بصمات

الحَداثاتُ المُتَعَدِّدَة.. وَالبَديلُ الحَداثِـيُّ العَرَبـِيّ!شَرْعِيَّةُ التَّعَدُّدِ أَمامَ النَّمْذَجَةِ الحَداثِيَّةِ الغَرْبِيَّة

يَطْرَحُ الحَديثُ عَنْ "النَّمْذَجَةِ الحَداثِيَّةِ الغَرْبِيَّة" إِشْكالِيَّة، ما دامَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ بِضَرورَةِ وُجودِ نَموذَجٍ حَداثِيٍّ جاهِزٍ خارِجَ النَّموذَجِ الغَرْبِيِّ الذي اعْتَدْنا اتِّخاذَهُ نَموذَجَنا الإِرْشادِيّ؛ وَمِنْ هُنا الإِشْكالِيَّةُ التي تَرْتَبِطُ بِسِياقِنا العَرَبِيّ، إِذْ شَكَّلَ الغَرْبُ لِعُقودٍ عَديدَةٍ نَموذَجًا إِرْشادِيًّا لِإِحْداثِ نَهْضَةٍ عَرَبِيَّة، فَتَمَّ اسْتِلهامُ العَديدِ مِنَ المَفاهيمِ التي تُؤَطِّرُ الوَجْهَ العامَّ لِلحَداثَةِ الغَرْبِيَّة، وَمِنْها العَلْمانِيَّةُ وَالحَداثَةُ وَالدّيموقْراطِيَّة. غَيْرَ أَنَّ عَمَلِيَّةَ الاسْتِلهامِ نَفْسَها اصْطَدَمَتْ بِسِياقٍ وَوَضْعٍ مُخْتَلِفٍ لَمْ تُفْلِحْ مَعَهُما المُحاوَلاتُ في إِحْداثِ حَداثَةٍ عَرَبِيَّة. فَهَل يَصْعُبُ إلى هَذا الحَدِّ بِناءُ بَديلٍ حَداثِيٍّ عَرَبِيٍّ مِنْ داخِلٍ أَوْ مِنْ خارِجِ الحَداثَةِ الغَرْبِيَّة.. أَوْ هُما مَعًا؟.

الحَداثاتُ المُتَعَدِّدَة.. وَالبَديلُ الحَداثِـيُّ العَرَبـِيّ!
شَرْعِيَّةُ التَّعَدُّدِ أَمامَ النَّمْذَجَةِ الحَداثِيَّةِ الغَرْبِيَّة

يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ نِهايَةَ القَرْنِ العِشْرين، خُصوصًا خِلالَ العُقودِ الأَرْبَعَةِ الأَخيرَة، شَكَّلَتْ حِقْبَةً لِإِعادَةِ مُساءَلَةِ العُدَّةِ الحَداثِيَّةِ الغَرْبِيَّة، مُساءَلَةً حَوْلَ أَحَقِّيَّةِ نَمْذَجَتِها الكَوْنِيَّةِ وَصَلاحِيَّتِها الإِرْشادِيَّةِ لِباقي الثَّقافات. وَمَعْلومٌ في هَذا السِّياقِ أَنَّ ما بَعْدَ الحَداثَةِ أَزاحَ الآمالَ الخَيِّرَةَ لِلمَأْمولِ الحَداثِيِّ الذي تُوِّجَ بِأَزْماتٍ وَانْكِساراتٍ سِياسِيَّةٍ وَقِيَمِيَّةٍ وَبيئِيَّةٍ كَبيرَة، مِمّا عَمِلَ على خَلْقِ تَحَوُّلاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَثَقافيةٍ عِدَّةٍ في فَهْمِ الحَداثَةِ الغَرْبِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ التَّعاطي مَعَها.

يُمْكِنُ هُنا اعْتِمادُ التَّمْييزِ الذي قَدَّمَهُ تَشارْلز تَايْلور في الفَهْمِ الغَرْبِيِّ لِلحَداثَة، وَهُوَ التَّمْييزُ القائِمُ على نَظَرِيَّتَيْن: النَّظَرِيَّةُ الثَّقافِيَّةُ لِلحَداثَةِ بِماهِيَّةِ مُجْمَلِ التَّحَوُّلاتِ التي تُلَخِّصُ مَسارَ تَحَقُّقِ الحَداثَة، وَالنَّظَرِيَّةُ اللّاثَقافِيَّةُ التي تَرْفَعُ الحَداثَةَ إلى مُسْتَوى نَمَطٍ وُجودِيٍّ يُمْكِنُ إِنْزالُهُ وَتَحَقُّقُهُ على أَيِّ ثَقافَة، فَنَكونُ أَمامَ مُقارَبَةٍ لا ثَقافِيَّةٍ تَقومُ على الحِيادِ الثَّقافِيِّ لِمُنْتَجٍ حَداثِيٍّ يَعْكِسُ سِياقَ ثَقافَةٍ غَرْبِيَّة.

في إِطارِ قِراءَةِ هَذا الوَضْع، بَرَزَ مَفْهومُ الحَداثاتِ المُتَعَدِّدَة، كَبَديلٍ ارْتَبَطَ بِشَكْلٍ خاصٍّ بِالدُّوَلِ القَوْمِيَّةِ وَالثَّوْرِيَّة؛ وَهُوَ أَمْرٌ يَأْتي على عَكْسِ النَّظَرِياتِ الكْلاسيكِيَّةِ لِلتَّحْديثِ في نَموذَجِهِ الغَرْبِيّ. يَعودُ المَفْهومُ لِلسّوسْيولوجِيِّ العِبْرِيِّ شْموئيل نُوح إيزِنْشْتات (1923-2010 - Shmuel Eisenstadt)، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ خِلالَ سَنَةِ 2000، وَمُنْذُ حينِها وَالعَديدُ مِنَ اللِّقاءاتِ العِلْمِيَّة، خُصوصًا في الْجامِعاتِ الأَلمانِيَّة، تَتَبَنّى المُقارَبَة، مِمّا جَعَلَها أَرْضِيَّةً لِتَنامي عَدْوى التَّعَدُّدِ داخِلَ البَيْتِ الحَداثِيِّ الغَرْبِيّ، فَأَصْبَحْنا أَمامَ دَعْوَةٍ لِلتَّحَرُّرِ مِنَ النَّمْذَجَةِ الغَرْبِيَّةِ الأُحادِيَّةِ في جُلِّ مُكَوِّناتِها الحَداثِيَّة.

بناء الحداثة من داخلها قد يتمّ عبر أشكال مختلفة وإغناؤها يتمّ عبر السعي إلى خلق حداثات مُتعدّدة

على سَبيلِ المِثال، بَعْدَ مُناقَشَةٍ مُسْتَفيضَةٍ لِلفَرَضِيّاتِ البَديلَةِ حَوْلَ العَلْمانِيَّةِ وَعَوْدَةِ الدّين، رَفَضَ كارْل غابْرييل (Karl Gabriel) كِلَيْهِما، وَاقْتَرَح، مُسْتَنِدًا إلى مَفْهومِ شْموئيل إيزِنْشْتات (Shmuel Eisenstadt) لِلحَداثاتِ المُتَعَدِّدَة، مَفْهومًا جَديدًا يُعْرَفُ بِالعَلْمانِيّاتِ المُتَعَدِّدَة، مِنْ خِلالِهِ يُؤَكِّدُ بِحَقٍّ على الصِّراعِيَّةِ في الثَّقافاتِ المُعاصِرَة، التي تُطَوِّرُ شَرْعِيّاتٍ مُسْتَقِلَّةً سَواءً ارْتَبَطَتْ بِالدّينِ أَمْ لا. وَيُمْكِنُ التَّذْكيرُ هُنا أَيْضًا بِإِشاراتِ عَبْدِ الإِلَهِ بلقَزِيز في هَذا الباب.

تُحيلُ فِكْرَةُ الحَداثاتِ المُتَعَدِّدَةِ على أَنَّ الإِمْكانَ نَحْوَ بِناءِ الحَداثَةِ مِنْ داخِلِها قَدْ يَتِمُّ عَبْرَ أَشْكالٍ مُخْتَلِفَة، فَتُصْبِحُ الحَداثَةُ الغَرْبِيَّةُ في بُعْدِها النَّظَرِيِّ إِمْكانًا لِلتَّفْكيرِ بِناءً على التَّعَدُّدِ وَلَيْسَ النَّمْذَجَةَ الأُحادِيَّة. وَتَجْدُرُ الإِشارَةُ هُنا إلى أَنَّهُ لا يَتِمُّ التَّخَلّي عَنِ الحَداثَة، بَلْ بِالعَكْسِ يَتِمُّ إِغْناؤُها عَبْرَ السَّعْيِ إلى خَلْقِ حَداثاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَسْتَمِدُّ أَصْلَها الحَداثِيَّ وَتَنْفَلِتُ عَنْ نَمَطِيَّةِ مَسارِها الإِرْشادِيّ.

يَلمَحُ المُتَتَبِّعُ لِلشَّأْنِ الثَّقافِيِّ العَرَبِيِّ كِتاباتٍ تَرْنو لِلتَّوَجُّهِ نَحْوَ طَرْحٍ يُزَكّي قيمَةَ التَّعَدُّدِ أَمامَ تَهْميشِ أَوْ مُحاوَلَةِ تَجاوُزِ النَّموذَجِ الأُحادِيِّ الغَرْبِيِّ الذي كانَ مَعْمولًا بِهِ سابِقًا. هَذا التَّوَجُّه، على الرَّغْمِ مِمّا يَحْمِلُهُ مِنْ وَجاهَة، إِلّا أَنَّهُ في المُقابِلِ يَطْرَحُ نِقاطًا عِدَّة، مِنْها:

- تَحَوَّلَتِ النَّمْذَجَةُ الإِرْشادِيَّةُ لِلمَشْروعِ الحَداثِيِّ إلى مَأْزِقٍ ثَقافِيِّ لِباقي الشُّعوب، خُصوصًا العَرَبِيَّة، لِأَنَّ نَمَطَ الانْخِراطِ في هَذا المَشْروعِ كان، بِمَعْنًى ما، انْخِراطًا أَقْرَبَ إلى مَشْروعٍ وُجودِيٍّ تَمَّ التَّماهي مَعَهُ بِشَكْلٍ يَصْعُبُ خَلْقُ بَديلٍ داخِلِيّ.

- مَفْهومُ التَّعَدُّدِيَّة، هُوَ إِعْلانٌ عَنِ الرَّغْبَةِ في شَرْعِيَّةِ الِاخْتِلافِ وَالتَّمَيُّزِ وَرَفْعِ الوَصايَةِ الغَرْبِيَّةِ عَنْ باقي الثَّقافات، فَنَكونُ أَمامَ وَضْعٍ صِحِّيّ، خُصوصًا إِنْ كانَ يُعَبِّرُ عَنْ بَديلٍ حَداثِيٍّ قائِمٍ اسْتَطاعَ أَنْ يُتَرْجِمَ أُفُقَهُ الانْتِظارِيَّ إلى وَضْعٍ قائِم، أَيْ خَلْقَ نَموذَجٍ حَداثِيٍّ مِنْ داخِلِ وَخارِجِ الحَداثَةِ في الآنِ نَفْسِهِ مِثْلَ الْيابان، الصّين، الهِنْد، حَتّى وَإِنْ كانَتْ هَذِهِ النَّماذِجُ تَطْرَحُ إِشْكالاتٍ أُخْرى تُقْرَأُ بِالغالِبِ مِنْ مَنْظورِ القالِبِ الحَداثِيِّ الغَرْبِيّ.

الإشكال لا يرتبط بالنموذج الحداثي بل بذهنية البحث عن البديل الجاهز من دون القدرة على خلقه من الداخل

- تَبَنّي مَفْهومِ التَّعَدُّدِيَّةِ سَواءً في الحَداثَةِ أَوِ العَلْمانِيَّة، قَدْ يَتِمُّ وِفْقَ بُنْيَةٍ إِسْقاطِيَّةٍ جاهِزَة، فَنُعيدُ كَرَّةَ النَّموذَجِ الغَرْبِيِّ بِبَديلٍ آخَر، حَيْثُ عَمَلِيَّةُ التَّبَنّي هُنا تُشَكِّلُ نَمَطِيَّةً اعْتِيادِيَّةً تَقومُ على الاسْتِلهامِ الكُلِّيِّ بُغْيَةَ تَجاوُزِ الرُّكونِ التَّارِيخِيّ، فَنَسْقُطُ في فَخِّ الاسْتِبْدالِ مِنْ دونِ فَعّالِيَّةِ الإِنْتاجِ الذّاتِيّ؛ آنَذاكَ نَكونُ أَمامَ تَشْخيصٍ صُوَرِيٍّ مُهَيْكَلٍ وِفْقَ قَوالِبَ بِنائِيَّةٍ وَلَيْسَتْ تَفاعُلِيَّة.

- غالِبًا ما تُبَعْثِرُ الأَزْماتُ المَفْهومِيَّةُ عَمَلِيَّةَ البِناء، إِذْ لا يَعْني بِالضَّرورَةِ أَنَّ مَفْهومَ الحَداثاتِ المُتَعَدَّدَةِ يَمْنَحُنا بَدائِلَ مُتَعَدِّدَةً لِلاسْتِلهامِ وَكَذا إِمْكانِيَّةً لِلِانْفِلاتِ عنِ النَّموذَجِ الحَداثِيّ. لِأَنَّ الإِشْكالَ لا يَرْتَبِطُ بِالنَّموذَج، بَل بِذِهْنِيَّةِ البَحْثِ عَنِ البَديلِ الجاهِزِ مِنْ دونِ القُدْرَةِ على خَلْقِهِ مِنَ الدّاخِل.

- القَوْلُ بِالتَّعَدُّدِيَّةِ الحَداثِيَّةِ قَوْلٌ يَبْدو لِلوَهْلَةِ الأولى قَوْلًا دِفاعِيًّا يُحاوِلُ تَعْويضَ التَّفاوُتِ الثَّقافِيِّ بِخَلْقِ عَكْسِ ما هُوَ مَطْروح، غَيْرَ أَنَّ النَّقيضَ هُنا لا يَخْرُجُ عَنِ العُدَّةِ الحَداثِيَّةِ نَفْسِها، التي نُحاوِلُ أَنْ نَتَخَلَّصَ مِنْ نَمْذَجَتِها. قَدْ يُدْخِلُ الأَمْرَ في إيجابِيَّةِ الحَداثَةِ التي تَسْمَح، بِشَكْلٍ ما، بالتَّفْكيرِ خارِجَها، لَكِنَّهُ يُتَرْجِمُ أَيْضًا عُمْقَ تَغَلْغُلِ النَّموذَجِ الحَداثِيِّ في مُخْتَلِفِ الثَّقافات، حَيْثُ التَّغَلْغُلُ يَرْتَبِطُ بِالإِشْكالِ وَالحَلّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن