تقدير موقف

مُؤشِّراتُ وَاتِّجاهاتُ العامِ 2026!

إِنَّهُ عالَمُ دونالد ترامْب. يَتَكَيَّفُ العامُ الجَديدُ مَعَهُ وَمَعَ قُوَّةِ أَميرْكا، مُقَيَّدًا بِمَزاجِ رَئيسٍ أَميرْكِيٍّ وَتَأثيرِهِ الذي يُديرُ فيهِ الشُّؤونَ العالَمِيَّة، فِي الاتِّحادِ الأوروبّيِّ وَأوكرَانْيا وَآسْيا وَالشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَفِنِزْويلا...

مُؤشِّراتُ وَاتِّجاهاتُ العامِ 2026!

أَظْهَرَ العامُ 2025 نَهْجًا لِرَئيسٍ شَعْبَوِيٍّ يَتَجاوَزُ المَعاييرَ المُتَعارَفَ عَلَيْهَا فِي العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، وَيُؤَدّي حَراكُهُ في البَيْتِ الأَبْيَضِ إِلى حُدوثِ اضْطِراباتٍ فِي التِّجارَةِ العالَمِيَّةِ مِن خِلالِ فَرْضِهِ الضَّرائِبَ وَالرُّسوم، وَمِن خِلالِ الإِجراءاتِ وَالقَواعِد، الَّتي تُمَثِّلُ مَفْهومًا مُشَوَّهًا لِدَوْلَةِ القانون. وَلَكِنَّهُ حَقَّقَ أَيْضًا نَتائِجَ ديبلوماسِيَّةً تَدَّعي أَنَّها "قُوَّةُ تَوازُن"، وَكرّس عَصْرًا تُهَيْمِنُ فيهِ القُوَّةُ على القانون.

مَزاجٌ سِياسِيٌّ يُعْلِنُ اتِّفاقِيَّةَ غَزَّةَ لِوَقْفِ الحَرْب، مَعَ أَنَّ نِصْفَها لا يَزالُ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ وَالإِبادَةِ الجَماعِيَّة، وَإِجْبارُ أوروبا عَلَى تَغْييراتٍ ضَرورِيَّةٍ فِي زِيادَةِ إِنفاقِ الدِّفاعِ الأوروبّيِّ العَسْكَريِّ إِلى نَحْوِ 5% مِنَ النّاتِجِ المَحَلّيِّ الإِجْماليِّ فِي إِطارِ نَقْدِهِ لِفَعّالِيَّةِ الحِلْفِ الأَطْلَسِيّ، وَتَحَوُّلُ واشِنْطُنْ إِلى "مُنَظِّمٍ عالَمِيّ"، كَما هِيَ الحالُ فِي اِسْتْراتيجِيَّةِ الأَمْنِ القَوْمِيّ، الَّتِي نُشِرَتْ فِي 5 دِيسَمْبِر/كانونَ الأَوَّل، فِي أَن تَكونَ أوروبا فِي وَضْعٍ هَامِشِيّ.

ستستمر القواعد العالمية القديمة في الانجراف والتدهور

مِنَ المُتَوَقَّعِ أَن تَسْتَمِرَّ "عاصِفَةُ ترامْب" فِي اِتِّجاهاتٍ وَمَواضيعَ يَجِبُ مُراقَبَتُها جَيِّدًا فِي الذِّكْرى الـ250 لِأَميرْكا، مِن حَيْثُ تَوَقُّعُ سَماعِ رِواياتٍ مُتَبايِنَةٍ بِشِدَّةٍ عَن ماضي أَميرْكا وَحاضِرِها وَمُسْتَقبَلِها، حَيْثُ سَيَصِفُ الجُمْهورِيّونَ وَالدّيموقْراطِيّونَ البَلَدَ نَفْسَهُ بِمُصْطَلَحاتٍ لا يُمْكِنُ التَّوْفيقُ بَينَها لِلاحْتِفالِ بِالذِّكْرى، وَسَطَ انْقِساماتٍ داخِلِيَّةٍ كَبيرَة، وَعَدَمِ قُدْرَةِ الأَميرْكِيّينَ عَلى تَحَمُّلِ التَّكَاليفِ وَتَزايُدِ الضُّغوطِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّة. ثُمَّ سَيُعطي النّاخِبونَ حُكْمَهُم عَلى مُسْتَقبَلِ أَميرْكا فِي انْتِخاباتِ مُنْتَصَفِ المُدَّةِ فِي نُوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني. وَلَكِنْ حَتّى إِذا حَصَلَ الدّيموقْراطِيّونَ عَلَى الكونْغْرِس، سَتَسْتَمِرُّ سَيْطَرَةُ تْرامْب مِن خِلالِ التَّرْهِيبِ وَالأَوامِرِ التَّنْفيذِيَّة، وَمِن خِلالِ تَأْثيرِهِ السِّياسِيِّ فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ في تَعْزيزِ العَلاقاتِ مَعَ بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَإِعطاءِ إِسْرائيلَ كُلَّ ما تُريدُه، وَالتَّأْثيرِ في الدّينامِيّاتِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ في آن.

