يَكْشِفُ التَّقْريرُ أَنَّ الرَّأْيَ العامَّ العَرَبِيَّ في مُجْمَلِهِ (66%) يَعْتَقِدُ أَنَّ الفَسادَ المالِيَّ والإِدارِيَّ "مُنْتَشِرٌ، وَمُنْتَشِرٌ جِدًّا، وَمُنْتَشِرٌ إلى حَدٍّ ما".
أَمّا عَنْ سُؤالِ "جِدِّيَّةِ الحُكوماتِ في مُحارَبَةِ الفَساد"، فَقَدْ أَظْهَرَتْ نَتائِجُ المُؤَشِّرِ أَنَّ الرَّأْيَ العامَّ العَرَبِيَّ مُنْقَسِمٌ حَوْلَ هَذا المَوْضوع، إِذْ رَأى 57% مِنَ المُسْتَجيبينَ أَنَّ حُكوماتِ بُلْدانِهِمْ جادَّةٌ في مُحارَبَةِ الفَسادِ المالِيِّ والإِدارِيّ، مُقابِلَ 38% أَبْدَوْا اعْتِقادَهُمْ بِأَنَّ حُكوماتِهِمْ غَيْرُ جادَّةٍ في مُحارَبَةِ الفَسادِ المالِيِّ والإِدارِيّ... مَثَلًا؛ في فِلَسْطين 80%، وَفي لُبْنانَ 63%، وَفي ليبْيا 62%، وَفي العِراقِ 57% اعْتَبَروا أَنَّ "حُكوماتِ بِلادِهِمْ غَيْرُ جادَّةٍ في مُحارَبَةِ الفَساد".
الإِصْلاحُ كَأُسْطورَة
ما كَشَفَهُ التَّقْريرُ لا يَخْتَلِفُ عَنْ ثَمانِيَةٍ سَبَقوهُ مِنْ تَقاريرِ المَرْكَز، وَلا تَتَبايَنُ أَرْقامُهُ عَنِ الأَرْقامِ التي لَطالَما أَوْرَدَتْها تَقاريرُ "التَّنْمِيَةِ البَشَرِيَّةِ العَرَبِيَّة" حَوْلَ الحَقائِقِ الصّادِمَةِ لِاسْتِعْصاءِ الإِصْلاح، وَثُنائِيَّةِ الإِصْلاحِ وَمُكافَحَةِ الفَسادِ في السِّياقِ العَرَبِيّ، وَما إِذا كانَ يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ وِفْقَ مُبادَراتٍ داخِلِيَّةٍ أَوْ ضَرورَةِ فَرْضِهِ مِنَ الخارِج، ذَلِكَ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ دُروسِ التّاريخِ الطَّرِيِّ مُنْذُ مَطْلَعِ القَرْنِ الحادي والعِشْرين، حَيْثُ رُمِيَتِ الدُّوَلُ التي أَغْرَقَتْها مَعْزوفَةُ "نَشْرِ الدّيموقْراطِيَّة" في بِحارِ الفَسادِ والفَوْضى والتَّقْسيمِ وَنَهْبِ الثَّرَواتِ الوَطَنِيَّة، بِشَكْلٍ أَعادَها إلى فَتْرَةِ ما قَبْلَ الدَّوْلَة. هَكَذا، يَبْدو الحَديثُ عَنِ الإِصْلاحِ أَشْبَهَ بِأُسْطورَةِ سيزيف (كامو، 1942) تَمامًا كالحَديثِ عَنْ أَحْلامِ السِّيادَةِ والمُشارَكَةِ السِّياسِيَّةِ والمُواطَنَةِ الكامِلَة.
