بصمات

عالَمُ إِبْسْتين "المَفَخَّخ"!رِحْلَةُ البَحْثِ عَنِ الأَمانِ عَبْرَ الذَّهَبِ والبيتْكويْنِ وَسَرْدِيّاتِ المُؤامَرَة!

مَنْ كانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ عالَمَ الشَّبَكاتِ الرَّقْمِيَّةِ الذي بَدَأَتْ مَلامِحُهُ في التَّشَكُّلِ مَطْلَعَ الثَّمانينِيّات، واكْتَمَلَ صَرْحُهُ بِدايَةَ الأَلْفِيَّةِ الثّانِيَة، سَيَنْتَهي كُتْلَةً بَشَرِيَّةً وَجُغْرافِيَّةً واحِدَةً لا آخرَ فيها، تَتَشابَكُ فيها الاضْطِراباتُ والتَّوَتُّراتُ والحُروبُ والكَوارِث، وَتَقَلُّباتُ الأَسْواقِ والأَسْعارِ والانْتِصارات/الانْكِساراتِ الرِّياضِيَّةِ والفَضائِحِ الفَنِّيَّة، وَتُغَذّي كُلَّ ذَلِكَ نَظَرِيّاتُ المُؤامَرَةِ والتَّلاعُبُ بِمَصائِرِ سُكّانِ هَذا الكَوْكَب، إلى جانِبِ أَخْبارِ وَفَضائِحِ الفَسادِ السِّياسيِّ والماليِّ والإِداريِّ وَعلى نَحْوٍ عالَمِيّ، في نَوْعٍ مِنَ العَدْوى العالَمِيَّةِ الشَّبَكاتِيَّة.

عالَمُ إِبْسْتين

وَفْقَ نَظَرِيَّةِ "مُجْتَمَعِ المَخاطِرِ العالَميِّ" لِأولريش بيك (Ulrich Beck)، لَمْ تَعُدِ الاضْطِراباتُ مُسَيَّجَةً بِحُدودٍ وَطَنِيَّةٍ أَوْ جُغْرافِيَّة، بَل أَصْبَحَتْ عالَمِيَّةً وَمُتَداخِلَة، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ التَّوَتُّراتِ السِّياسِيَّةَ والتَّهْديداتِ العَسْكَرِيَّة، وَتَقَلُّباتِ الأَسْواقِ المالِيَّة، والأَزَماتِ الِاقْتِصادِيَّة، والأَوْبِئَةَ والجَوائِح، والكَوارِثَ البيئِيَّةَ وَغَيْرَها.

نظريات المؤامرة لعبت دورًا محوريًا في تحويل المخاطر الغامضة إلى سرديات سهلة الفهم

هَذِهِ المَخاطِرُ المَجْهولَةُ وَغَيْرُ المُتَوَقَّعَة، تُوَلِّدُ شُعورًا دائِمًا بِالتَّهْديد، وَفِقْدانِ الثِّقَةِ في المُؤَسَّسات (سَواءٌ كانَتْ سِياسِيَّةً مِثْلَ الحُكومَةِ أَوْ مالِيَّةً مِثْلَ البُنوكِ المَرْكَزِيَّة)، مِمّا يَدْفَعُ النّاسَ إلى البَحْثِ عَنْ بَدائِلَ لِحِمايَةِ أَنْفُسِهِمْ وَتَفْسيرِ الأَحْداثِ المُعَقَّدَةِ مِنْ حَوْلِهِم. فَسِياسِيًّا مَثَلًا هَرَبَ النّاسُ إلى نَظَرِيّاتِ المُؤامَرَة، مِثْلَ "بيتْزاغيت" وَ"كْيو أَنون"، لِأَنَّها قَدَّمَتِ "الحَقيقَةَ" خارِجَ طُروحاتِ وَسائِلِ الإِعْلامِ التَّقْليدِيَّةِ والدَّوْلَةِ العَميقَة، وَعلى الرَّغْمِ مِنَ الجُذورِ الأَميرْكِيَّةِ لِلحَرَكَة، فَإِنَّ سَرْدِيَّتَها على الشَّبَكاتِ سَرْعانَ ما تَمَدَّدَتْ لِتَسْتَقْطِبَ أَتْباعًا كُثُرًا مِنْ مُخْتَلِفِ بِقاعِ العالَم. أَمّا مالِيًّا، وَعلى نَحْوٍ عالَمِيّ، فَقَدْ هَرَبَ المُسْتَثْمِرونَ وَكَذَلِكَ النّاسُ العادِيّونَ إلى الذَّهَبِ والعُمُلاتِ الرَّقْمِيَّة (بِيتْكويْن)، بِاعْتِبارِها أُصولًا خارِجَ نِطاقِ سَيْطَرَةِ الحُكوماتِ الهَشَّةِ أَصْلًا، والتي أَصْبَحَ يُنْظَرُ إِلَيْها اليَوْمَ كَجُزْءٍ مِنْ "مُجْتَمَعِ المَخاطِرِ العالَمِيّ".