فِي عامِ الانْجِرافِ الجِيوسِياسِيّ، سَيَنْقَسِمُ مُحَلِّلو السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ بين حصولِ حَرْبٍ بارِدَةٍ جَديدَة بَيْنَ كُتَلٍ تَقودُها كل من أَميرْكا وَالصّين، أو إبرامِ صَفْقَةً سَتَقودُ العالَمَ إِلى مَجالاتِ نُفوذٍ أَميرْكِيَّةٍ وَروسِيَّةٍ وَصينِيَّة، حَيْثُ يُمْكِنُ لِكُلٍّ مِنْها أَن تَفْعَلَ ما تَشاء، فيما يُضَمُّ العالَمُ الباقي بِدينامِيّاتٍ مُتَناقِضَة.

لا معرفة لمصير السلام في الشرق الأوسط وستختبر روسيا والصين التزام أميركا تجاه حلفائها في "المنطقة الرمادية"

خارِجَ الخِيارَيْن، سَيُدارُ العالَمُ تَحْتَ تَأْثيرِ نَهْجِ تْرامْب التَّعاقُديِّ وَلَيْسَ عَلَى نَماذِجِ جِيوسِياسِيَّةٍ كُبْرى. سَتَستَمِرُّ القَواعِدُ العالَمِيَّةُ القَديمَةُ فِي الانْجِرافِ وَالتَّدَهُوْر. فيما يُواجِهُ العالَمُ حالَةَ طَوارِئَ جراء عَدَمِ المُساواةِ فِي المُجْتَمَعاتِ الَّتي تُواجِهُ الفَجَواتِ المُتَزايِدَةَ بَيْنَ الأَغْنِياءِ وَالفُقَراء. كنَموذَجُ أَفْريقْيا الَّتي تَعيشُ فِي أَزْمَةٍ صامِتَةٍ مَعَ التَّفْكيكِ المُفاجِئِ لِوَكالاتِ التَّنْمِيَةِ الأَميرْكِيَّةِ فِي أَعْلى مُسْتَوَياتِهَا السَّلْبِيَّة، وَمَعَ وَقْفِ المُساعَداتِ الأوروبِّيَّةِ وَتَوجيهِها لِدَعْمِ دِفاعاتِ أوكْرانْيا وَمَوْقِعِها في مُحادَثاتِ السَّلام، الَّتي تَتَوَسَّطُ فيها الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ مَعَ موسْكو، وَإِظهارِ الاتِّحادِ الأوروبّيِّ كَأَنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ على حِمايَةِ أَمْنِه. إِنَّ تَجاهُلَ أَزَماتِ أَفْريقْيا يُمْكِنُ أَن يُؤَدِّيَ إِلى عَواقِبَ وَخيمَةٍ عَلى الاِسْتِقرارِ الاِجْتِماعيِّ وَالاقْتِصادِيّ.

إِذًا، سَتَسْتَمِرُّ ثُنائِيَّةُ الحَرْبِ وَالسِّلْم، وَمَعَ الحَظِّ قَد يَسْتَمِرُّ السَّلامُ الهَشُّ فِي غَزَّة، بِانْتِظارِ جُهودِ إِعادَةِ البِناء، أَم أَنَّها سَتَكونُ خِدْعَةً أَميرْكِيَّةً فِي واقِعِ الاحْتِلالِ الإِسْرائيليِّ الَّذي لَنْ يَتَغَيَّر، وَلا مَعْرِفَةَ لِمَصيرِ السَّلامِ فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ، بِانْتِظارِ الإِشارَةِ فِي إِعلانِ "مَجْلِسِ السَّلامِ" الَّذي سَيُشْرِفُ عَلَى غَزَّةَ بَعدَ الحَرْب، في وَقْتٍ تَسْتَمِرُّ النِّزاعاتُ فِي أوكْرانْيا وَالسّودانِ وَمِيانمار. وَسَتَخْتَبِرُ روسْيا وَالصّينُ الْتِزامَ أَميرْكا تُجاهَ حُلَفائِها مِن خِلالِ اسْتِفزازاتٍ في "المِنْطَقَةِ الرَّمادِيَّة" فِي شِمالِ أوروبّا وَبَحْرِ الصّينِ الجَنوبيِّ مَعَ تَزايُدِ الغُموضِ بَيْنَ الحَرْبِ وَالسِّلْم، حَيْثُ سَتَتَصاعَدُ التَّوَتُّراتُ في القُطْبِ الشَّمالِيّ، وَفي الفَضاء، وَفِي قاعِ البَحْر، وَفي الفَضاءِ السّيبْرانِيّ، وَالسِّلاحِ النَّوَوِيّ!.

كُلُّ هَذا يُمَثِّلُ اخْتِبارًا خاصًّا فِي زِيادَةِ إِنفاقِ الدِّفاع، وَالتَّعامُلِ مَعَ العَجْزِ الضَّخْمِ وَالدَّيْنِ العَامّ، وَالتَّعامُلِ مَعَ الاسْتِثْنائِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ الَّتي تَتَقَدَّمُ فِي ظُلْمَةِ الأَسْواقِ المالِيَّةِ وَتَراكُمِ الدُّيونِ بِلا حُدود، وَإِداراتٍ مُتَعَجْرِفَةٍ تَدَّعي أَنَّها قادِرَةٌ عَلى تَوجيهِ الاقْتِصادِ وَالاجْتِماع.

تزداد مخاطر حدوث أزمة مالية عالمية في سوق السندات والأسهم وقد يكون للانهيار التكنولوجي تأثير اقتصادي واسع

سَيَكونُ العالَمُ فِي مُواجَهَةِ الاحْتِيالاتِ وَالخِدَعِ بِشَكْلٍ عُدْوانِيّ، وَالتَّقَشُّفِ الَّذي يَزيدُ مِن دَعْمِ الأَحْزَابِ اليَمينِيَّةِ المُتَطَرِّفَةِ فِي دِفاعِها عَنِ التِّجارَةِ الحُرَّة.

وَمَعَ عَيْشِ الدُّوَلِ الغَنِيَّةِ فَوْقَ إِمكاناتِها، تَزْدادُ مَخاطِرُ حُدوثِ أَزْمَةٍ مالِيَّةٍ عالَمِيَّةٍ في سوقِ السَّنَداتِ وَالأَسْهُمِ جَرّاءَ الانْكِماشِ وَتَباطُؤِ النُّمُوِّ وَالفائِضِ الصّناعِيّ. مَعَ ذَلِكَ، تَفْتَحُ سِياسَةُ "أَميرْكا أَوَّلًا" لِتْرامْب فُرَصًا جَديدَةً لِلصّينِ لِتَعْزيزِ نُفوذِهَا العالَمِيّ. سَتُقَدِّمُ نَفسَها كَشَريكٍ أَكثَرَ مَوْثوقِيَّة، لا سِيَّما فِي الجَنوبِ العالَمِيّ. التَّحَدِّي سَيَكونُ فِي الحِفاظِ عَلى عَلاقاتٍ مَعَ أَميرْكا غَيْرِ تَصادُمِيَّة. سَيَعْتَمِدُ الكَثيرُ عَلى مَن سَيَحُلُّ مَحَلَّ جيروم بَاوِل كَرَئيسٍ لِلاحْتِياطيِّ الفيدِْراليِّ فِي مايو/أَيّارَ المُقْبِل.

أَمّا المَخاوِفُ بِشَأْنِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، فَقَدْ يُؤدّي الإِنفاقُ المُفْرِطُ عَلَى البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ لِلذَّكاءِ الاِصْطِناعيِّ أَيْضًا إِلى إِخفاءِ الضَّعْفِ الاقْتِصاديِّ في أَميرْكا. هَلْ سَتَنْفَجِرُ الفُقاعَة؟ هي سيحصل الانْهِيار؟ أَمِ الازْدِهار؟.. الانْهِيارُ لَنْ يَعْنِيَ أَنَّ التِّكنولوجِيا لا تَمْلِكُ قيمَةً حَقيقِيَّة، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَن يَكونَ لَهُ تَأثيرٌ اقْتِصادِيٌّ واسِع، حَيْثُ سَتَتَعَمَّقُ المَخاوِفُ بِشَكْلٍ كَبير.

ربما سيشهد 2026 الولادة الفوضوية لعالم توحُّشي جديد

الصّورَةُ المُناخِيَّةُ هِيَ الأَكْثَرُ تَضَرُّرًا، وَعَلى اليَسارِ العالَميِّ أَن يَتَخَلَّى عَن طُموحاتِهِ البيئِيَّة، إِذ أَصْبَحَ مِن غَيْرِ المُمْكِنِ الحَدُّ مِنِ ارْتِفَاعِ دَرَجَةِ الحَرارَةِ بِنِسبَةِ 1.5 دَرَجَةٍ مِئَوِيَّة، وَترامْب لا يَعْتَرِفُ بِمَصادِرِ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَة. وَلَكِنْ مِنَ المُحْتَمَلِ أَن تَكونَ الانْبِعاثاتُ العالَمِيَّةُ قَدْ بَلَغَت ذُرْوَتَها، وَتَزْدَهِرُ التِّكنولوجْيا النَّظيفَةُ في الجَنوبِ العالَمِيّ، وَسَتَلْتَزِمُ الشَّرِكاتُ بِتَحقيقِ أَو تَجاوُزِ أَهدافِها المُناخِيَّةِ - لَكِنَّها سَتُبْقي ذَلِكَ سِرًّا لِتَجَنُّبِ غَضَبِ تْرامْب - كَدَليلٍ عَلَى ضَعْفِ المُؤتَمَراتِ المُناخِيَّة، بِحَيْثُ يُصْبِحُ النِّقاشُ السِّياسِيُّ شَعْبَوِيًّا كَما فِي مَسائِلِ الهِجْرَةِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّة. ثُمَّ يَجِبُ مُراقَبَةُ الطّاقَةِ النَّوَوِيَّةِ المُتَجَدِّدَة، وَالتَّعافِي العَسْكَريِّ في أَلمانْيا وَاليابان وَكورِيا الجَنوبِيَّة وَإِيران وَفِي مَناطِقَ مِفْصَلِيَّةٍ بِشَكْلٍ جَيِّد.

يَبْقى الاعْتِمادُ عَلى الرِّياضَةِ لِتَوْفيرِ اسْتِراحَةٍ مِنَ السِّياسَةِ، فَفي عامِ 2026 سَتَستَضيفُ أَميرْكا كَأْسَ العالَمِ لِكُرَةِ القَدَمِ بِشَكْلٍ مُشتَرَكٍ مَعَ كَنَدا وَالمَكْسيك، التي تُعانِي عَلاقاتُها مَعَهُما مِنَ التَّوَتُّر. قَد يَتَجَنَّبُ مُشَجِّعونَ الحُضور، وَلَكِنَّ الأَلْعابَ المُعَزَّزَةَ فِي لاس فيغاس، قَد تَكونُ الأَكْثَرَ إِثارَةً لِلجَدَل، فَهَلْ يُمْكِنُ لِلرِّياضِيّينَ اسْتِخدامُ المُنشِّطات؟ رُبَّما سَتَظْهَرُ أَدْوِيَةُ فُقدانِ الوَزْنِ "GLP-1" أَفْضَلَ وَأَرْخَص. عَلى أَمَلٍ أَن يَكونَ العالَمُ فِي 2026 مُكَمِّلًا قِيَمًا وَأَخْلاقِيًّا لِنِظَامٍ إِعْلامِيٍّ يُعَزِّزُ الوُضوحَ وَالبَصيرَة.. أَم أنه ربما سيشهدُ الوِلادَةَ الفَوْضَوِيَّةَ لِعالَمٍ تَوَحُّشِيٍّ جَديد!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن