَفَةٌ في هذِهِ التَّفاعُلات، وَالمَطْلوبُ بَسيطٌ هُوَ استِمْرارُ السِّياسَةِ المِصْرِيَّةِ الحَذِرَةِ وَالمُنكَفِئَةِ على نَفْسِها كَما هِي. المُشْكِلَةُ أَنَّ أَيَّ تَقديرٍ مُنْصِفٍ سَيَجِدُ بِبَساطَةٍ أَنَّهَا لا تَستَطيعُ أَن تَبْقى أَكثَرَ مِن ذَلِكَ داخِلَ حُدودِها، بَعدَ أَنْ وَصَلَتِ التَّهديداتُ إِلَيْها فَأَصْبَحَت مُهَدَّدَةً مِن جَميعِ الاِتِّجاهات؛ مِنَ الغَرْبِ اللّيبيِّ المُضْطَرِب، وَالشَّرْقِ الفِلَسْطينيِّ ــ الإِسْرائيليِّ المُشْتَعِل، إِلى الجَنوبِ حَيْثُ الحَرْبُ الأَهلِيَّةُ السّودانِيَّةُ وَسَدُّ النَّهْضَةِ الإِثْيوبِيُّ يُهَدِّدانِ النّيلَ شِرْيانَ الحَياةِ فيها.
منطق التاريخ ومقتضيات المستقبل يدعوان مصر للخروج والتحرّر من قيودها الثقيلة منذ "كامب ديفيد"
الصَّفْقَةُ الَّتي تُريدُ حَصْرَ مِصْرَ داخِلَ حُدودِها تَتَعارَضُ أَيْضًا مَعَ حاجَةِ مِصْرَ لِلخُروجِ وَعَدَمِ انْتِظارِ التَّهديداتِ لِسَبَبٍ مُسْتَقبَلِيٍّ آخَر، وهوَ أَنَّ أَيَّ قِراءَةٍ لاِسْتْراتيجِيَّةِ الأَمْنِ القَوميِّ الأَميرْكِيَّةِ الأَخيرَةِ وَنَمَطِ تَحَرُّكاتِ مَبْعوثِيهِ إلى المِنْطَقَة، تُشيرُ إلى تَفضيلٍ أَميرْكِيٍّ لِدَوْرٍ إِسْرائِيلِيٍّ مُهَيْمِنٍ يَليهِ دَوْرٌ تُرْكِيٌّ رَئيسِيٌّ خاصَّةً في الشّام، وَدَوْرٌ مُتَزايِدٌ لِكُلٍّ مِنَ السَّعودِيَّةِ وَالإِمارات، وَلَكِن لَيْسَ فِيهِ لِمِصْرَ إِلّا أَدْوارٌ ثانَوِيَّةٌ وَوَظيفِيَّةٌ تَنْحَصِرُ بِضَبْطِ وَمَنْعِ الهِجْرَةِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ إلى الغَرْبِ أَو أَدْوارِ ما يُسَمّى "الوَسيطَ المُحايِدَ" بَيْنَ الفِلَسْطينِيِّينَ وَالإِسْرائيلِيّين.
مَنْطِقُ التّاريخِ وَمُقْتَضَياتُ المُسْتَقبَلِ اللَّذانِ يَدْعُوانِ مِصْرَ لِلخُروجِ وَالتَّحَرُّرِ مِن قُيودِها الثَّقيلَةِ مُنْذُ "كامب ديفيد"، يَجْعَلانِ مِن صَفْقَةِ الغازِ آخِرَ شَيْءٍ كانَتْ تَحْتاجُهُ مِصْر.
(خاص "عروبة 22")

