يَكادُ يَطْغى مَوْضوعُ فائِضِ المِياهِ والفَيَضانات، وَتَأْثيراتِهِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَمَنافِعِهِ الِاقْتِصادِيَّة، على اهْتِمامِ المُواطِنين، في الدُّوَلِ التي غَمَرَتْها السُّيول، وَكَيْفِيَّةِ تَعاطي الحُكوماتِ مَعَ الكَوارِثِ الطَّبيعِيَّة، وَطَريقَةِ إِنْقاذِ السُّكّان، وَإيوائِهِمْ وَإطْعامِهِم.
إِنَّهُ اخْتِبارٌ صَعْبٌ في القُدْرَةِ على تَدْبيرِ المَخاطِرِ النّاجِمَةِ عَنْ قُوَّةِ الطَّبيعَة، أَمامَ ضَعْفِ الدُّوَلِ مَهْما بَلَغَتْ قُوَّتُها الاقْتِصادِيَّةُ والعَسْكَرِيَّة، وَذَلِكَ في زَمَنٍ باتَتِ المَخاطِرُ جُزْءًا مِنَ الحَوْكَمَة، السِّياسِيَّة، والِاقْتِصادِيَّة، نَتيجَةَ تَعاقُبِ تَداعِياتِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة.
وَقالَتِ المُنَظَّمَةُ العالَمِيَّةُ لِلأَرْصادِ الجَوِّيَّةِ إِنَّ "مَوْجَةَ حَرٍّ شَديدَة، أَعْقَبَها بَرْدٌ وَثُلوجٌ وَصَقيع، شَهِدَها العالَمُ مُنْذُ نِهايَةِ 2025، خَلَّفَتْ أَمْطارًا مُدَمِّرَة، وَفَيَضاناتٍ واسِعَة، وَأضْرارًا وَخَسائِرَ مادِّيَّة، في مَناطِقَ عِدَّةٍ مِنَ العالَم، نَتيجَةَ ظَواهِرَ جَوِّيَّةٍ مُتَطَرِّفَة".
مَعْلومٌ أَنَّ كَوْكَبَ الأَرْضِ يُعاني مِنْ تَفاعُلٍ مُناخِيّ، داخِلَ الدَّوّامَةِ القُطْبِيَّة، سَمَحَتْ بِتَسَرُّبِ كُتَلٍ هَوائِيَّةٍ جَليدِيَّةٍ شَمالِيَّةٍ نَحْوَ الجَنوبِ عَبْرَ تَيّاراتٍ بَحْرِيَّة، أَزاحَتْ في طَريقِها تَأْثيرَ "المُرْتَفَعِ الجَوِّيِّ الأَزورّي" الذي يَحولُ دونَ انْتِقالِ العَواصِفِ البارِدَة، إلى غَرْبِ أوروبّا، وَشَمالِ أَفْريقْيا، وَمِنْها إلى مَجْموعِ البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّط.
الدَّوّامَةُ القُطْبِيَّة
يُعْتَبَرُ تَصَدُّعُ الدَّوّامَةِ القُطْبِيَّةِ الشَّمالِيَّة، وانْشِطارُها، أَحَدَ الأَسْبابِ المُباشِرَةِ التي أَدَّتْ إلى انْخِفاضِ دَرَجاتِ الحَرارَةِ وَتَمَدُّدِ طَقْسٍ قُطْبِيٍّ بارِد، غَزيرِ الأَمْطارِ وَكَثيفِ الثُّلوج، وَذَلِكَ عَقِبَ انْتِقالِ جُزْءٍ مِنَ الدَّوّامَةِ الجَليدِيَّةِ إلى مَناطِقَ لَمْ تَكُنْ ضِمْنَ الفَضاءِ القُطْبِيّ، وَكانَتْ سَبَبًا مُباشِرًا في سُيولٍ وَفَيَضاناتٍ وارْتِفاعِ أَمْواجِ البَحْرِ وامْتِلاءِ حُقَيْناتِ السُّدودِ واضْطِرابٍ في حَرَكَةِ المِلاحَةِ التِّجارِيَّة، خاصَّةً في غَرْبِ البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّط، مِنْ جَنوبِ فَرَنْسا إلى شَمالِ المَغْرِب، مُرورًا بِإِسْبانْيا والبُرْتُغال، وُصولًا إلى الجَزائِرِ وَتُونِس.
