يَدورُ خِطابُ الإِصْلاحِ العَرَبيِّ اليَوْمَ إِمّا حَوْلَ الجانِبِ الإِدارِيِّ التِّقْنيِّ وَقَضايا مِثْلَ الحَوْكَمَةِ وَمُكافَحَةِ الفَساد، ضِمْنَ مُلتَقَياتٍ عُمومِيَّةٍ غَيْرِ مُلْزِمَةٍ، وإِمّا حَوْلَ الجانِبِ الوَعْظيِّ الأَخْلاقيِّ المُتَمَثِّلِ بِالعَوْدَةِ إلى القِيَم، سَواءٌ القِيَمُ الاجْتِماعِيَّةُ المَعيشَةُ أَوِ القِيَمُ الدّينِيَّة، وَإِمّا حَوْلَ مَظْهَرٍ إِحْيائِيٍّ تَذَكُّريٍّ لِأُنْموذَجٍ ناجِحٍ في الماضي، سَواءٌ كانَ تَجْرِبَةَ حُكْمٍ قَريبَةً أَوْ بَعيدَةً، أَوْ دَعْوَةً فِكْرِيَّةً إيدْيولوجِيَّةً كانَ لَها وَقْعُها في بِدايَةِ التَّفْكيرِ الحَداثيِّ العَرَبيِّ أَوَّلَ القَرْنِ العِشْرين.
إِذًا الإِصْلاح، بِالمَعْنى العَميق، الذي يُؤَدّي إلى تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ في نَمَطِ الوَعْي، لَمْ يَحْدُثْ إلى الآن، بَل لَمْ يَبْدُرْ ما يوحي بِأَنَّ هُناكَ تَفْكيرًا شامِلًا بِضَرورَةِ الإِصْلاح، بَدَلَ امْتِهانِ التَّرْقيعِ والاسْتِعادَةِ في بَثِّ الخُطَبِ العَشْوائِيَّةِ التي تَحْصُرُ الإِشْكالَ في اكْتِشافِ نُقْطَةِ البِدايَةِ الفاسِدَة. فَمِنْهُمْ مَنْ يَرى المُشْكِلَةَ في الدَّوْلَةِ والدَّساتير، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَمِّلُ المَسْؤولِيَّةَ إلى الدّينِ نَفْسِه، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَصِرُ المَشْهَدَ بِالحاكِمِ عَيْنِه، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ رَدّاتِ الفِعْلِ التَّفَكُّرِيَّةِ السّاذَجَةِ التي لا تَمَسُّ الذّاتَ المُتَكَلِّمَةَ وَهِيَ تُطْلِقُ الأَحْكام.
عندنا دساتير بلا مواطن والتعليم نفسه غدا بلا تفكير
إِنَّ شُروطَ الإِصْلاحِ تَبْدَأُ مِنْ لَحْظَةِ مُعايَنَةِ صورَةِ الإِنْسانِ عَنْ نَفْسِه، لِأَنَّ الاعْتِرافَ الحَقيقِيَّ هُوَ مُصارَحَةُ الذّاتِ بِما هِيَ عَلَيْه، ثُمَّ ابْتِداءُ الجُرْأَةِ في إِقامَةِ العَلاقَةِ النِّدِيَّةِ مَعَ الآخَر.
إِنَّ مَأْزِقَ الإِصْلاحِ العَرَبيِّ اليَوْمَ لَيْسَ في غِيابِ المَشارِيعِ المُمْكِنَة، بَل في ضُمورِ الذَّواتِ الفاعِلَةِ في التَّفْكيرِ الحَيِّ لِرَبْطِ الأَفْكارِ بِالواقِعِ المَعيش. وتَكْمُنُ الأَزْمَةُ في اهْتِراءِ عَلاقَتِنا القِيَمِيَّةِ بِالواقِع، إِذْ هُناكَ انْفِصَامٌ بَيْنَ القِيَمِ والحَدَث. نَحْنُ عِنْدَنا دَساتيرُ بِلا مُواطِن، إِذْ إِنَّ التَّشْريعاتِ لا تُواكِبُ الواقِعَ المَعيشَ بِجُرْأَةٍ تُتيحُ تَكْوينَ مَفاهيمِ العَيْشِ المَدَنيِّ الرّاهِن. كَما أَنَّ التَّعْليمَ نَفْسَهُ غَدا بِلا تَفْكيرٍ في المَعْلومات، بَل هُوَ تَلَقٍّ لِلمَعْلوماتِ المَوْجودَةِ بِشَكْلٍ لا يُفَعِّلُ السُّؤالَ الحَقيقِيَّ في أَذْهانِ النّاشِئَة، بَل يَجْعَلُهُمْ يَكْتَفونَ بِالتَّعَرُّفِ السّاذَجِ إلى مَضامينِ العُلوم. والخِطابُ الدّينِيُّ بِلا سُؤالٍ أَيْضًا، إِذْ لا يُتيحُ إِشْراكَ المُتَلَقّينَ بِإِحْداثِ الفَهْمِ الجَديدِ لِدَواعي الدّينِ في المُجْتَمَعِ البَشَرِيّ. هُنا نَفْهَمُ لِماذا السِّياسَةُ عِنْدَنا بِلا أُفُق، إِذْ إِنَّ الذَّواتِ لَمْ تُؤَهَّلْ لِتَسْأَل، فَكَيْفَ لَها أَنْ تَتَفَكَّرَ بِالإِصْلاح؟!.
وَهُنا يَعودُ سُؤالُ النَّهْضَةِ القَديم، لَكِنْ بِصيغَةٍ أَكْثَرَ حِدَّة: كَيْفَ نُصْلِحُ مَنْ لَمْ يُسْمَحْ لَهُ أَنْ يُفَكِّرَ أَصْلًا؟!.
ونَنْتَقِلُ لِنُعايِنَ مُصْطَلَحَ الإِصْلاحِ نَفْسَهُ الذي يُبْدي لَنا العَمَلِيَّةَ الإِصْلاحِيَّةَ وَكَأَنَّها تَقومُ على بُنْيانٍ سَليمٍ يَحْتاجُ إلى تَرْميمٍ بَسيطٍ أَوْ تَصْحيحٍ جُزْئِيٍّ فَحَسْب، بَيْنَما الحَقيقَةُ هِيَ أَنَّ هُناكَ خَلَلًا تَأْسيسِيًّا في العَلاقَةِ بَيْنَ: الفَرْدِ والسُّلْطَةِ والمَعْنى. لِذَلِكَ عَلَيْنا بَعْثُ التَّفْكيرِ في إِصْلاحٍ تَأْسيسِيٍّ لا إِصْلاحٍ تَجْميلِيّ. فالتَّحْسينُ لِظُروفِ العَيْشِ لا يَبْدَأُ إِلّا بِوَعْيِ الخَلَلِ الجَذْرِيِّ في مَجالاتِ الإِصْلاح.
الإصلاح يُعنى بإِعادة الاعتبار إلى العقل
هُناكَ ثَلاثَةُ مُسْتَوَياتٍ إِصْلاحِيَّةٍ رَئِيسَةٍ لا يُمْكِنُ تَجاوُزُها في التَّفْكيرِ الإِصْلاحِيّ، وَهِيَ:
أَوَّلًا، الإِصْلاحُ المَعْرِفِيّ الذي يُحْدِثُ الِاهْتِزازَ الكِيانِيَّ الذي يُحَفِّزُ الِانْتِقالَ مِنَ الطّاعَةِ إلى التَّفْكير، إِذْ لا إِصْلاحَ مُمْكِنٌ مِنْ دونِ تَعْليمٍ يُدَرِّبُ على السُّؤال، لا على الخَوْفِ مِنَ الخَطَأ. فَنَحْنُ لا نُنْتِجُ مَعْرِفَةً نَحْتاجُها، بَل نَسْتَهْلِكُ تَفْسيراتِ الآخَرِ الجاهِزَة، وَهَذا ما يُضْعِفُ عِنْدَنا الشُّعورَ بِالمَسْؤولِيَّةِ الإِبْداعِيَّةِ في العالَم. الإِصْلاحُ هُنا يُعْنى بِإِعادَةِ الاعْتِبارِ إلى العَقْلِ بِوَصْفِهِ مَسْؤولِيَّةً أَخْلاقِيَّة، أَيْ مَكْنَةً نِضَالِيَّةً لا بُدَّ مِنْ تَثْويرِها بِحَسَبِ شُروطِ العِلْمِ الرّاهِن.
ثَانِيًّا، الإِصْلاحُ السِّياسِيّ، إِذْ لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ فَقَطْ في الاسْتِبْداد، بَل في قَبولٍ طَويلِ الأَمَدِ بِالعَيْشِ الرَّعَوِيّ، تَحْتَ رَحْمَةِ الحاكِمِ المُسْتَبِدّ، لِأَنَّ الذّاتَ لَمْ تُدَرَّبْ على الفِعْلِ السِّياسِيّ. هَذا الفِعْلُ هُوَ الحِنْكَةُ الخَلّاقَة، أَيْ القُدْرَةُ على الرَّبْطِ بَيْنَ الرَّغْبَةِ في الإِصْلاحِ وَمُمْكِناتِ الإِصْلاحِ الواقِعِيَّة، وَإِمْكاناتِ الأَشْخاصِ التَّغْييرِيَّة. فالإِصْلاحُ السِّياسِيُّ لَيْسَ تَغْييرَ أَشْخاصٍ، بَل هُوَ تَحْويلُ الخَوْفِ إلى مُسَاءَلَةٍ حَيَّةٍ حاضِرَة. وَلا مُساءَلَةَ مِنْ دونَ فَرْدٍ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ صاحِبُ حَقٍّ لا مَوْضوعَ إِدارَةٍ وَتَجْريبِ إِراداتٍ فَرْدِيَّةٍ أُخْرى.
ثَالِثًا، الإِصْلاحُ القِيَمِيّ، وَيَنْطَلِقُ مِنَ الهُوِيَّةِ المُغْلَقَةِ إلى الأَنا الرَّحْبَة. فالخِطابُ السّائِدُ دائِمًا ما يَتَظَهَّرُ في مَوْقِفٍ دِفاعِيٍّ عَنِ الهُوِيَّة، أَوْ في مَوْقِفٍ عِدائِيٍّ تُجاهَ الآخَر. أَمّا الإِصْلاحُ القِيَمِيُّ الذي نُسَمِّيهِ تَأْسيسِيًّا، فَهُوَ ما يَضْمَنُ الانْتِقالَ مِنْ "أَنا مُهَدَّدَة" إلى "أَنا رَحْبَة" قادِرَةٍ على الاعْتِرافِ بِالخَطَأِ في سَبيلِ المُبادَرَةِ بِالتَّعارُفِ والتَّشارُكِ والابْتِكار.
الإصلاح الممكن عربيًا هو إصلاح يشتغل على الإنسان قبل النظام
مِنْ هُنا نَطْرَحُ ضَرورَةَ مُغادَرَةِ النَّفَسِ الوَعْظيِّ والانْفِتاحِ على الحاضِرِ بِمَسْؤولِيَّةٍ تُتيحُ تَفْعيلَ مُؤَسَّساتِ المُجْتَمَعِ لِتُحيلَها مَساحاتٍ صَغيرَةً لِلتَّفْكيرِ الحُرّ، وَبُؤَرَ حِوارٍ وَتَناظُرٍ يُعيدُ الحَيَوِيَّةَ إلى العِلَلِ التي مِنْ أَجْلِها قامَتْ مِثْلُ هَذِهِ الدّورِ النّاشِطَةِ لِتَثْويرِ المُجْتَمَعِ المَدَنيِّ وَرَبْطِهِ بِالقَضايا المُلِحَّةِ في الواقِع. فالإِصْلاحُ المُمْكِنُ عَرَبِيًّا اليَوْمَ هُوَ إِصْلاحٌ يَشْتَغِلُ على الإِنْسانِ قَبْلَ النِّظام. كَما أَنَّ التَّطَوُّرَ التِّقانِيَّ والتَّقَدُّمَ العِلْمِيَّ يَفْرِضانِ نَوْعًا مِنَ التَّواضُعِ المَعْرِفِيِّ الذّاتِيّ، الذي يُمَكِّنُ مِنَ الإِصْلاحِ القِيَميِّ البَطيء، أَوِ المُتَدَرِّجِ في بُنْيَةِ الفَرْد، فَيَحُثُّهُ على الشُّعورِ بِضَرورَةِ العَيْشِ التَّعَدُّديِّ القائِمِ على الاعْتِرافِ بِالواقِعِ لِتَجاوُزِهِ بِالتَّحْسين، أَيْ يُؤَسِّسُ التَّخْطيطَ بِفاعِلِيَّةٍ تَضْمَنُ المُشارَكَةَ في صُنْعِه، بَدَلَ اسْتِعْراضِ المَعارِفِ مِنْ فَوْقِهِ لِإِحْلالِ نَوْعٍ مِنَ السَّيْطَرَةِ الواهِمَةِ عَلَيْه.
(خاص "عروبة 22")