في هَذا السِّياق، لَعِبَتْ نَظَرِيّاتُ المُؤامَرَةِ مِثْلَ "كْيو أَنونْ" (QAnon) التي انْتَشَرَتْ بِشَكْلٍ واسِعٍ عَبْرَ مَوْقِعٍ خاصٍّ بِها على الإِنْتِرْنِت، دَوْرًا مِحْوَرِيًّا في تَحْويلِ المَخاطِرِ الغامِضَةِ إلى سَرْدِيّاتٍ سَهْلَةِ الفَهْم، حَيْثُ قَدَّمَتْ تَفْسيرًا رَبَطَ الأَزْماتِ الاقْتِصادِيَّةَ والسِّياسِيَّةَ حَوْلَ العالَمِ بِوُجودِ نُخْبَةٍ سِرِّيَّةٍ فاسِدَةٍ تَتَحَكَّمُ في المُؤَسَّساتِ العالَمِيَّةِ وَتَسْتَغِلُّ الأَطْفال.

بَدَأَتِ الحَرَكَةُ بِنَظَرِيَّةِ مُؤامَرَةِ "بيتْزاغيت" سَنَةَ 2016، ثُمَّ تَوَسَّعَتْ عَبْرَ رَسائِلِ "Q" ابْتِداءً مِنْ سَنَةِ 2017، لِتَزْعُمَ وُجودَ شَبَكَةٍ عالَمِيَّةٍ مِنَ النُّخَبِ تُتاجِرُ بِالأَطْفالِ وَتُسَيْطِرُ على الحُكوماتِ والشَّرِكاتِ وَوَسائِلِ الإِعْلام، وَقَدِ ازْدادَتِ الحَرَكَةُ تَوَسُّعًا واكْتَسَبَتْ زَخْمًا كَبيرًا بَعْدَ مَلَفّاتِ جيفْري إِبْسْتين، الذي تَمَّ اعْتِقالُهُ سَنَةَ 2019 بِتُهَمِ الاتِّجارِ بِالجِنْسِ والاعْتِداءِ على الأَطْفالِ وَتُوُفِّيَ لاحِقًا في السِّجْنِ ضِمْنَ ظُروفٍ غامِضَة، مِمّا عَزَّزَ الاعْتِقادَ لَدى مُؤَيِّدي "الحَرَكَة" أَنَّ "الدَّوْلَةَ العالَمِيَّةَ العَميقَة" مَحْمِيَّةٌ وَمُرْتَكِزَةٌ بِقُوَّة.

الشعور بالمخاطر وفقدان الأمان يتغذى من الصدمات المتلاحقة التي تكشف العورات السياسية والهشاشة المؤسساتية

تَفاعَلَتْ هَذِهِ المَخاوِفُ مَعَ التَّوَتُّراتِ العَسْكَرِيَّةِ في أوروبا والشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَتَقَلُّباتِ الأَسْواقِ المالِيَّةِ والِاقْتِصاداتِ العالَمِيَّة، فَقَدْ أَدّى شُعورُ النَّاسِ بِهَذِهِ المَخاطِرِ إلى تَوَجُّهاتٍ مُتَزايِدَةٍ نَحْوَ المَلاذاتِ التَّقْليدِيَّةِ الآمِنَةِ مِثْلَ الذَّهَب، الذي شَهِدَ صُعودًا مَلْحوظًا في مُقابِلِ التَّذَبْذُبِ المُسْتَمِرِّ في أَسْعارِ العُمُلاتِ الوَرَقِيَّةِ والأَسْواقِ العالَمِيَّة. كَما اتَّجَهَ الكَثيرونَ إلى العُمُلاتِ الرَّقْمِيَّةِ/المُشَفَّرَة، لِما تُوَفِّرُهُ مِنْ بَدائِلَ مُسْتَقِلَّةٍ عَنِ البُنوكِ المَرْكَزِيَّة، وَهَذا التَّوَجُّهُ الاقْتِصادِيُّ نَحْوَ الذَّهَبِ والعُمُلاتِ الرَّقْمِيَّةِ لَيْسَ خِيارًا اسْتِثْمارِيًّا وَحَسْب، بَل هوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمَرُّدِ المَدَنيِّ لَدى عامَّةِ النّاسِ أَيْضًا، حَيْثُ يَظْهَرُ كَيْفَ أَمْكَنَ لِلقَلَقِ مِنْ مَخاطِرَ عالَمِيَّة، مُقْتَرِنًا بِسَرْدِيّاتِ المُؤامَرَة، أَنْ يُعيدَ تَشْكيلَ أَنْماطِ الاسْتِثْمارِ والسُّلوكِ الماليِّ لِلنّاسِ وَيُفْسِحَ المَجالَ لَهُمْ لِلتَّحَكُّمِ في مُسْتَقْبَلِهِمِ الماليِّ وَوُجودِهِمُ الاجْتِماعيِّ بَعيدًا عَنِ النُّخْبَة، وَيَمْنَحَهُمُ القُدْرَةَ على التَّكَيُّفِ مِنْ أَجْلِ البَقاءِ في عالَمٍ مُعَقَّدٍ وَغَيْرِ مُتَوَقَّع.

