لعقود طويلة، مارس نظام الأسدين المخلوع سياسة الإنكار والاضطهاد بحق المكون الكردي في سوريا. ولم تكن هذه السياسة في الواقع مُصممة ضد الكرد السوريين وحدهم. فلا يوجد مكوّن سوري لم يتعرض للاضطهاد خلال الحقبة السابقة بما في ذلك المكون العلوي الذي عامله النظام المخلوع باحتكار، ولم يكن يرى فيه سوى وقوداً لجمهورية القمع والاضطهاد بحق الشعب السوري.
ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى المرسوم التاريخي الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بخصوص حقوق المكون الكردي وتأكيد الاعتراف به كجزء أصيل في سوريا له ما له من حقوق وعليه ما عليه من واجبات المواطنة، على غرار باقي أطياف الشعب السوري. فسوريا الجديدة لا يُمكن أن تعبر ضفّة النهر بدون التخلي عن الحقبة المُظلمة وسياسة الإنكار والاضطهاد التي انتهجها الأسدان بحق مكوّناتها.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا يُمكن الجزم بما إذا كان هذا المرسوم الثوري سيطوي صفحة الصراع بين الدولة السورية وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد). ولذلك أسباب كثيرة؛ فقسد لطالما تغطّت بحقوق المكون الكردي كواجهة لمشروعها الساعي إلى فرض حالتها السياسية والمُسلحة كأمر واقع على السوريين. وقد اختارت أن تكون رأس حربة في مشروع داخلي مُتعدد الأطراف لتفتيت النسيج الوطني السوري وتطييف المُجتمع وتُغذيه التدخّلات الإسرائيلية العدوانية.
وحتى في الوقت الذي قررت فيه قسد الانسحاب من منطقة دير حافر لتجنب مواجهة عسكرية مع الدولة، فإن الشكوك في نواياها لا تزال قائمة بالفعل لتلك الأسباب المذكورة. والاعتقاد السائد والأقرب إلى الواقعية الآن، أن قرار قسد بالانسحاب من دير حافر لم تفرضه رغبتها في التسوية وتنفيذ اتفاقية الاندماج المُبرمة مع الرئيس الشرع في العاشر من آذار مارس الماضي، بل حقيقة أنها ستخوض مواجهة عسكرية خاسرة، وهي تعتقد أن الانسحاب أقل ضرراً عليها من الهزيمة في دير حافر.
وفي ضوء ذلك، يَظهر بُعد آخر هام للمرسوم الذي أصدره الشرع وتوقيته. فهو أفضل وأقصى ما يمكن أن تقدمه سوريا لمواطنيها الكرد، ومُصمَّم في هذا التوقيت لخدمة سوريا ومشروع وحدتها أولاً، ولتعرية قسد أمام الكرد والعالم ثانياً، ولحرمانها من استثمار خطاب حقوق الكرد في مشروعها التقسيمي. وهو خطوة كبيرة لا تقل أهمية في توقيتها عن الزحف العسكري لاستعادة الأرض، ولتصويب لحظة انحراف في تاريخ سوريا.
لم يعد أمام قسد اليوم من رواية لحشد الكرد خلفها ولاستعطاف العالم، وقتالها -بعد هذا المرسوم- أصبح انتحارياً بكل المقاييس وعبثاً لن تجني منه سوريا سوى مزيداً من الدماء والعنف. لقد اعتقدت قسد أنها تُخادع الشرع بخداعها كل هذه الفترة، لكنّ صبره وحنكته في التعامل مع خداعها، وفي توقيت الضرب تحت الحزام ومزامنته في هذه الخطوة السياسية التاريخية، بمثابة الضربة الفتاكة.
في صراع بين السوريين، لا خاسر ولا رابح. فسوريا وحدها من تخسر في وقت تحتاج فيه إلى تركيز طاقتها والإضافات المُميزة لكل مكوناتها في سبيل العبور نحو الدولة الجديدة وتجاوز مخاطر ما بعد التحرر من حقبة الأسدين. والمبادرات السياسية العديدة التي أقدم عليها الشرع منذ توليه مقاليد السلطة بدءاً من دعوة السوريين إلى الانخراط في بناء الدولة وتجاوز حقبة الماضي، ومروراً بالخطاب التصالحي مع المكون العلوي في الساحل، والتفاهمات العديدة التي أبرمها مع المكون الدرزي بما في ذلك خارطة الطريق لحل أزمة السويداء، وصولاً إلى مرسوم المكون الكردي، كلّها مُصممة في الحقيقة إلى تجاوز حقبة الإنكار والاضطهاد السابقة بحق الشعب السوري.
قد تعتقد قسد أنها في مأزق كبير بعد التطورات الأخيرة التي طرأت على ملفها منذ بداية العام الجديد، لكنّها في الواقع ليست في مأزق إذا قررت التخلي عن رهاناتها الخاسرة والعودة إلى سوريتها والتقاط هذه الفرصة التاريخية لأجل الكرد قبل سوريا. إذا لم تتلقف قسد هذه الفرصة، فإنها ستكون مُصممة على صُنع مأزقها بنفسها وتعميقه بشكل أكبر. وتُعزز الانتكاسات الأخيرة التي مُنيت بها في مدينة حلب ودير حافر مؤخراً أن قسد لن ترضخ سوى تحت الضغط العسكري، وعندما تعرف أن هذا الضغط لا حدود له. والتجربة معها تُثبت أن المفاوضات بدون هذا الضغط لا قيمة لها ولن تُنتج تسوية.
فهي تستخدم المسار التفاوضي للخداع ولتفريغ اتفاقية 10 آذار من مضمونها، وهذا واضح ولا يحتاج إلى دلائل، وقد تستثمر هذه الفرصة من أجل استيعاب خسائرها وللتخلص من هذا الضغط العسكري فقط. الشرع يبحث عن تسوية لا حرب، لكنّ التسوية مع قسد لا يُمكن أن تتحقق إلا إذا وُضعت قسد تحت الضغط. ويُمكن أن تتحقق بدون الحاجة إلى مثل هذا الضغط إذا ما تحلّت قسد بالواقعية. لقد رمى الشرع الكرة في ملعبها الآن، وسيتعين عليها أن تختار الهدف الذي تُريده.
(الثورة السورية)

