ثَمَّةَ إِدْراكٌ عامٌّ في المِنْطَقَةِ كُلِّها أَنَّ أَيَّ تَفَكُّكٍ لِلدَّوْلَةِ الإيرانِيَّةِ يُفْضي مُباشَرَةً إلى فَوْضى ضارِبَةٍ وَحُروبٍ مَذْهَبِيَّةٍ وَطائِفيةٍ وَعِرْقِيَّةٍ مُدَمِّرَة. إِنَّها الحَقْبَةُ الإِسْرائيلِيَّة، أَوِ الشَّرْقُ الأَوْسَطُ الجَديد.
لَمْ يُخْفِ الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ دونالد ترامب، بِتَحْريضٍ إِسْرائيلِيٍّ مُباشِر، اسْتْراتيجِيَّتَهُ السِّياسِيَّةَ والعَسْكَرِيَّةَ لِاسْتِهْدافِ النِّظامِ كُلِّه، والمُرْشِدِ خُصوصًا بِاعْتِبارِهِ الشَّخْصِيَّةَ الأكْثَرَ مَرْكَزِيَّة، إِذا ما وَصَلوا إِلَيْهِ بِالِاغْتِيالِ يَتَصَدَّعُ البُنْيانُ كُلُّه.
كانَتْ تِلْكَ فَرَضِيَّةً أَميرْكِيَّةً وَإِسْرائيلِيَّةً يَصْعُبُ التَّسْليمُ بِها. المُفارَقَةُ الكُبْرى أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُناكَ إِجْراءاتٌ أَمْنِيَّةٌ تَحْفَظُ حَياةَ "الرَّجُلِ الأَوَّل" أَثْناءَ حَرْبٍ مُتَوَقَّعَةٍ في أَيِّ لَحْظَة.
في السّاعاتِ الأولى لِلحَرْبِ، أَعْلَنَتِ السُّلُطاتُ الإيرانِيَّةُ أَنَّهُ قَدْ تَمَّ نَقْلُ المُرْشِدِ إلى مَوْقِعٍ آمِنٍ خارِجَ طَهْران، قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ صَحيحًا. كانَ ذَلِكَ إِهْمالًا جَسيمًا في حِفْظِ حَياتِهِ واخْتِراقًا أَمْنِيًّا لا يَصِحُّ إِنْكارُه.
الخطوة التالية هي التحريض على الفوضى في الشارع الإيراني
كانَ مُسْتَلفِتًا أَنَّ ترامب هُوَ الذي أَعْلَنَ مَقْتَلَ خامِنَئي، لا رَئيسَ الوُزَراءِ الإِسْرائيلِيَّ بِنْيامِين نِتِنْياهو، حَتّى يُمْكِنَ تَسْويغُ انْخِراطِ بِلادِهِ في حَرْبٍ جَديدَةٍ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ تُناهِضُها أَغْلَبِيَّةٌ واضِحَةٌ في الرَّأْيِ العامِّ الأَميرْكِيِّ وَمِنْ داخِلِ حَرَكَةِ "ماغا" (MAGA)، التي تُناصِرُه.
وِفْقَ الاسْتْراتيجِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ الإِسْرائيلِيَّةِ المُشْتَرَكَة، فَإِنَّ الخُطْوَةَ التّالِيَةَ المُفْتَرَضَةَ هِيَ التَّحْريضُ على الفَوْضى في الشّارِعِ الإيرانِيِّ مُجَدَّدًا حَتّى يَكونَ مُمْكِنًا إِطاحَةُ النِّظامِ في ظِلِّ أَيِّ تَرَنُّحٍ مُحْتَمَل.
بِتَعْبيرِ ترامب، هُناكَ فُرْصَةٌ سانِحَةٌ أَمامَ مَنْ أَسْماهُمْ بِـ"الوَطَنِيّينَ المُخْلِصينَ" لاسْتِعادَةِ "وَطَنِهِم العَظيم"، داعِيًا القُوّاتِ الأَمْنِيَّةَ لِلتَّمَرُّدِ حِفاظًا على حَياتِهِم، وَإِلّا فَإِنَّ العَواقِبَ سَوْفَ تَكونُ وَخيمَةً عَلَيْهِم!.
هَذا السّینارْيو يَكادُ أَنْ يَكونَ وَهْمًا مُحَلِّقًا، فَإيرانُ دَوْلَةٌ عَريقَةٌ وَلَيْسَتْ جُمْلَةً عابِرَةً في التّارِيخِ حَتّى تُبايِعَ الغَزْو، أَوْ أَنْ تَحْتَذِيَ السّینارْيو الفِنِزْويلِيَّ مِنْ دونِ مُقاوَمَةٍ مُسْتَحَقَّة.
هَذا السّینارْيو تَبَدَّدَ تَمامًا في لَحْظَةِ إِعْلانِ مَقْتَلِ المُرْشِد. عَبَّرَتْ تَظاهُراتٌ في الشَّوارِعِ عَنْ غَضَبِها وَحُزْنِها. وَجَرَتِ احْتِجاجاتٌ مُماثِلَةٌ في أَرْجاءِ العالَمِ الإِسْلامِيّ، الشّيعِيِّ بِالذّات.
بِثِقْلِهِ الدّينِيِّ والسِّياسِيّ، فَإِنَّ العَواقِبَ على المَصالِحِ الأَميرْكِيَّةِ سَوْفَ تَكونُ وَخيمَة. لا يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ اغْتِيالُهُ بِلا انْتِقامٍ مُدَوٍّ.
الرِّهانُ الأَميرْكِيُّ على التَّصَدُّعِ والانْهِيارِ مِنَ الدّاخِلِ فاشِلٌ مُسْبَقًا بِالنَّظَرِ إلى طَبيعَةِ النِّظامِ وَتَمَرْكُزِهِ في الحَياةِ السِّياسِيَّةِ والدّينِيَّةِ لِما يُقارِبُ نِصْفَ القَرْن.
تَأَخَّرَ إِعْلانُ اغْتِيالِهِ لِوَقْتٍ طَويلٍ نِسْبِيًّا، رَيْثَما تُرَتَّبُ الأُمورُ في بَلَدٍ يَخوضُ حَرْبًا ضارِيَة.
كانَ مَلْءُ الفَراغِ في أَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ وِفْقَ الإِجْراءاتِ الدُّسْتورِيَّة، المُهِمَّةَ الأولى لِلقِياداتِ الإيرانِيَّة، حَتّى لا يَفْلِتَ الزِّمام.
التصعيد العسكري من الجانبين المتحاربين سوف يأخذ مداه
حَسَبَ التَّقْديراتِ والمُؤَشِّراتِ الأَوَّلِيَّةِ فَإِنَّ الاتِّجاهَ العامَّ هُوَ المَيْلُ إلى المَزيدِ مِنَ التَّشَدُّدِ لا إِبْداءَ المُرونَة.
لَمْ تُرْفَعْ رايَةٌ واحِدَةٌ بَيْضاء. الصِّراعُ ما زالُ في أَوَّلِه. إِنَّها حَرْبٌ بِلا خُطُوطٍ حَمْراء، أَوْ قَواعِدِ اشْتِباك، كُلُّ شَيْءٍ مُحْتَمَلٌ وَكُلُّ سینارْيو وارِدٌ بِاسْتِثْناءِ الانْهِيارِ مِنَ الدّاخِلِ والتَّسْليمِ مَجّانًا بِما تُريدُهُ إِسْرائيل.
التَّصْعيدُ العَسْكَرِيُّ مِنَ الجانِبَيْنِ المُتَحارِبَيْنِ سَوْفَ يَأْخُذُ مَداه، وَقَدْ يَسْتَخْدِمُ الإيرانِيّونَ صَواريخَ باليسْتِيَّةً أَكْثَرَ تَقَدُّمًا وَتَدْميرًا بِالْقِياسِ على الصَّواريخ التي اسْتُخْدِمَتْ حَتّى مَقْتَلِ خامِنَئي، وَوُصِفَتْ إيرانِيًّا بِأَنَّها "خُرْدَة".
إِذا صَحَّ ذَلِكَ التَّوْصيفُ فالمَعْنى أَنَّ حِدَّةَ المُواجَهاتِ سَوْفَ تَأْخُذُ مَداها.
الِاحْتِمالُ الأَرْجَحُ مَعَ التَّصْعيدِ المُنْتَظَر، إِعادَةُ تَصْويبِ الأَوْلَوِيّات.
حَسَبَ عَلي لاريجاني، الرَّجُلِ القَوِيِّ في لَحْظَةِ انْقِلابِ الحِساباتِ والمَوازين، فَإِنَّ المُواجَهَةَ سَوْفَ تَنْصَبُّ على إِسْرائيل، لا مَعَ أَميرْكا، وَهُوَ تَوَجُّهٌ يَعْني بِالضَّبْطِ وَقْفَ أَوْ شِبْهَ وَقْفِ أَيِّ اسْتِهْدافِ لِلقَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ وَمَنْعَ المَزيدِ مِنَ التَّدَهُّورِ في العَلاقاتِ مَعَ دُوَلِ الجِوار.
تَلْويحُ الإيرانِيّينَ بِالتَّصْعيدِ قابَلَهُ قَلَقٌ ظاهِرٌ في البَيْتِ الأَبْيَضِ مِنِ اسْتِخْدامِ أَسْلِحَةٍ أَكْثَرَ خُطورَةً في مُواجَهَةِ القُوّاتِ الأَميرْكِيَّة.
إِذا ما حَدَثَتْ أَضْرارٌ فادِحَةٌ في القُوّاتِ الأَميرْكِيَّة، وَهُوَ سینارْيو يَظَلُّ مُحْتَمَلًا، فَإِنَّ الحَرْبَ سَوْفَ تَتَحَوَّلُ إلى كابوسٍ على الرِّئاسَةِ الأَميرْكِيَّةِ تُهَدِّدُ بِخَسارَةِ الجُمْهورِيّيْنِ الانْتِخاباتِ النِّيابِيَّةِ النِّصْفيةَ الِوَشيكَةَ في نوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني المُقْبِل.
يَتَبَدّى – هُنا - السُّؤالُ الأكْثَرُ حَساسِيَّة: لِحِسابِ مَنْ حُشِدَتْ حَامِلاتُ الطّائِراتِ والبَوارِجُ الحَرْبِيَّة... وَجَرى خَوْضُ الحَرْبِ بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ أَميرْكِيَّة؟
يَسْتَدْعي السُّؤالُ وَضْعَ إِسْرائيلَ في قَفَصِ الاتِّهام.
إِذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَهْديدٌ مُباشِرٌ لِلمَصالِحِ الأَميرْكِيَّة، يَصْعُبُ تَسْويغُ الحَرْبِ أَمامَ الرَّأْيِ العامّ.
التَّظاهُرات، التي جَرَتْ في اليَوْمِ الأَوَّل، أَمامَ البَيْتِ الأَبْيَضِ احْتِجاجًا على حَرْبٍ تَخوضُها الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ بِالنِّيابَةِ عَنْ إِسْرائيلَ، إِشارَةٌ أولى.
والتَّحَرُّكاتُ داخِلَ الكونْغْرِسِ لاسْتِصْدارِ قَرارٍ يَمْنَعُ ترامب مِنْ دُخولِ أَيِّ مُغامَراتٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُماثِلَة، إِشارَةٌ ثانِيَة.
حرب وجودية مفتوحة على المصير في الإقليم كلّه
لَمْ تَكُنْ مُصَادَفَةً أَنْ تَسْتَبِقَ الحَرْبَ على إيران إِشارَتانِ خَطيرَتانِ لِما يَنْتَظِرُ الإِقْليمَ مِنْ أَخْطارٍ وَعَواقِبَ مُحْدِقَةٍ إِذا ما تَهَدَّدَتْ إيرانُ بِسينارْيُواتِ فَوْضى وَتَقْسيم.
أَوَّلُهُما، تَصْريحُ السَّفيرِ الأَميرْكِيِّ في إِسْرائيلَ مايْك هاكابي، عَنْ أَحَقِّيَّةِ الدَّوْلَةِ العِبْرِيَّةِ في التَّوَسُّعِ وَضَمِّ أَراضٍ واسِعَةٍ في المِنْطَقَةِ وِفْقَ وُعودِ التَّوْراة.
وَثانيهما، التَّوَجُّهُ الإِسْرائيلِيُّ حَسَبَ نِتِنْياهو لِإِنْشاءِ مِحْوَرٍ جَديدٍ يَتَّسِعُ لِدُوَلٍ عَرَبِيَّة، لَمْ يُسَمِّها، لَكِنَّهُ يُمْكِنُ بِبَساطَةٍ اسْتِنْتاجُها، كَما دُوَلٍ أَفْريقِيَّةٍ وَآسْيَوِيَّة، أَهَمُّها وَأَخْطَرُها الهِنْد، بِالإِضافَةِ إلى دَوْلَتَيْنِ في البَحْرِ المُتَوَسِّط، هُما اليُونانُ وَقُبْرُص.
المِحْوَرُ الإِسْرائيلِيُّ المُزْمَعُ ضِدَّ مَنْ بِالضَّبْط؟. بِوُضوحٍ كامِلٍ يَقولُ نِتِنْياهو: إِنَّهُ ضِدَّ المِحْوَرِ "الشّيعِيِّ الإيرانِيّ"، كَما المِحْوَرِ "السُّنِّيِّ قَيْدَ التَّشَكُّل"، الذي قَدْ يَضُمُّ مِصْرَ والسُّعودِيَّةَ وَتُرْكْيا.
إِنَّها حَرْبٌ وُجودِيَّةٌ مَفْتوحَةٌ على المَصيرِ في الإِقْليمِ كُلِّه، لا على إيرانَ وَحْدَها.
(خاص "عروبة 22")