أَمّا بِالنِّسْبَةِ لِلعالَمِ العَرَبِيّ، فَالشُّعورُ بِالمَخاطِرِ المُحْدِقَةِ وَفِقْدانُ الأَمان، لا يَنْتَهي عِنْدَ سَرْدِيّاتٍ هُوِيّاتِيَّةٍ كَما هوَ الحالُ مَعَ "كْيو أَنونْ"، أَوْ خِياراتٍ اسْتْراتيجِيَّةٍ مالِيَّةٍ كَما هوَ الحالُ مَعَ الذَّهَبِ والبيتْكويْن، بَل يَتَغَذّى مِنَ الصَّدَماتِ المُتَلاحِقَةِ مِنْ قَبيلِ "الرَّبيعِ العَرَبيّ" والجائِحَةِ والحُروبِ الإِقْليمِيَّة، التي يَوْمًا بَعْدَ آخَرَ تَكْشِفُ العَوْراتِ السِّياسِيَّةَ والهَشاشَةَ المُؤَسَّساتِيَّة. وَفي ظِلِّ هَذا الوَضْعِ، لا يُعَبِّرُ المُواطِنُ العَرَبِيُّ في بَحْثِهِ عَنِ المَلاذِ الآمِنِ عَنْ تَمَرُّدٍ واعٍ على النِّظامِ العالَمِيّ، بَل عَنْ فَراغٍ مُؤَسَّساتِيٍّ عَميقٍ وَهَشٍّ، وَهُوَ ما يَجْعَلُ الحالَةَ العَرَبِيَّةَ مِثالًا مُكَثَّفًا لِمُجْتَمَعِ المَخاطِرِ حينَ يُدارُ بِالقُوَّةِ والتَّهْميشِ لا بِالحِمايَةِ والاحْتِواء.

هل نبقى متفرّجين أم نبحث لأنفسنا عن صحوة عربية؟

إِنَّ ما يَرْبِطُ "مَلَفّاتِ إِبْسْتين" بِتَقَلُّباتِ العُمُلاتِ الوَرَقِيَّةِ وَصُعودِ الذَّهَبِ والبيتْكويْنِ إلى أَسْعارٍ خَيالِيَّة، هُوَ خَيْطٌ رَفيعٌ مِنْ فِقْدانِ الشَّرْعِيَّةِ المُؤَسَّساتِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ وَفَعّالِيَّةِ النِّظامِ العالَميِّ التَّقْليدِيّ، وَكُلَّما شَعَرَ النّاسُ بِأَنَّ النِّظامَ (السِّياسِيَّ أَوِ المالِيَّ) "مُفَخَّخٌ وَمَخْفِيٌّ عَنْهُمْ"، زَادَتْ قيمَةُ الأُصولِ والنَّظَرِيّاتِ التي تَعِدُهُمْ بِالنَّجاةِ عَبْرَ "صَحْوَةٍ كُبْرى" وَ"نِظامٍ مالِيٍّ جَديد" حَيْثُ أَتْباعُ "كْيو أَنونْ" يَنْتَظِرونَ "الصَّحْوَةَ الكُبْرى" (نِهايَةَ سَيْطَرَةِ النُّخَب)، بَيْنَما يَنْتَظِرُ مُؤَيِّدو العُمُلاتِ الرَّقْمِيَّة "النِّظامَ المالِيَّ الجَديدَ" (نِهايَةَ سَيْطَرَةِ البُنوكِ المَرْكَزِيَّة).

وَفي كُلِّ ذَلِك، هَل عَلَيْنَا كَعَرَبٍ أَنْ نَبْقَى مُتَفَرِّجينَ أَمْ أَنْ نَبْحَثَ لِأَنْفُسِنا عَنْ صَحْوَةٍ عَرَبِيَّةٍ تُلائِمُ واقِعَنا، وَنِظامٍ اقْتِصادِيٍّ عَرَبِيٍّ جَديدٍ يُعيدُ التَّوازُنَ إِلَيْنا وَيَلْحَمُ ما يُفَرِّقُنا؟.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن