تقدير موقف

إيران في "قَلْبِ البُـرْكان"!1979: الثَّوْرَةُ التي ابْتَلَعَتِ الدَّوْلَة.. كَيْفَ وُلِدَ النِّظامُ الجَديد؟

شَكَّلَ عامُ 1979 نُقْطَةَ انْقِطاعٍ حادَّةً في التّاريخِ الإيرانِيّ؛ لَحْظَةً أُعيدَ فيها تَعْريفُ الدَّوْلَةِ مِنْ جُذورِها، وَأُعيدَ تَرْتيبُ العَلاقَةِ بَيْنَ السُّلْطَةِ والمُجْتَمَعِ وِفْقَ مَنْطِقٍ جَديدٍ لِلشَّرْعِيَّة. سَقَطَتِ المَلَكِيَّةُ البَهْلَوِيَّة، وَمَعَها تَهاوى نَموذَجُ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ التي اسْتَنَدَتْ إلى تَحْديثٍ قَسْرِيٍّ وَتَحالُفاتٍ خارِجِيَّةٍ صَلْبَة، لِتَصْعَدَ إلى الْواجِهَةِ قِيادَةٌ دينِيَّةٌ امْتَلَكَتْ قُدْرَةً اسْتِثْنائِيَّةً على تَعْبِئَةِ الشّارِعِ وَتَحْويلِ الِاحْتِجاجِ إلى مَشْروعِ حُكْم. انْتَقَلَ مَرْكَزُ القَرارِ مِنَ القَصْرِ إلى الحَوْزَة، وَتَقَدَّمَتِ العَقيدَةُ الثَّوْرِيَّةُ إلى صَدارَةِ المَجالِ العام، فَغَدَتِ السِّياسَةُ امْتِدادًا لِتَفْسيرٍ دينِيٍّ لِلسُّلْطَة، وَأَضْحى مَفْهومُ "وِلايَةِ الفَقيهِ" الإِطارَ النّاظِمَ لِبُنْيَةِ النِّظامِ الجَديد. في تِلْكَ اللَّحْظَة، وُلِدَتْ جُمْهورِيَّةٌ تَحْمِلُ في داخِلِها تَوَتُّرًا دائِمًا بَيْنَ الدَّوْلَةِ والعَقيدَة، بَيْنَ مُؤَسَّساتٍ حَديثَةٍ وَهَيْكَلٍ ثَوْرِيٍّ عابِرٍ لَها، تَوَتُّرًا ظَلَّ يَتَراكَمُ حَتّى أَوْصَلَ إيرانَ إلى حافَّةِ بُرْكانٍ مَفْتوحٍ على احْتِمالاتٍ مُتَعَدِّدَة.

إيران في

بَدا نِظامُ مُحَمَّد رِضا بَهْلَوي مُتَماسِكًا في مَظْهَرِهِ الخارِجِيّ؛ جَيْشٌ حَديث، جِهازٌ أَمْنِيٌّ واسِعُ النُّفوذ، اقْتِصادٌ مُتَنامٍ بِعَوائِدِ النَّفْط، وَتَحالُفٌ وَثيقٌ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ عَزَّزَ مَوْقِعَ طَهْرانَ في مُعادَلاتِ الحَرْبِ الْبارِدَة.

سَعى الشّاهُ إلى تَكْريسِ صورَةِ إيران كَقُوَّةٍ إِقْليمِيَّةٍ صاعِدَةٍ عَبْرَ مَشْروعِ "الثَّوْرَةِ البَيْضاء" بِما تَضَمَّنَهُ مِنْ إِصْلاحاتٍ زِراعِيَّةٍ وَتَعْليمِيَّةٍ وَصِناعِيَّةٍ لِتَسْريعِ التَّحَوُّلِ نَحْوَ دَوْلَةٍ عَصْرِيَّة. غَيْرَ أَنَّ هَذا المَسارَ جَرى في إِطارٍ سِياسِيٍّ مُغْلَقٍ احْتَكَرَتْ فيهِ السُّلْطَةُ القَرار، وَضُبِطَ المَجالُ العامُّ بِحَياةٍ حِزْبِيَّةٍ شَكْلِيَّةٍ وَرَقابَةٍ أَمْنِيَّةٍ كَثيفَة، بَيْنَما كانَ التَّحَضُّرُ والتَّعْليمُ يُفْرِزانِ جيلًا مُثَقَّفًا بِلا قَنَواتٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ لِلمُشارَكَة. ارْتَكَزَتْ صَلابَةُ النِّظامِ على شَخْصِ الشّاهِ أَكْثَرَ مِنِ ارْتِكازِها على عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ راسِخ، وَعِنْدَما تَصاعَدَتِ الاحْتِجاجاتُ عامَ 1978 افْتَقَدَتِ السُّلْطَةُ حُلَفاءَ يُدافِعونَ عَنْها، فَتَآكَلَتْ شَرْعِيَّتُها سَريعًا وَتَفَكَّكَتْ بُنْيَتُها، لِتَنْكَشِفَ هَشاشَةٌ عَميقَةٌ في العَلاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ وَتَسْقُطَ خِلالَ أَشْهُرٍ قَلِيلَة.

تَحالُفُ الضَّرورَة: رِجالُ الدّينِ والْيَسارُ والْقَوْمِيّون

انْطَلَقَتِ الثَّوْرَةُ الإيرانِيَّةُ مِنِ ائْتِلافٍ واسِعٍ جَمَعَ رِجالَ الدّينِ والْيَسارَ المارْكسِيَّ والقَوْمِيّينَ واللّيبيرالِيّين، على الرَّغْمِ مِنْ تَبايُنِ رُؤاهُم، تَحْتَ هَدَفٍ مُشْتَرَكٍ هو إِسْقاطُ نِظامِ الشّاه، فيما أُجِّلَ الحَسْمُ في شَكْلِ الدَّوْلَةِ المُقْبِلَة.

بعد عودة الخميني تحوّلت الثورة مُتعدّدة الأصوات إلى مشروع سياسي ذي مرجعية دينية

في هَذا السِّياقِ، بَرَزَ "آيَةُ اللهِ روحُ اللهِ الخُمَيْنِيّ" كَمَرْجِعِيَّةٍ جامِعَة، فَصاغَ مِنْ مَنْفاهُ خِطابًا يُرَكِّزُ على الاسْتِبْدادِ والكَرامَةِ والسِّيادَةِ بِلُغَةٍ تَسْتَوْعِبُها القاعِدَةُ الشَّعْبِيَّةُ وَتَحْتَمِلُ تَأْويلاتِ النُّخَب، مُتَجَنِّبًا تَحْديدَ مَلامِحِ النِّظامِ القادِم، ما أَتاحَ لِكُلِّ تَيّارٍ أَنْ يَرى في الثَّوْرَةِ انْعِكاسًا لِطُموحاتِه، وَمَنَحَ الحَرَكَةَ زَخْمًا تَعْبَوِيًّا واسِعًا. بَعْدَ عَوْدَتِهِ إلى طَهْرانَ في فِبْرايِر/شُباط 1979، مالَ ميزانُ القُوَّةِ لِمَصْلَحَةِ التَّنْظيمِ الدّينِيِّ الأَكْثَر تَماسُكًا وانْتِشارًا عَبْرَ شَبَكاتِ المَساجِدِ والحَوْزات، في حينِ عانَتِ القُوى الأُخْرى مِنْ ضَعْفٍ تَنْظيمِيٍّ وَتَبايُناتٍ داخِلِيَّة، فَبَدَأَ تَفَكُّكُ الائْتِلافِ سَريعًا، وَتَقَدَّمَتِ النُّخْبَةُ الدّينِيَّةُ لِمَلْءِ الفَراغ، لِتَتَحَوَّلَ الثَّوْرَةُ مُتَعَدِّدَةُ الأَصْواتِ إلى مَشْروعٍ سِياسِيٍّ ذي مَرْجِعِيَّةٍ دينِيَّةٍ واضِحَةٍ أَعادَ صِياغَةَ الدَّوْلَةِ وِفْقَ تَصَوُّرٍ عَقْدِيٍّ مُحَدَّد.

وِلايَةُ الفَقيه: مِنْ نَظَرِيَّةٍ فِقْهِيَّةٍ إلى عَمودٍ دُسْتورِي

تَمَثَّلَ المُنْعَطَفُ الأَعْمَقُ في الثَّوْرَةِ في إِدْخالِ نَظَرِيَّةِ "وِلايَةِ الفَقيهِ" إلى صُلْبِ البِناءِ السِّياسِيّ، حينَ قَدَّمَ الخُمَيْنِيُّ هَذا التَّصَوُّرَ بِوَصْفِهِ أَساسًا شَرْعِيًّا لِإِدارَةِ الدَّوْلَةِ في زَمَنِ "غِيابِ الإِمام"، بِحَيْثُ يَتَوَلّى "الفَقيهُ" قِيادَةَ الدَّوْلَةِ وَصِيانَةَ الشَّريعَةِ وَضَبْطَ مَسارِها العام، فَتَأَصَّلَتِ السُّلْطَةُ بِاعْتِبارِها امْتِدادًا لِتَكْليفٍ دينِيّ.

تحوّل الحرس الثوري إلى شبكة أمنية واستخبارية وذراع إقْليمية وتمدّد إلى قطاعات اقتصادية حيوية

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ النَّظَرِيَّةَ ظَلَّتْ قَبْلَ 1979 مَوْضِعَ نِقاشٍ داخِلَ الحَوْزاتِ وَلَمْ تَحْظَ بِإِجْماعٍ تَقْليدِيّ، فَإِنَّ التَّحَوُّلَ الثَّوْرِيَّ نَقَلَها مِنَ الجَدَلِ الفِقْهِيِّ إلى الإِلْزامِ الدُّسْتورِيّ، فَأُقِرَّ دُسْتورٌ مَنَحَ "المُرْشِدَ الأَعْلى" صَلاحِيّاتٍ واسِعَةً تَتَجاوَزُ السُّلُطاتِ التَّنْفيذِيَّةَ والتَّشْريعِيَّة، مِنْ قِيادَةِ القُوّاتِ المُسَلَّحَةِ إلى تَعْيينِ كِبارِ المَسْؤولينَ والإِشْرافِ على السِّياساتِ العامَّة. وَبِهَذا تَشَكَّلَتْ صيغَةٌ سِياسِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ مُؤَسَّساتٍ مُنْتَخَبَةٍ وَمَرْجِعِيَّةٍ دينِيَّةٍ عُلْيا تَمْلِكُ سُلْطَةَ التَّوْجيهِ والحَسْم، في تَوازُنٍ يُحافِظُ على حُضورِ الإِرادَةِ الشَّعْبِيَّةِ ضِمْنَ إِطارٍ إيدْيولوجِيٍّ ثابِتٍ فَوْقَ تَقَلُّباتِ السِّياسَةِ اليَوْمِيَّة.

"الحَرَسُ الثَّوْرِيّ": الذِّراعُ التي تَحْمي العَقيدَة

لَمْ يَقْتَصِرْ تَرْسيخُ النِّظامِ الجَديدِ على البِناءِ الدُّسْتورِيّ، إِذْ تَبَلْوَرَ مُبَكِّرًا وَعْيٌ بِضَرورَةِ وُجودِ قُوَّةٍ عَقائِدِيَّةٍ تَحْمي "الثَّوْرَةَ" وَتَمْنَعُ ارْتِدادَها، فَأُنْشِئَ "الحَرَسُ الثَّوْرِيُّ" الإيرانيُّ عامَ 1979 كَقُوَّةٍ مُوازِيَةٍ لِلجَيْشِ تَتَوَلّى صَوْنَ المَبادِئِ وَضَبْطَ المَجالِ الدّاخِلِيِّ في مَرْحَلَةٍ مُضْطَرِبَة.

تشكّلت إيران المعاصرة كنظام مركزي قوي قابل للاهتزاز تحت ضغط الداخل أو الخارج

وَمَعَ الوَقْتِ تَجاوَزَ دَوْرُهُ الإِطارَ العَسْكَرِيَّ لِيَتَحَوَّلَ إلى شَبَكَةٍ أَمْنِيَّةٍ واسْتِخْبارِيَّةٍ فاعِلَةٍ وَذِراعٍ إِقْليمِيَّةٍ مُؤَثِّرَة، كَما تَمَدَّدَ إلى قِطاعاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ حَيَوِيَّة، فيما عَزَّزَتِ الحَرْبُ مَعَ العِراقِ عامَ 1980 شَرْعِيَّتَهُ القِتالِيَّةَ وَرَصيدَهُ الرَّمْزِيّ.

تَدْريجِيًّا اسْتَقَرَّتْ مُعادَلَةُ حُكْمٍ قِوامُها مَرْجِعِيَّةٌ عُلْيا تُحَدِّدُ الاتِّجاه، وَقُوَّةٌ تَنْفيذِيَّةٌ تُمْسِكُ بِمَفاصِلِ الأَمْنِ والنُّفوذ، إلى جانِبِ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ الرَّسْمِيَّة، في تَوازُنٍ يَقومُ على تَداخُلِ العَقيدَةِ بِالقُوَّة، والشَّرْعِيَّةِ بِالنُّفوذِ المُؤَسَّسِيّ.

الثَّوْرَةُ التي أَعادَتْ تَعْريفَ الدَّوْلَة

دَشَّنَ عامُ 1979 في إيران نِظامًا أَعادَ تَعْريفَ الدَّوْلَةِ والشَّرْعِيَّة؛ سَقَطَ حُكْمُ الشّاهِ نَتيجَةَ تَحْديثٍ اقْتِصادِيٍّ سَريعٍ في ظِلِّ انْغِلاقٍ سِياسِيٍّ عَمَّقَ الفَجْوَةَ بَيْنَ مُجْتَمَعٍ مُتَحَوِّلٍ وَسُلْطَةٍ مُحْتَكِرَة، فيما قامَتِ "الجُمْهورِيَّةُ الإِسْلامِيَّة" على دَمْجِ الشَّرْعِيَّةِ الدّينِيَّةِ بِالتَّعْبِئَةِ والتَّنْظيم، فامْتَلَكَتْ قُدْرَةً على الصُّمود. غَيْرَ أَنَّ هَذا البِناءَ حَمَلَ تَوَتُّراتٍ كامِنَةً بَيْنَ انْتِخاباتٍ مُقَيَّدَةٍ بِسَقْفٍ إيدْيولوجِيّ، وَمُجْتَمَعٍ شابٍّ ضاغِط، وَبُنْيَةٍ عَقائِدِيَّةٍ ثابِتَة، مَعَ تَداخُلِ الدّينِيِّ بِالأَمْنِيِّ وَتَوَسُّعِ نُفوذِهِما الاقْتِصادِيّ. هَكَذا تَشَكَّلَتْ إيرانُ المُعاصِرَةُ كَنِظامٍ مَرْكَزِيٍّ قَوِيّ، قابِلٍ لِلِاهْتِزازِ تَحْتَ ضَغْطِ الدّاخِلِ أَوِ الخارِج، في تَوازُنٍ دائِمٍ بَيْنَ الثَّباتِ والتَّحَوُّل.

مِنْ هَذِهِ المُعادَلَةِ بَدَأَتْ قِصَّةُ إيران المُعاصِرَة: دَوْلَةٌ وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ "الثَّوْرَة" واسْتَمَدَّتْ شَرْعِيَّتَها مِنْ خِطابِها التَّأْسيسِيّ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلى نِظامٍ شَديدِ المَرْكَزِيَّةِ يَمْتَلِكُ أَدَواتٍ صَلْبَةً لِلصُّمود. قُدْرَةُ الاحْتِمالِ هَذِهِ تُرافِقُها قابِلِيَّةٌ لِلِاهْتِزازِ كُلَّما تَصاعَدَ الضَّغْطُ الدّاخِلِيُّ أَوِ اشْتَدَّتِ المُواجَهَةُ الخارِجِيَّة، لِتَبْقى إيران في قَلْبِ مُعادَلَةٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الثَّباتِ والتَّحَوُّل، بَيْنَ القُوَّةِ الكامِنَةِ والبُرْكانِ المُحْتَمَل!.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن