اقتصاد ومال

نَحْوَ "تَعْريبِ" صِناعَةِ مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة! خَلْقُ سِلْسِلَةِ تَوْريدٍ مُتَكامِلَةٍ بَيْنَ دُوَلِ الْمِنْطَقَة

يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ الطّاقَةُ الشَّمْسِيَّةُ بِمَثابَةِ كَنْزٍ عَرَبِيٍّ جَديدٍ مُنافِسٍ لِلنَّفْط، بِحَيْثُ تَتَحَوَّلُ شَمْسُ الصَّحاري الْعَرَبِيَّةِ اللّافِحَةُ إلى مَصْدَرِ دَخْل، وَخاصَةً إِذا تَمَّ تَعْريبُ صِناعَةِ مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة وَعَدَمُ الاكْتِفاءِ بِاسْتيرادِ تِقْنِيّاتِها مِنَ الْخارِج.

نَحْوَ

لِأَسْبابٍ عَديدَة، يَحْظى الْعالَمُ الْعَرَبِيُّ بِميزاتٍ كَبيرَةٍ في مَجالِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، وَأَيْضًا في تَصْنيعِ تِقْنِيّاتِها. فَالْمِنْطَقَةُ الْعَرَبِيَّةُ هِيَ أَكْثَرُ مَناطِقِ الْعالَمِ في قُوَّةِ السُّطوعِ الشَّمْسيِّ وَطولِ فَتْرَتِهِ الزَّمَنِيَّة، بِفَضْلِ غَلَبَةِ الْمُناخِ الصَّحْراوِيِّ على أَراضيها، وَحَتّى الْمَناطِقِ غَيْرِ الصَّحْراوِيَّة فَإِمّا مُناخُها مُتَوَسِّطِيٌّ أَوْ مَدارِيٌّ وَكِلاهُما يَتَمَيَّزُ بِسُطوعٍ شَمْسِيٍّ طَويلٍ وَقَوِي.

على الرَّغْمِ مِنْ وَفْرَةِ النَّفْطِ في الْمِنْطَقَة، إِلّا أَنَّهُ غَيْرُ مُحَبَّذٍ في تَوْليدِ الْكَهْرَباء، سَواءٌ بِسَبَبِ تَكْلِفَتِهِ الْمُرْتَفِعَةِ أَوْ لِأَسْبابٍ بيئِيَّة، بَيْنَما الْفَحْمُ نادِرٌ في بِلادِنا وَمُلَوِّثٌ لِلْبيئَة. وَبِالنِّسْبَةِ لِلْغاز، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ الْمُفَضَّلُ في تَوْليدِ الْكَهْرَباء، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ وَفْرَتِهِ في بُلْدانٍ عَرَبِيَّةٍ عِدَّة، فَإِنَّهُ نادِرٌ في الْكَثيرِ مِنْها، وَنَقْلُهُ مُكْلِفٌ وَمُعَقَّدٌ وَحَسّاسٌ لِلِاضْطِراباتِ الْأَمْنِيَّةِ وَالْخِلافاتِ السِّياسِيَّة، وَفي كُلِّ الْأَحْوالِ لا يَجوزُ الاعْتِمادُ عَلَيْهِ وَحْدَه.

تعريب صناعة تقنيات الطاقة الشمسية لن يتأتى إلا باستراتيجية عربية مُوحّدة لتوفير التمويل والاستثمار

كَما تُعاني الْكَثيرُ مِنَ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ ضَعْفِ الْبُنْيَةِ الْأَساسِيَّةِ اللّازِمَةِ لِلتَّوْليدِ الْمَرْكَزيِّ لِلْكَهْرَباء، وَانتشارُ سُكّانِ الْكَثيرِ مِنْ دُوَلِ الْمِنْطَقَةِ يَتَّسِمُ بِالتَّشَظّي في تَجَمُّعات (بَعْضُها بَدَوِيٌّ) مُتَفَرِّقٌ على مَساحاتٍ شاسِعَة، مِثْلَ السُّعودِيَّة وَالسّودان وَموريتانْيا وَليبْيا. بَيْنَما هُناكَ بُلْدانٌ عَرَبِيَّةٌ أُخْرى سُكّانُها يَعيشونَ في مَناطِقَ جَبَلِيَّةٍ وَعِرَة، مِثْلَ الْيَمَن وَدُوَلِ الْمَغْرِبِ الْعَرَبيِّ وَلُبْنان، وَهِيَ أَوْضاعٌ جُغْرافيةٌ تَجْعَلُ أَلْواحَ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَكْثَرَ جَدْوى اقْتِصادِيًّا مِنَ الشَّبَكاتِ الْمَرْكَزِيَّة. كَما أَنَّ هذِهِ الشَّبَكاتِ الْمَرْكَزِيَّةَ أَسْهَلُ في الاسْتِهْدافِ خِلالَ الْحُروب، مِثْلَما فَعَلَتْ إِسْرائيلُ مِنْ قَبْلُ مَعَ لُبْنان، وَيُمْكِنُ أَنْ تُكَرِّرَهُ مَعَ سورْيا. وَهذانِ الْبَلَدانِ اللَّذانِ يُعانِيانِ مِنْ ضَعْفِ الْحُكومَةِ وَالاقْتِصاد، وَما تَبِعَهُما مِنْ ضَعْفِ الشَّبَكاتِ الْمَرْكَزِيَّةِ لِلْكَهْرَباء، الْأَفْضَلُ لَهُما التَّرْكيزُ على تَوْليدِ الْكَهْرَباءِ مِنَ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، وَمَعَهُما دُوَلٌ مِثْلَ الْيَمَن وَالسّودانِ وَالْعِراق.

يَعْني هذَا أَنَّ الْعالَمَ الْعَرَبِيَّ في أَمَسِّ الْحاجَةِ لِلطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، وَلَكِنَّ هذَا الطَّلَبَ لا يَجِبُ أَنْ يُعالَجَ بِاسْتيرادِ هذِهِ التِّقْنِيّاتِ مِنَ الْخارِج، لِأَنَّ ذلِكَ يَعْني مَزيدًا مِنَ الضَّغْطِ على الْعُمْلاتِ الْوَطَنِيَّة، وَجَعْلَ سِلْسِلَةِ التَّوْريدِ هَشَّة، وَيُضْعِفُ الْقُدْرَةَ على الصِّيانَةِ وَاسْتِبْدالِ مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ مُسْتَقْبَلًا.

العالم العربي من أكثر مناطق العالم وفرة في المواد الخام اللازمة لصناعة معدات الطاقة الشمسية

بَلْ يَجِبُ تَعْريبُ صِناعَةِ تِقْنِيّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ عَبْرَ التَّعَلُّمِ مِنْ نَماذِجَ مِثْلَ كورِيا الْجَنوبِيَّة، وَالصّين التي تَحَوَّلَتْ إلى عِمْلاقِ هذِهِ الصِّناعَةِ عَبْرَ اسْتراتيجِيَّةٍ حُكومِيَّةٍ طَويلَةِ الْأَمَد. وَهذا لَنْ يَتَأَتّى إِلّا بِاسْتراتيجِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ تَضُمُّ الدُّوَلَ الْعَرَبِيَّةَ كافَّةً أَوْ أَغْلَبَها، لِتَوْفيرِ التَّمْويلِ وَالاسْتِثْمارِ وَحَجْمِ السّوقِ الْكافي لِبِناءِ هذِهِ الصِّناعَةِ التي مِنْ شَأْنِها تَوْفيرُ فُرَصِ عَمَلٍ وَتَقْليلُ الِاسْتيراد، بَلْ فَتْحُ الْمَجالِ لِلتَّصْدير، فَضْلًا عَنْ حِمايَةِ الْبيئَةِ وَتَوْفيرِ الْأَمْوالِ الْمُخَصَّصَةِ لِشِراءِ الْوَقُودِ الْأُحْفورِيّ.

وَمِنْ حُسْنِ الطّالِعِ أَنَّ الْعالَمَ الْعَرَبِيَّ يُعْتَبَرُ مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ الْعالَمِ وَفْرَةً في الْمَوادِّ الْخامِ اللّازِمَةِ لِصِناعَةِ مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، وَالتي على رَأْسِها السّيليكونُ وَالزُّجاجُ الشَّمْسِيُّ اللَّذانِ يُصْنَعانِ مِنْ أَنْواعٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الرِّمالِ التي تَحْتَوي على السيليكا، وَالْمُتَوَفِّرَةِ بِكَثْرَةٍ في الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّة، مِثْلَ الرِّمالِ الْبَيْضاءِ التي تُشيرُ إِحْصاءاتٌ وَتَصْريحاتٌ رَسْمِيَّةٌ عِدَّةٌ إلى أَنَّ مِصْرَ مِنْ أَكْبَرِ الدُّوَلِ التي لَدَيْها احْتِياطِيّاتٌ ضَخْمَةٌ مِنْها، وَهِيَ تُصَنَّفُ ضِمْنَ الْأَفْضَلِ عالَمِيًّا مِنْ حَيْثُ النَّقاءِ وَسُهولَةِ الاسْتِخْراج، وَتُصَدِّرُ مِصْرُ كَمِّيّاتٍ كَبيرَةً مِنْ هذِهِ الْخامات، وَهُناكَ تَوَجُّهٌ حُكومِيٌّ لِبِناءِ مَصانِعَ زُجاجٍ مَحَلِّيَّةٍ لِزِيادَةِ الْقيمَةِ الْمُضافَة.

يجب إنشاء سوق عربية مُوحّدة لهذه المعدات وتقديم حوافز حكومية لاستخدام الطاقة الشمسية

كَما أَنَّ السُّعودِيَّة وَالْجَزائِرَ وَالْأُرْدُن وَالْعِراقَ كُلَّها غَنِيَّةٌ بِأَنْواعِ الرِّمالِ التي تَحْتَوي على السّيليكا. إِضافَةً إلى ذلِكَ فَإِنَّ كَثيرًا مِنَ الْمَوادِّ الْأُخْرى الْمُسْتَخْدَمَةِ في مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ تَعْتَمِدُ على مَوادَّ خامٍّ تُسْتَخْرَجُ مِنَ النَّفْط.

وَبِما أَنَّ صِناعَةَ مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ هِيَ صِناعَةٌ كَثيفَةُ الاسْتِهْلاكِ لِلطّاقَةِ (تَتَضَمَّنُ هذِهِ المُعِدّاتُ أَسْلاكَ النُّحاسِ وَأَجْزاءً مِنَ الأَلومِنْيوم)، فَبِِالطَّبْعِ غَنِيٌّ عَنِ الْقَوْلِ إِنَّ الْعالَمَ الْعَرَبِيَّ أَغْنَى مَناطِقِ الْعالَمِ بِالطّاقَةِ وَأَرْخَصَها.

وَلَكِنَّ هذا يَسْتَلْزِمُ خَلْقَ سِلْسِلَةِ تَوْريدٍ عَرَبِيَّةٍ كامِلَةٍ لِتِقْنِيّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، وَهذا يَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِإِنْشاءِ سوقٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ لِهذِهِ الْمُعِدّاتِ عَبْرَ إِعْطاءِ أَوْلَوِيَّةٍ لِلْمُنْتَجاتِ الْعَرَبِيَّة، إِضافَةً إلى تَقْديمِ حَوافِزَ حُكومِيَّةٍ مِثْلَ قُروضٍ مُيَسَّرَةٍ وَطَويلَةِ الْأَمَدِ لِيَتَّجِهَ الْمُواطِنونَ وَالشَّرِكاتُ لِاسْتِخْدامِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، مَعَ الرَّفْعِ التَّدْريجيِّ لِأَسْعارِ الْكَهْرَباءِ الْمُوَلَّدَةِ مِنَ الْمَصادِرِ الْأُخْرى لِتَصِلَ إلى السِّعْرِ التِّجارِيّ، لِيَتَسَنّى لِلطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ مُنافَسَتُها، وَكَذلِكَ ضَرورَةُ شِراءِ الْحُكوماتِ لِلطّاقَةِ الْفائِضَةِ مِنَ الْمُنْتِجينَ الصِّغار.

لإنشاء أَكاديمية عربية لعلوم الطاقة الشمسية تُجري الأبحاث الكفيلة بتطوير هذه الصناعة

وَالْأَهَمُّ أَنَّ هُناكَ حاجَةً لِاسْتِثْماراتٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ في إِنْتاجِ مُعِدّاتِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، عَبْرَ الِاسْتِفادَةِ مِنْ رُؤوسِ الْأَمْوالِ الْعَرَبِيَّة، وَلا سِيَّما الْخَليجِيَّة، لِإِنْشاءِ شَرِكاتٍ عَرَبِيَّةٍ لِتَصْنيعِ هذِهِ الْمُعِدّاتِ بِالتَّعاوُنِ مَعَ مُسْتَثْمِرينَ أَجانِبَ لَدَيْهِمْ هذِهِ التِّقْنِيّات، مَعَ الْتِزامِ الْحُكوماتِ الْعَرَبِيَّةِ بِإِعْطاءِ الْأَوْلَوِيَّةِ في الشِّراءِ لِلْمُنْتَجِ الْعَرَبِيّ، مِمّا سَيُشَجِّعُ الْمُسْتَثْمِرينَ الْأَجانِبَ على تَقْديمِ قُروضٍ مُيَسَّرَةٍ لِلْمُصَنِّعين، مِثْلَما فَعَلَتِ الصّينُ مَعَ وُجودِ السّوقِ الْعَرَبِيَّةِ الضَّخْمَة.

وَيُمْكِنُ تَوْزيعُ سِلْسِلَةِ التَّوْريدِ هذِهِ على الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّة، بِحَيْثُ تَتَخَصَّصُ كُلُّ دَوْلَةٍ في أَجْزاءٍ مُعَيَّنَةٍ يَتَوَفَّرُ لَها ميزَةٌ نِسْبِيَّةٌ بِها.

كُلُّ هذَا يَتَطَلَّبُ التَّوَسُّعَ في الِاسْتِثْمارِ في الْبَحْثِ الْعِلْميِّ وَالتَّدْريسِ وَالتَّدْريبِ في مَجالِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، وَقَدْ يَكونُ هُناكَ حاجَةٌ لِإِنْشاءِ أَكاديمِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ عابِرَةٍ لِلْحُدودِ لِعُلومِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، تُخَرِّجُ الْكَوادِرَ اللّازِمَةَ لِهذِهِ الصِّناعَة، وَتُجْري الْأَبْحاثَ الْكَفيلَةَ بِتَطْويرِها، على أَنْ تُوَزَّعَ كُلِّيّاتُها على عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّة.

إِنَّ هذِهِ الِاسْتراتيجِيَّةَ الْمُقْتَرَحَةَ يَجِبُ أَنْ تَقومَ على التَّكامُلِ وَتَوْزيعِ الْأَدْوار، وَأَنْ يَلْعَبَ فيها الْقِطاعُ الْخاصُّ الدَّوْرَ الْمِحْوَرِيَّ في الْإِنْتاج مَعَ مُراعَاةِ الْبُعْدِ الِاقْتِصادِيّ، فَلا يُقامُ مَشْروعٌ في دَوْلَةٍ مُجامَلَةً لَها، وَالْأَهَمُّ أَنْ تَتَّسِمَ الِاسْتراتيجِيَّةُ بِالْمَدى الطَّويلِ وَتَبادُلِ الْمَنْفَعَة.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن