بصمات

خَريطةُ التَّواصُلِ الفِكْرِيِّ وَالثَّقافيِّ في الدُّوَلِ العَرَبيَّةِ المَغارِبِيَّة (1/2)

يَتَناوَلُ تَقْريرٌ صادِرٌ عَنْ "مُؤَسَّسَةِ الفِكْرِ العَرَبِيِّ" دينامِيّاتِ الخَريطَةِ الفِكْرِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ المَغارِبِيَّةِ في دُوَلٍ خَمْس، تُونِسَ وَالجَزائِرِ وَليبْيا وَالمَغْرِبِ وَمورِيتانْيا، وَيَسْتَرْجِعُ إِنْجازاتِ مَجْموعَةٍ كَبيرَةٍ مِنَ الباحِثينَ وَالمُفَكِّرين، وَيَعْرِضُ لِتَنافُسِ الاتِّجاهاتِ وَالأَفْكارِ وَالأَساليبِ وَالإيديولوجِيّاتِ وَالْمَناهِجِ وَفُصولِ التَّنْويرِ في الفِكْرِ وَالأَدَبِ وَالفَلْسَفَةِ وَالشِّعْرِ وَالتَّشْكيلِ وَالْموسيقى، عَلى تَفاعُلٍ غَيْرِ مَحْدودٍ في لِقاءِ التّاريخِ الحَضارِيِّ لِلدُّوَلِ المَغْرِبِيَّةِ العَرَبِيَّةِ، الَّتي تَمْتَدُّ بَيْنَ مَمْلَكَةِ نوميدْيا الأَمازيغِيَّةِ وَالإمْبَراطورِيَّةِ القَرْطاجِيَّةِ المُمتَدَّةِ شَرْقًا وَغَرْبًا.

خَريطةُ التَّواصُلِ الفِكْرِيِّ وَالثَّقافيِّ في الدُّوَلِ العَرَبيَّةِ المَغارِبِيَّة (1/2)

يَقْتَرِحُ التَّقْريرُ تَقْديمَ أَبْحاثٍ بِمَراجِعَ أَنْثْروبولوجِيَّةٍ وَفَلْسَفِيَّة، تُواكِبُ تاريخَ حَضارَةٍ مَغارِبِيَّة - مَشْرِقِيَّةٍ مُشْتَرَكَة، في مَجاميعِ آراءٍ مُحَكَّمَةٍ تَتَمَتَّعُ بِمَلَكَةِ "اليَقين"، وَتَنْهَضُ بِالبَيانِ المُزْدَهِرِ وَبِنَهْضَةٍ مَغارِبِيَّةٍ في مَجالاتِ الفَلْسَفَةِ وَمَدارِسِها وَتَيّاراتِها وَاتِّجاهاتِها الحَديثَة، وَفي نِتاجاتٍ فِكْرِيَّةٍ لِمحمد أَرْكون وَمحمد عابِدِ الجابِرِيّ وَهِشامِ جُعَيْط وَمحمّد عَزيز لَحْبابي وَعَبْدِ الكَبيرِ الخَطيبِيّ وَعُثْمان سَعْدي وَعَبْدِ اللهِ العَرْوِيِّ وَالصّادِقِ النَّيْهوم، وَقِراءاتٍ أُخْرى سوسْيولوجِيَّةٍ بِعُيونٍ نِسائِيَّة.

تغيير كبير طرأ على الأفكار المغربية العربية ومواضيعها واتجاهاتها الثقافية

مُعالَجَةٌ تَوْثيقِيَّةٌ وَتَحْليلِيَّةٌ لِلمَشْهَدِ الرّاهِنِ المَغْرِبِيِّ مَعَ تَعَدُّدِ مَصادِرِهِ وَمُكَوِّناتِه، وَأَثَرِ هَذا النِّتاجِ على التَّنْمِيَةِ الثَّقافِيَّةِ العَرَبِيَّةِ في ظاهِرَةٍ مُمَيَّزَةٍ في الإبْداعِ بِمُعالَجاتِهِ لِقَضايا الِانْدِماجِ الوَطَنِيّ، بِناءِ الدَّوْلَةِ وَالبُنْياتِ السِّياسِيَّة، سوسْيولوجْيا الثَّقافَة، البُنى القَبَلِيَّةِ وَالظّاهِرَةِ الاجْتِماعِيَّة، وَضْعِيَّةِ المَرْأَة، مَوْقِعِ الشَّباب، الظّاهِرَةِ الدّينِيَّةِ وَالطُّقوسِيَّة، وَغَيْرِها مِنَ القَضايا، الَّتي تَرْفَعُ مَدى التَّعْبيرِ عَنْ خُصوصِيَّةِ مُجْتَمَعاتِها إِلى ما يَتَجاوَزُها في تَوْطينِ عِلْمِ الاِجْتِماعِ في دُوَلِها وَخارِجِها.

لا يَدَّعي التَّقْريرُ الإضاءَةَ عَلى جَميعِ جَوانِبِ المَشْهَدِ المَغْرِبِيّ، لٰكِنَّهُ يُظْهِرُ فَضاءاتٍ مُتَّسِعَةً طَليعِيَّةً مُرَكَّبَةً رُبَّما، لِأَنَّها عَلى اخْتِلافِها تَبْقى مُنْجَذِبَةً إِلى بَعْضِها. وَهَذا أَمْرٌ مُهِمٌّ في التَّطَوُّرِ الاِجْتِماعِيّ، وَالتَّباهِي بِالقَضايا العَرَبِيَّةِ وَالقَوْمِيَّةِ وَرَفْضِ الاحْتِلالاتِ وَالوِصاياتِ وَالاِسْتِعْمار، وَتَتابُعِ مُجْرَياتِ تَطَوُّرِها بَعْدَ المَرْحَلَةِ الاسْتِقْلالِيَّة، فَضْلًا عَنْ خَلْفِيّاتِها التّاريخِيَّة، وَرِهاناتِها وَإِشْكالِيّاتِ الهُوِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَالطَّعامِ وَاللِّباس.

وَمِنَ المُلاحَظِ أَنَّ تَغْييرًا كَبيرًا طَرَأَ عَلى الأَفْكارِ المَغْرِبِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَمَواضيعِها وَاتِّجاهاتِها الثَّقافِيَّة، الَّتي تَسْعى إِلى تَرْسيخِ وُجودِها عَبْرَ تَجاوُزِ الحَداثَةِ الثَّقافِيَّة، أَوْ نَقْضِها في نِتاجاتٍ فاقَتْ آثارًا عَرَبِيَّةً مُهِمَّة، وَرُبَّما غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ في ظَواهِرَ تَتَكَرَّرُ وَتُلاقي رَواجًا عالَمِيًّا في المَعاني وَالإيحاءاتِ وَالمُناخاتِ وَإيقاعِ اللُّغَةِ وَخَواتيمِها، وَفي النُّصوصِ المَفْتوحَةِ وَالحُرَّةِ الطّالِعَةِ مِنْ عُمْقِ التَّحَوُّلاتِ التّاريخِيَّةِ وَالاِجْتِماعِيَّة.

التراث الفكري المغربي لم يحظَ بالاهتمام والدراسة بالمقدار ذاته الذي حظي به نظيره المشرقي

تَبْرُزُ الصَّفَحاتُ الغِنى الأَنْثْروبولوجِيَّ الإِنْسانِيَّ المَغارِبِيَّ بِوُجودِ حَرَكَةِ تَأْليفٍ وَنَشْرٍ لِلأَبْحاثِ وَالدِّراساتِ في مَجالَيْ السّوسْيولوجْيا وَالأَنْثْروبولوجْيا في سِمَتِها الحَيَوِيَّةِ وَالتَّجْديدِيَّة، وَبِتِلْكَ الجَدَلِيَّةِ البالِغَةِ التَّعْقيدِ مَعَ الدُّوَلِ الأوروبِّيَّةِ المُسْتَعْمِرَة، وَبِتَواصُلِيَّةٍ بَنّاءَةٍ مَعَ المَشْرِقِ العَرَبِيّ. فَمَدينَةٌ مِثْلُ قَرْطاجَةَ تَأَسَّسَتْ في أَوائِلِ القَرْنِ التّاسِعِ قَبْلَ الميلادِ مِنْ جانِبِ نازِحينَ مِنْ مَدينَةِ صور الفينيقِيَّة، سُرْعانَ ما صارَتْ إِمْبَراطورِيَّةً تَفْرِضُ سِيادَتَها عَلى جُزُرِ غَرْبِ المُتَوَسِّط. وَأُطْلِقَ لَفْظُ اللّيبيّينَ عَلى جَميعِ سُكّانِ شَمالِ أَفْريقْيا، وَالآدابُ الحَقيقِيَّةُ لِلْمُفَكِّرِينَ المَغارِبَةِ تَبْلُغُ أَوْجَها مَعَ لوكيوسْ أَبوليوسْ (120-170م)، وَهُوَ أَوَّلُ كاتِبٍ لِرِوايَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ في تاريخِ البَشَرِيَّةِ حَمَلَتْ عُنْوانَ "تَحَوُّلاتِ الْجَحْشِ الذَّهَبِيّ".

لَمْ يَحْظَ التُّراثُ الفِكْرِيُّ المَغْرِبِيُّ بِالاهْتِمامِ وَالدِّراسَةِ بِالمِقْدارِ ذاتِهِ الَّذِي حَظِيَ بِهِ نَظيرُهُ المَشْرِقِيّ، مِثْلَ التَّنَبُّهِ الغَرْبِيِّ إِلى قيمَةِ ابْنِ رُشْدٍ الفِكْرِيَّةِ الفَلْسَفِيَّة، وَابْنِ خَلْدونَ في عِلْمِ العُمْرانِ البَشَرِيّ (قَبْلَ أُوغُسْتْ كُونْتْ بِأَرْبَعَةِ قُرون)، حَيْثُ يَبْدو التَّصَوُّرُ الخَلْدونِيُّ في انْسِجامٍ مَعَ التَّصَوُّرِ الحَديثِ لِعِلْمِ التّاريخ، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ خَلْدونَ مُطْمَئِنًّا لِلنُّصوصِ المُقَدَّسَة (د. حَمّادي مَسْعود). وَهُمْ قالوا في الغَرْب: "إِنَّ بَوادِرَ عِلْمِ الإِناسَةِ وَالأَنْثْروبولوجْيا وُجِدَتْ مَعَ الجُغْرافِيّينَ وَالرَّحّالَةِ مِثْلَ الإِدْريسِيِّ وَابْنِ بَطّوطَةَ وَغَيْرِهِما، وَإِنَّ التَّواصُلَ الثَّقافِيَّ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ العَرَبِيِّ شَكَّلَ مَعًا حَضاراتٍ كَبيرَةً مُشْتَرَكَة".

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن