لِلتَّوْضيح، جَوْهَرُ الأَزْمَةِ المَصْرِفِيَّةِ اللُّبْنانِيَّةِ يَتَمَثَّلُ في مَبْلَغِ 83 مِليارَ دولارٍ مِنْ وَدائِعِ العُمَلاء (أَيْ عَمَلِيًّا الفَجْوَةَ المالِيَّة)، التي قامَتِ المَصارِفُ بِإيداعِها لَدى مَصْرِفِ لُبْنان، إِلّا أَنَّ مَصْرِفَ لُبْنانَ لَمْ يَعُدْ قادِرًا على رَدِّها لِأَنَّهُ أَنْفَقَ الجُزْءَ الأَكْبَرَ مِنْها على سِياساتٍ حُكومِيَّةٍ وَنَقْدِيَّةٍ غَيْرِ مُسْتَدامَة. لَكِنَّ مُقارَبَةَ صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيّ، اسْتِنادًا إلى المَعايِيرِ الدَّوْلِيَّة، تَنْصُّ على ضَرورَةِ تَطْبيقِ "تَراتُبِيَّةِ المُطالَبات"، بِحَيْثُ يَتِمُّ اسْتِخْدامُ رَساميلِ المَصارِفِ أَوَّلًا لِسَدادِ الوَدائِعِ (الخُصومِ/الالتِزامات). وَتَتَضَمَّنُ المُقارَبَةُ ما يَلي:
* لَنْ تَكونَ هُناكَ اقْتِطاعاتٌ على أَمْوالِ المودِعينَ قَبْلَ شَطْبِ كامِلِ رَساميلِ المَصارِفِ واسْتِخْدامِها في رَدِّ الوَدائِع.
* سَيَسْتَعيدُ جَميعُ المودِعينَ أَمْوالَهُمْ مِنْ حِساباتِهِمْ في كُلِّ مَصْرِفٍ على حِدَة، وَلَيْسَ عَبْرَ دَمْجِ الحِساباتِ في حِسابٍ واحِدٍ مُوَحَّد.
* بَعْدَ تَطْبيقِ هَذَيْنِ الإِجْراءَيْن، قَدْ لا يَعْتَرِضُ صُنْدوقُ النَّقْدِ على أَيِّ آلِيَّةٍ لِسَدادِ الوَدائِعِ بَيْنَ الأَطْرافِ الرَّئيسِيَّةِ الأُخْرى، أَيِ الحُكومَةِ وَمَصْرِفِ لُبْنان.
غَيْرَ أَنَّ نَموذَجَ صُنْدوقِ النَّقْد، كَما هُوَ مُوَضَّحٌ أَعْلاه، يَبْدو قاسِيًا لِلغايَةِ لِلأَسْبابِ التّالِيَة:
1 – إِنَّهُ يَفْتَرِضُ أَنَّ المَصارِفَ هِيَ المُتَسَبِّبَةُ بِالأَزْمَة، لا ضَحِيَّتُها، وَبِناءً عَلَيْهِ يُؤَدّي إلى القَضاءِ على مُعْظَمِ المَصارِف، لِأَنَّ القَليلَ جِدًّا مِنْها سَيَجِدُ مِنَ المُمْكِن - مالِيًّا وَحَتّى أَخْلاقِيًّا - إِعادَةَ رَسْمَلَتِه.
نموذج يُعامل جميع المصارف بلا تمييز على نحو غير عادل
2 – على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ المَبْدأ يَسْمَحُ بِدَعْمٍ حُكومِيٍّ لِإِعادَةِ الوَدائِعِ (مِثْلَ مَبْلَغِ 16.5 مِليارَ دولارٍ المُدَقَّقِ الذي تَدينُ بِهِ الحُكومَةُ لِمَصْرِفِ لُبْنان)، إِلّا أَنَّ ذَلِكَ عَمَلِيًّا مَشْروطٌ بِاسْتِدامَةِ الدَّيْنِ العامّ؛ أَيْ لا دَعْمَ إِذا كانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَدامٍ. غَيْرَ أَنَّ اسْتِدامَةَ الدَّيْنِ لَيْسَتْ عِلْمًا دَقيقًا حَتّى في أَفْضَلِ الظُّروف، إِذْ إِنَّها شَديدَةُ الحَساسِيَّةِ لِقِيَمِ المُتَغَيِّراتِ التي تُحَدِّدُها (مُعَدَّلُ نُمُوِّ النّاتِجِ المَحَلِّيّ، سِعْرُ الفائِدَة، والعَجْزُ الأَوَّلِيّ)، إِضافَةً إلى عَدَمِ وُجودِ إِجْماعٍ أَصْلًا حَوْلَ ما الذي يُعَدُّ دَيْنًا مُسْتَدامًا.
3 – لا يَعْتَرِفُ هَذا النَّموذَجُ بِمَبْدَأ العَدالَةِ الأُفُقِيَّةِ بَيْنَ المَصارِف، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعامِلُ جَمِيعَ المَصارِفِ بِلا تَمْيِيزٍ على نَحْوٍ غَيْرِ عادِل: فَيُساوِي بَيْنَ المَصارِفِ التي عَمِلَتْ بِجِدٍّ لِرَفْعِ رَسامِيلِها وَحِمايَتِها، وَتِلكَ التي خَسِرَتْها أَوْ بَدَّدَتْها.
في مُقابِلِ مَوْقِفِ صُنْدوقِ النَّقْدِ أَعْلاه، لَدَيْنا الحَقائِقُ الصَّلْبَةُ التّالِيَة:
* النُّقْطَةُ الأَساسِيَّةُ هِيَ أَنَّ الأَزْمَةَ اللُّبْنانِيَّةَ تَخْتَلِفُ لِأَنَّها نَشَأَتْ في مَصْرِفِ لُبْنانَ وَلَيْسَ في المَصارِفِ التِّجارِيَّة. وَلَوْ أَنَّها بَدَأَتْ في المَصارِفِ لَكانَتْ مُقارَبَةُ صُنْدوقِ النَّقْدِ صَحيحَة. وَبِناءً عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَصْرِفَ لُبْنانَ هُوَ الذي يَجِبُ أَنْ يَتَحَمَّلَ مَسْؤولِيَّةَ إِعادَةِ الوَدائِع.
موقف صندوق النقد يهدف إلى شطب القطاع المصرفي القائم والبدء من جديد
* وَمِنَ اللّافِتِ أَنَّهُ في هَذِهِ الحالَة، حَتّى صُنْدوقُ النَّقْدِ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ الحُكومَةَ هِيَ التي يَجِبُ أَنْ تَمْتَصَّ هَذِهِ الخَسائِر، لِأَنَّ المَصارِفَ المَرْكَزِيَّةَ تَقَعُ ضِمْنَ وِلايَتِها. وَمِنَ البَديهيِّ أَنْ يَنْطَبِقَ ذَلِكَ على لُبْنانَ أَيْضًا، خُصوصًا أَنَّ قانونَ النَّقْدِ والتَّسْليفِ اللُّبْنانِيّ (المادَّةُ 13) واضِحٌ جِدًّا في هَذا الشَّأْن.
* يَبْدو إِذَنْ أَنَّ مَوْقِفَ صُنْدوقِ النَّقْد، عَبْرَ "تَراتُبِيَّةِ المُطالَبات"، يَهْدِفُ إلى شَطْبِ القِطاعِ المَصْرِفيِّ القائِمِ والبَدْءِ مِنْ جَديد، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المَصارِفَ خَسِرَتْ بِالفِعْلِ 16 مِليارَ دولارٍ مِنْ حُقوقِ المِلكِيَّة، وَما تَبَقّى لا يَتَجاوَزُ 5 مِلياراتِ دولار. وَهَذا المَوْقِفُ يَتَجاهَلُ أَنَّهُ يُلْغِي الشَّيْءَ كُلَّهُ بِسَبَبِ جُزْءٍ سَيِّئٍ مِنْهُ: فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِاقْتِصادٍ أَنْ يَسْتَمِرَّ بِلا قِطاعٍ مَصْرِفِي؟ وَقِطاعٍ مَصْرِفِيٍّ لَمْ يَكُنْ أَساسًا مَسْؤولًا عَنْ نُشوءِ الأَزْمَة!.