الجغرافيا تُحتّم اليوم تعاونًا وتكاملًا بين الدول لأنّ الكوارث الطبيعية لم تعُد تعترف بالحدود التي وضعها التاريخ
نَحْنُ إِزاءَ مِنْطَقَةٍ اسْتْراتيجِيَّةٍ في خَريطَةِ العالَمِ التِّجارِيَّةِ تَرْبِطُ بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ وَبَيْنَ الشَّمالِ والجَنوب. وَهِيَ أَيْضًا أَرْضُ تَلاقُحِ الحَضاراتِ عَبْرَ مِئاتِ السِّنين. وَلَعَلَّ قِراءَةً مُناخِيَّةً مُتَأَنِّيَةً لِهَذِهِ المِنْطَقَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ جَنوبِ أوروبّا وَشَمالِ أَفْريقْيا وَبَيْنَ غَرْبِ البَحْرِ المُتَوَسِّطِ وَجَنوبِ المُحيطِ الأَطْلَسيِّ على مَضيقِ جَبَلِ طارِقٍ، تَكْفي لِلدَّلالَةِ على أَنَّ الجُغْرافْيا تُحَتِّمُ اليَوْمَ تَعاوُنًا وَتَكامُلًا، بَيْنَ هَذِهِ الدُّوَل، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ انْتِمائِها الإِقْليميِّ أَوِ القارِّيّ، لِأَنَّ الكَوارِثَ الطَّبيعِيَّةَ لَمْ تَعُدْ تَعْتَرِفُ بِالحُدود، التي وَضَعَها التّاريخ.
مِنَ الجَفافِ إلى الفَيَضان
بَعْدَ سَنَواتٍ عِجافٍ مِنَ الجَفافِ وَشُحِّ الأَمْطارِ والإِجْهادِ المائيِّ وَتَراجُعِ الإِنْتاجِ الزِّراعِيّ، تَحَوَّلَ غَرْبُ البَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّطِ فَجْأَةً إلى مِنْطَقَةِ أَعاصيرَ تَحْتَ أَسْماءِ كْرِيسْتِيا وَلِيونارْدو وَمارْتا، أَسْقَطَتْ كُلَّ النَّظَرِيّاتِ حَوْلَ جُغْرافِيَّةِ التَّغَيُّرِ المُناخيّ، وَأَسْبابِ الاحْتِباسِ الحَرارِيّ، بَل تَجاوَزَتِ التَّساقُطاتُ المَطَرِيَّةُ في مَجْموعِ المِنْطَقَةِ خَمْسَةَ أَضْعافِ نِسْبَتِها في المَواسِمِ السّابِقَة، مِمّا يُبَشِّرُ بِمَوْسِمٍ غِذَائِيٍّ جَيِّد، وَنُمُوٍّ اقْتِصادِيٍّ مُرْتَفِعٍ، مَدْفوعًا بِالزِّراعَةِ والسِّياحَة.
مناطق نائية دخلت فجأة إلى عالم الشهرة
فَفي المَغْرِبِ على سَبيلِ المِثال، غَطَّتِ الثُّلوجُ مِساحَةً تَقارِبُ 70 أَلفَ كلم مُرَبَّع، وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يَحْدُثْ مُنْذُ 1903، وَتَجاوَزَتْ سَماكَةُ الثُّلوجِ فَوْقَ قِمَمِ جِبالِ الأَطْلَسِ أَرْبَعَةَ أَمْتَار، مِمّا أَضْفى سِحْرًا وَجَمالًا على شَلّالاتِ الجِبالِ التي وَصَفَها مُدَوِّنونَ بِـ"سويسْرا المَغْرِب". وَجَلَبَ مَنْظَرُ الثُّلوجِ البَيْضاءِ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ السُّياحِ والزُّوّار، مِنْ داخِلِ وَخارِجِ البِلاد، مِمّا أَنْعَشَ السِّياحَةَ في تِلكَ المَناطِقِ النّائِيَة، التي دَخَلَتْ فَجْأَةً إلى عالَمِ الشُّهْرَة.
لَكِنَّ فائِضَ المِياهِ لَهُ انْعِكاسُهُ السَّلبِيُّ أَيْضًا، بَعْدَما غَمَرَتِ الفَيَضاناتُ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ الهِكْتَارات، وَخَسِرَ مُزارِعونَ إِنْتاجَهُمْ وَماشِيَتَهُم. وَقَدْ أَشارَ الخَبيرُ في عِلْمِ المُناخِ محمد بِنْعَبّو إلى أَنَّ الأَمْطارَ الغَزيرَةَ تَسَبَّبَتْ في ارْتِفاعٍ كَبيرٍ في مَنْسوبِ الأَوْدِيَةِ والأَنْهار، وَأَدَّتْ إلى غَرَقِ مِساحاتٍ زِراعِيَّةٍ واسِعَة، فَضْلًا عَنْ إِجْلاءِ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ السُّكّان، كَما تَمَّ تَعْليقُ الدِّراسَةِ وَإِغْلاقُ مَقاطِعَ طُرُقِيَّةٍ رَئيسَة، وَتَفْريغُ جُزْءٍ مِنْ حُمولَةِ السُّدودِ بَعْدَ أَنْ تَجاوَزَتْ 149 في المائَةِ مِنْ حَجْمِها خاصَّة "سَدَّ وادي المَخازِن". وَبِسَبَبِ قُرْبِها مِنَ السَّدِّ تَمَّ إِخْلاءُ مَدينَةِ "القَصْرِ الكَبير" بِالكامِل، وَأَصْبَحَتْ مَدينَةَ أَشْباح، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ شِبْهَ مَعْزولَةٍ عَنِ العالَم، بِسَبَبِ ارْتِفاعِ مَنْسوبِ الأَوْدِيَةِ والسُّدودِ المُجاوِرَة.
قِصَّةُ هَزيمَةِ مَلِكِ البُرْتُغالِ في "القَصْرِ الكَبير"
بَعْضُ الذينَ سَمِعوا عَنْ مَدينَةِ "القَصْرِ الكَبير" وَإِجْلاءِ سُكّانِها بِسَبَبِ الفَيَضانات، رُبَّما لَمْ يَسْمَعوا بِدَوْرِها في حِمايَةِ الإِسْلامِ في القَرْنِ السادِسَ عَشَر، أَمامَ الزَّحْفِ المَسيحيّ، القادِمِ مِنَ الضَّفَّةِ الشَّمالِيَّةِ لِلبَحْرِ الأَبْيَضِ المُتَوَسِّط، حَيْثُ وَقَعَتْ حَوْلَ المَدينَة "مَعْرَكَةُ القَصْرِ الكَبير" أَوْ "وادي المَخازِن" أَوْ "حَرْبُ المُلوكِ الثَّلاثَة" في صَيْفِ عامِ 1578.
كانَ الجَيْشُ الأوروبِّيُّ حينَها يَفوقُ عَدَدُهُ 100 أَلْفِ مُقاتِل، وَفْقَ المُؤَرِّخِ البُرْتُغاليِّ كيروش فيلوزو، في كِتابِهِ "مَعْرَكَةُ القَصْرِ الكَبير"، جَيْشٌ يَقودُهُ مَلِكُ البُرْتُغالِ الشّابُّ الدّون سِباشْتياو، مَدْعومًا مِنْ بابا روما، وَخَالِهِ فيليبّي الثّاني مَلِكِ إِسْبانْيا. كَما يَضُمُّ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ المُتَطَوِّعين، قَطَعوا البَحْر، لِلقَضاءِ على الإِسْلامِ في المَغْرِبِ العَرَبيِّ والانْتِقامِ مِنْ تارِيخِ الأَنْدَلُسِ وَنَشْرِ المَسيحيَّةِ الكاثوليكِيَّة.
تحوّلت المدينة المنكوبة إلى مصدر فخر في التاريخ المغربي
لَكِنَّ المَعْرَكَةَ التي لَمْ تَدُمْ سِوى ساعات، انْتَهَتْ بِهَزيمَةِ الجَيْشِ الأوروبِّيّ، وَمَقْتَلِ المَلِكِ البُرْتُغالِيّ، بَعْدَ عاصِفَةٍ رَعْدِيَّةٍ شَديدَةِ المَطَرِ أَدَّتْ إلى فَيَضانِ وادي اللَّوكوسِ وَوادِي المَخازِن. وَقامَ الجَيْشُ المَغْرِبِيُّ بِتَحْطيمِ القَنْطَرَةِ الواصِلَةِ بَيْنَ مَدِينَتَيْ العَرائِشِ غَرْبًا والقَصْرِ الكَبيرِ شَرْقًا، لِمَنْعِ تَراجُعِ الجَيْشِ البُرْتُغالِيّ. وَتَسَبَّبَ ذَلِكَ في غَرَقِ الجُزْءِ الأَعْظَمِ مِنَ الجَيْشِ واضْطِرابِه، وَمَقْتَلِ مَلِكِه، الذي عُثِرَ عَلَيْهِ في اليَوْمِ المُوالي في سَفْحِ الوادي.
وَكانَ لِهَذِهِ المَعْرَكَةِ صَدًى دَوْلِيٌّ عِنْدَ المَلِكَةِ إِليزابيث الأولى، التي سارَعَتْ إلى تَهْنِئَةِ الإِمْبْراطورِ المَغْرِبيِّ الجَديدِ أَحْمَد المَنْصور السَّعْدِيّ، بِسَبَبِ خِصامِها مَعَ إِسْبانْيا، والنِّزاعِ بَيْنَ البْروتِسْتانْتِ والكاثوليك.
لَيْسَ صُدْفَةً أَنْ يَتَحَدَّثَ الإِعْلامُ المَغْرِبِيُّ مُؤَخَّرًا عَنْ قِصَّةِ مَعْرَكَةِ "وادي المَخازِن" وَدَوْرِ الماءِ والسُّيولِ في نُصْرَةِ المُسْلِمين، على الرَّغْمِ مِنْ قِلَّةِ إِمْكاناتِهِم، إِذْ تَحَوَّلَتِ المَدينَةُ المَنْكوبَةُ إلى مَصْدَرِ فَخْرٍ في التّارِيخِ المَغْرِبيِّ الوَسيط.
(خاص "عروبة 22")