ما حصل بعد الربيع العربي كشف أنّ افتقاد "ثقافة الديموقراطية" أعاد زمام الأمور إلى "الدول العميقة"
بَعْدَ أَحْداثِ الْحادي عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبِر/أَيْلول (2001)، واحْتِلالِ العِراق (2003) سَرَتْ مَقولَةٌ أَنَّ واشِنْطُن تُريدُ فَرْضَ الإِصْلاحِ والدّيموقْراطِيَّةِ وَثَقافَةِ حُقوقِ الإِنْسانِ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، انْطِلاقًا مِنْ مُبادَرَةِ الرَّئيسِ الأَميرِكِيِّ الأَسْبَقِ جورْج بوش "الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الكَبير" (2004) والتي قوبِلَتْ بِعَدَدٍ مِنَ الإِعْلاناتِ والوَثائِقِ العَرَبِيَّةِ كانَ مِنْها أَعْمالُ "مُنْتَدى المُسْتَقْبَل" الذي انْعَقَدَ في العاصِمَةِ المَغْرِبِيَّةِ الرِّباطِ تَحْتَ رِعايَةِ دُوَلِ مَجْموعَةِ الثَّماني (G8)، بِمُشارَكَةِ دُوَلِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أَفْريقْيا والاتِّحادِ الأوروبِّي، حَيْثُ رَكَّزَ على دَعْمِ الإِصْلاحاتِ الِاقْتِصادِيَّةِ والسِّياسِيَّة، وَمُناقَشَةِ مُبادَرَةِ "الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الكَبيرِ" وَدَعْمِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة. وَكانَ مِنْها أَيْضًا "إِعْلانُ صَنْعاء"، وَ"وَثيقَةُ مَكْتَبَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّة" وَ"مُبادَرَةُ المُنْتَدى المَدَنِيّ" في بَيْروت (جَميعُها في 2004)، والْقاسِمُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَها التَّأْكيدُ على ضَرورَةِ أَنْ يَكونَ الإِصْلاحُ نِتاجَ عَمَلِيَّةٍ داخِلِيَّة، لا مَفْروضًا مِنَ الخارِج، والتَّنْبيهُ إلى أَنَّ الانْتِقالَ الدّيموقْراطِيَّ المُتَسَرِّعَ قَدْ يَخْدِمُ قُوى التَّطَرُّف، لا الشُّعوبَ التَّوّاقَةَ إلى الحُرِّيَّةِ والتَّنْمِيَةِ والتَّقَدُّم.
مَضَتِ الأَيّامُ والسِّنُونُ ثُمَّ وَقَعَ ما سُمِّيَ "الرَّبيعَ العَرَبِيّ" (2011)، وَهُوَ حِراكٌ شَعْبِيٌّ خَرَجَ بِوَجْهِ "الجُمْهورِياتِ الوِراثِيَّة"، حامِلًا مَطْلَبًا أَساسِيًّا هُوَ التَّغْييرُ الشّامِلُ في إِدارَةِ الشَّأْنِ العامّ، وَقَدْ تَمَيَّزَ ذَلِكَ الحِراكُ بِضَخامَةِ جَماهيرِهِ مِنْ جِهَة، وَمِنْ جِهَةٍ ثانِيَةٍ بِشِعاراتِهِ المُشَدَّدَةِ على الحُرِّيَّةِ والدّيموقْراطِيَّةِ والتَّعَدُّدِيَّة، وَتَداوُلِ السُّلْطَة، وَمُكافَحَةِ الفَساد، والعَدْلِ الاجْتِماعِيّ، وَسُلْطَانِ دَوْلَةِ الْقانون، وَكُلُّ ذَلِكَ يَتَأَسَّسُ على مَبْدَأ المُواطَنَة، لَكِنْ ما حَصَلَ بَعْدَها في المَراحِلِ الانْتِقالِيَّةِ في عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ أَظْهَرَ اكْتِساحًا هائِلًا لِلتَّيّاراتِ السِّياسِيَّةِ الإِسْلامِيَّة[1].
الإصلاح هو ثقافة ووعي بالديموقراطية والحرّية والالتزام بفكرة الدولة والمواطنة وتجاوز عقلية الخرافة أو التبعية
وَمَعَ أَحَقِّيَّةِ أَيِّ طَرَفٍ في اسْتِخْدامِ الدّيموقْراطِيَّةِ لِلوُصولِ إلى السُّلْطَة، إِلّا أَنَّ السِّياقاتِ العَرَبِيَّةَ وَما حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ بَلَدٍ عَرَبِيّ، كَشَفَ أَنَّ افْتِقادَ "ثَقافَةِ الدّيموقْراطِيَّة"، لا آلِيَّتِها، يوصِلُ إلى عَكْسِ ما خَرَجَتْ بِسَبَبِه/لِأَجْلِهِ الْجَماهير، وَصَدَحَتْ لَهُ وَبِهِ الْحَناجِر؛ ما أَعادَ زِمامَ الأُمورِ إلى "الدُّوَلِ العَميقَةِ" في كُلِّ بَلَد... هَكَذا تَعاظَمَ الفَسادُ والاسْتِبْدادُ والاسْتِنادُ إلى الخارِج، وَخُصوصًا الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، التي بِدَوْرِها ما تَعِبَتْ فَعادَتْ في العامِ 2020 بِمُبادَرَةِ "الاتِّفاقِياتِ الإِبْراهيمِيَّة" التي باتَتْ جُزْءًا مِنَ المَشْهَدِ الإِقْليمِيِّ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ بَعْدَ حَرْبِ "طوفانِ الأَقْصى" (7 أُكْتوبَر/تِشْرينِ الأَوَّلِ 2023)، وَما تَلاها وَأَعْقَبَها مِنْ تَداعِياتٍ مُسْتَمِرَّةٍ إلى الآن، وَكُلُّها تُبَشِّرُ بِتَغْييراتٍ كَبيرَةٍ آيِلَةٍ لِلتَّحَقُّقِ بِالتَّفاهُمِ أَوْ بِضَغْطِ آلَةِ الحَرْب...