وَنَوَدُّ أَنْ نَخْتِمَ بِثَلاثَةِ أَسْئِلَةٍ مِحْوَرِيَّةٍ مُوَجَّهَةٍ لِتَأْطيرِ قانونِ الفَجْوَةِ المالِيَّةِ والتَّصْديقِ عَلَيْه:
1 – أَلا يَنْبَغِي لِمَوْقِفِ صُنْدوقِ النَّقْدِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ سِياقِيَّةً وَأَنْ يَأْخُذَ في الاعْتِبارِ الخُصوصِيّاتِ اللُّبْنانِيَّة؟ بِمَعْنى آخَر، يَنْبَغي على صُنْدوقِ النَّقْدِ أَنْ يُفَكِّرَ "خارِجَ الصُّنْدوق" وَأَنْ يَبْنِيَ مِقارَبَتَهُ على "تَراتُبِيَّةِ المَسْؤولِيّات"، بَدْءًا بِالحُكومَة، ثُمَّ مَصْرِفِ لُبْنان، ثُمَّ المَصارِفِ اللُّبْنانِيَّة (التي يَجِبُ أَنْ تَتَحَمَّلَ حِصَّتَها في رَدِّ الوَدائِع)، وَفْقَ هَذا التَّرْتيبِ التَّنازُلِيّ.
أفضل مخرج هو المضيّ من دون "بركة" صندوق النقد
2 – ما مَصيرُ أُصولِ مَصْرِفِ لُبْنانَ/الدَّوْلَة؟ وَبِعِبارَةٍ أَكْثَرَ جُرْأَة: لِماذا لا يَتِمُّ اسْتِخْدامُ جُزْءٍ مِنْ أُصولِ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّةِ مِنْ خِلالِ تَسْييلِها واسْتِعْمالِ مَرْدودِها، وَفْقَ حَوْكَمَةٍ مُنْضَبِطَة، لِرَدِّ الوَدائِعِ وَسَدِّ الفَجْوَةِ المالِيَّة... وَفي حالِ لَمْ تَكْفِ هَذِهِ العَمَلِيَّةُ يُمْكِنُ عِنْدَها اللُّجوءُ إلى جُزْءٍ مِنْ احْتِياطيِّ الذَّهَب.
3 – إِذا أَصَرَّ صُنْدوقُ النَّقْدِ على نَموذَجِهِ في قانونِ الفَجْوَة، فَماذا يَجِبُ أَنْ تَفْعَلَ الحُكومَة؟ هَل تَمْضي قُدُمًا مِنْ دونِ اتِّفاقٍ مَعَ صُنْدوقِ النَّقْد، أَمْ تَعْتَمِدُ نَموذَجَ صُنْدوقِ النَّقْدِ وَتَسْمَحُ لِلقِطاعِ المَصْرِفيِّ بِالِاخْتِفاء؟ رُبَّما يَكونُ أَفْضَلُ مَخْرَجٍ مِنْ هَذِهِ المُعْضِلَةِ هُوَ المُضِيُّ مُنْفَرِدًا مِنْ دونِ "بَرَكَةِ" صُنْدوقِ النَّقْد، ثُمَّ العَمَلُ على تَفْعيلِ اتِّفاقِيَّةِ الهُدْنَةِ مَعَ إِسْرائيل، أَوْ صِياغَةِ اتِّفاقِيَّةٍ أَمْنِيَّةٍ تَضْمَنُ الاسْتِقْرارَ وَعَدَمَ الاعْتِداء، عِنْدَها الرِّهانُ سَيَكونُ على أَنَّ صُنْدوقَ النَّقْدِ سَيَعودُ "مِنَ البابِ الخَلفي" لِتَوْقيعِ اتِّفاقِ إِصْلاحٍ وَتَكَيُّفٍ هَيْكَلِيّ.. لَكِنَّ ذَلِكَ رِهانٌ كَبِيرٌ، بِلا شَكّ!.
(خاص "عروبة 22")