في المُحَصِّلَة، وَهُنا الأَهَمّ، كَشَفَتْ تِلْكَ المَحَطّاتُ صورَةً قاتِمَة، قِوامُها أَنَّ أَيَّ تَغْييرٍ قَدْ يَحْصُلُ في الْعالَمِ العَرَبِيِّ سَيَكونُ إِمّا اسْتِجابَةً لِضَغْطٍ خارِجِيّ، أَيْ مِنْ خارِجِ احْتِياجاتِ شُعوبِ الْمِنْطَقَةِ وَأَوْلَوِيّاتِها، وَبِما يُحَقِّقُ أَجَنْداتٍ خارِجِيَّة، أَوْ أَنَّهُ سَيَكونُ تَغْييرًا ديموقْراطِيًّا مَحْدودًا وَلَوْ مَقْرونًا بِإِصْلاحاتٍ شَكْلِيَّة، وَهُوَ ما لا شُروطَ قائِمَةً لِتَحَقُّقِه. ذَلِكَ أَنَّ الإِصْلاح، كَضَرورَةٍ وَمُمارَسَة، لَيْسَ مُجَرَّدَ إِجْراءاتٍ وَلَوائِحَ وَنَوايا، بَل هُوَ، قَبْلَ كُلِّ ذَلِك، ثَقافَةٌ مُتَلازِمَةٌ مَعَ وَعْيٍ بِالدّيموقْراطِيَّةِ والحُرِّيَّةِ والشَّراكَةِ والالتِزامِ بِفِكْرَةِ الدَّوْلَةِ والمُواطَنَة، واحْتِرامِ المَجالِ العامِّ والحُكْمِ الصّالِحِ وَآلِيّاتِ الإِدارَةِ الرَّشيدَة، وَتَجاوُزِ عَقْلِيَّةِ الخُرافَةِ أَوِ التَّبَعِيَّةِ أَوِ الخُروجِ على مَنْطِقِ الِانْتِظام... هَكَذا بَدا المَشْهَدُ كَمَنْ يَدورُ في حَلْقَةٍ مُفْرَغَة!.
[1] الإِشارَةُ إلى صُعودِ التّيّاراتِ الإِسْلامِيَّةِ في بَعْضِ البُلدانِ العَرَبِيَّةِ في فَتْرَةِ "الرَّبيعِ العَرَبِيِّ" وَمَا تَلاهُ لا يَعْني إِدانَةَ نَتائِجِ العَمَلِيَّةِ الدِيموقْراطِيَّةِ مَتى تَحَقَّقَتْ شُروطُها، إِذْ يُمْكِنُ تَفَهُّمُ أَسْبابِ صُعودِ هَذِهِ التّيّارات، لَكِنْ مَعَ مُلاحَظَةِ السِّياقاتِ وَالخُصوصِيّاتِ البُنْيَوِيَّةِ لِأَحْزابِ الإِسْلامِ السِّياسِيِّ في العالَمِ العَرَبِيِّ وَتَجارِبِهَا مُنْذُ سِتّينِيّاتِ القَرْنِ العِشْرينَ إلى اليَوْم، وَهِيَ بِالعُمومِ لَيْسَتْ مُشَجِّعَةً في خَلْقِ قَناعَةٍ بِإِيمانِها بِالعَمَلِ السِّياسِيِّ وِفْقَ شُروطِهِ المَدَنِيَّةِ المُعْتَبَرَة. فَفي أوروبّا مَثَلًا، وَبَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، بَرَزَتِ الأَحْزابُ الدّيموقْراطِيَّةُ المَسيحِيَّةُ التي لا تَزالُ حاضِرَةً وَقَوِيَّةً وَفاعِلَةً في أَكْثَرِ الدّيموقْراطِيّاتِ الغَرْبِيَّة.(خاص "عروبة 22")


