إيرانُ الحَضارَة، إيرانُ الشِّعْرِ والفَلْسَفَةِ والمُدُنِ العَتيقَة، وُضِعَتْ تَحْتَ سُلْطَةِ عَقيدَةٍ سِياسِيَّةٍ لا تَعْرِفُ المُراجَعَة. خِلالَ هَذِهِ العُقود، لَمْ يَأْخُذِ النِّظامُ مِنْ تَجارِبِ العالَمِ الحَديثِ إِلّا أَدَواتِ السَّيْطَرَة: مُؤَسَّساتٍ أَمْنِيَّةً مُتَشَعِّبَة، أَذْرُعًا اسْتِخْباراتِيَّة، وَأَجْهِزَةَ قَمْعٍ طَوَّرَتْ خِبْرَتَها في إِدارَةِ الدّاخِلِ وَتَصْديرِ التَّوَتُّرِ إلى الْخارِج. أَمّا عَناصِرُ الحَياةِ الحَديثَةِ مِنْ مُساءَلَةٍ وَمُحاسَبَةٍ وَتَداوُلِ سُلْطَةٍ وَشَفافِيَّة، فَبَقِيَتْ خارِجَ المُعادَلَة.
المُسيّرات والصواريخ الإيرانية تبدو "عمياء" تُصيب المدنيين أكثر مما تُصيب الهدف السياسي وتفتح جبهات أخلاقية وقانونية
مُنْذُ سَنَواتٍ طَويلَة، تَبَنّى النِّظامُ فِكْرَةً بَدَتْ في ظاهِرِها اسْتْراتيجِيَّةً دِفاعِيَّة: "نُحارِبُ خارِجَ إيرانَ بَدَلًا مِنْ داخِلِها". فَكانَتِ الأَذْرُعُ في الإِقْليم، وَكانَتِ الأَمْوالُ، وَكانَ السِّلاحُ والشِّعاراتُ العابِرَةُ لِلحُدود. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الاسْتْراتيجِيَّة، التي رُوِّجَ لَها بِوَصْفِها خَطَّ الدِّفاعِ الأَوَّلَ عَنْ طَهْران، تَحَوَّلَتْ تَدْريجِيًّا إلى عِبْءٍ تاريخِيّ. فالأَذْرُعُ التي زُرِعَتْ في جِوارِ إيرانَ لَمْ تُنْتِجِ اسْتِقْرارًا، بَل ساهَمَتْ في تَحْويلِ بَعْضِ دُوَلِ الجِوارِ إلى ساحاتٍ مَفْتوحَة، وَدولٍ شِبْهِ فاشِلَة، وَمُجْتَمَعاتٍ مُنْهَكَةٍ بِالصِّراع.
اليَوْمَ، وَنَحْنُ في الأسبوعِ الأوّلِ مِنَ الحَرْبِ المَفْتوحَةِ بَيْنَ إِسْرائيلَ والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ مِنْ جِهَة، والنِّظامِ الإيرانِيِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، تَتَكَشَّفُ مُفارَقَةٌ قاسِيَة: الحَرْبُ، التي أَرادَها النِّظامُ خارِجَ حُدودِه، عادَتْ إلى الدّاخِل، وَأَحَدُ أَسْبابِها (الأَذْرُع). الضَّرَباتُ المُتَبادَلَة، واسْتِهْدافُ القِيادات، وَإِرْسالُ الصَّواريخِ فَوْقَ أَجْواءِ إيران، والرَّدُّ الإيرانِيُّ بِضَرْبِ مُدُنٍ خَليجِيَّةٍ مُسالِمَة، تَحْتَ وَهْمِ "مُعاقَبَةِ أَميرْكا وَإِسْرائيلَ"، كُلُّها مُؤَشِّراتٌ على أَنَّ الاسْتْراتيجِيَّةَ القَديمَةَ انْهارَت. بَل إِنَّ التِّقْنِيَّةَ التي اعْتَمَدَ عَلَيْها النِّظامُ طَويلًا - مِنْ مُسَيَّراتٍ وَصَواريخَ باليسْتِيَّة - تَبْدو في الكَثيرِ مِنْ حالاتِها "عَمْياء"، تُصيبُ المَدَنِيّينَ أَكْثَرَ مِما تُصيبُ الهَدَفَ السِّياسِيّ، وَتَفْتَحُ جَبْهاتٍ أَخْلاقِيَّةً وَقانونِيَّةً لا تَقِلُّ خُطورَةً عَنِ الجَبَهاتِ العَسْكَرِيَّة.
الحرب الحالية فصل أخير في مسار طويل لأنّ شروط البقاء تآكلت
تَراكَمَتِ الأَخْطاء. لَيْسَ فَقَطْ في "تَصْديرِ الثَّوْرَة"، وَلا في "أَحْلامِ الإِمْبَراطورِيَّة" التي سَكَنَتْ خِطابًا رَسْمِيًّا يَحِنُّ إلى ماضٍ مُتَخَيَّل، بَل أَيْضًا في الدّاخِلِ الإيرانِيِّ ذاتِه. فَشَلٌ اقْتِصادِيٌّ، عُقوباتٌ خانِقَةٌ، فَسادٌ مُسْتَشْرٍ، وَتَضْييقٌ على الحُرِّيات، كُلُّها عَوامِلُ جَعَلَتْ قِطاعاتٍ واسِعَةً مِنَ الشَّعْبِ الإيرانِيِّ تَخْرُجُ إلى الشَّوارِعِ خِلالَ السَّنَواتِ الأَخِيرَة. تِلْكَ الِاحْتِجاجات، التي قوبِلَتْ بِقَمْعٍ وَحْشِيٍّ، كَشَفَتْ أَنَّ شَرْعِيَّةَ النِّظامِ لَمْ تَعُدْ صَلْبَةً كَما يَدَّعي. القَمْعُ قَدْ يَنْجَحُ في إِسْكاتِ الصَّوْت، لَكِنَّهُ لا يَقْتُلُ السُّؤال. بَلْ إِنَّ القَمْعَ يَحْمِلُ في داخِلِهِ بَذْرَةَ تَدْميرِه، لِأَنَّهُ يُراكِمُ الغَضَبَ بِصَمْتٍ حَتّى يَنْفَجِرَ في لَحْظَةٍ لا يُمْكِنُ التَّحَكُّمُ بِها.
لَقَدْ دَفَعَ الإيرانِيّونَ ثَمَنًا باهِظًا، كَما دَفَعَ الجِوارُ أَثْمانًا مُضاعَفَة. مِئَاتُ الآلافِ سَقَطوا في صِراعاتٍ مُرْتَبِطَة، مُباشَرَةً أَوْ غَيْرَ مُباشَرَة، بِسِياساتِ التَّمَدُّد. مُدُنٌ عَرَبِيَّةٌ دُمِّرَت، واقْتِصاداتٌ انْهارَت، وَنَسيجٌ اجْتِماعِيٌّ تَمَزَّق. وَمَعَ ذَلِك، اسْتَمَرَّ الخِطابُ الرَّسْمِيُّ في الحَديثِ عَنِ "النَّصْرِ" وَ"التَّمْكينِ" وَ"مِحْوَرِ المُقاوَمَة"، فيما كانَتِ الهُوَّةُ تَتَّسِعُ بَيْنَ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ داخِلَ إيرانَ نَفْسِها.
الحَرْبُ الحالِيَّةُ تَبْدو، في نَظَرِ الكَثيرِ مِنَ المُراقِبين، فَصْلًا أَخيرًا في مَسارٍ طَويل. لَيْسَ لِأَنَّ الأَنْظِمَةَ تَسْقُطُ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحاها، وَلا لِأَنَّ التاريخَ يَتَحَرَّكُ بِخَطٍّ مُسْتَقيم، بَل لِأَنَّ شُروطَ البَقاءِ تَآكَلَت. أَيُّ نِظامٍ سِياسِيٍّ، مَهْما كانَتْ إيدْيولوجِيَّتُه، يَحْتاجُ إلى آلِيَّتَيْنِ ضَرورِيَّتَيْنِ لِلبَقاء: المُساءَلَةِ والمُراجَعَة. المُساءَلَةُ تُتيحُ تَصْحيحَ الخَطَأِ قَبْلَ أَنْ يَتَضَخَّم، والمُراجَعَةُ تَمْنَحُ النِّظامَ مُرونَةَ التَّكَيُّفِ مَعَ المُتَغَيِّرات. أَمّا حينَ تَغيبُ هاتَيْنِ الآلِيَّتَيْن، وَيَتَحَوَّلُ القَرارُ إلى دائِرَةٍ مُغْلَقَةٍ لا تَسْمَعُ إِلّا صَداها، فَإِنَّ الجُمودَ يُصْبِحُ قَدَرًا. والانْفِجارُ يُصْبِحُ مُحْتَمَلًا. لَقَدْ خَرَجَ بَعْضُ الإيرانِيّينَ مُحْتَفِلينَ بِقَتْلِ المُرْشِد، وَهُوَ في نَظَرِهِمْ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ ديكْتاتورٍ دينِيّ!.
فكرة "التحصين عبر التمدُّد" انقلبت إلى "استنزاف عبر التمدُّد"
التّارِيخُ لا يَرْحَمُ الأَنْظِمَةَ الخَشَبِيَّة. رَأَيْنا ذَلِكَ في تَجارِبَ كَثيرَة، مِنْ أَنْظِمَةٍ إيدْيولوجِيَّةٍ ظَنَّتْ أَنَّها فَوْقَ الزَّمَن، إلى دُوَلٍ تَوَهَّمَتْ أَنَّ القَبْضَةَ الأَمْنِيَّةَ كافِيَةٌ لِإِدارَةِ مُجْتَمَعٍ حَيّ. قَدْ يَسْتَغْرِقُ السُّقوطُ وَقْتًا، وَقَدْ تَدْفَعُ الشُّعوبُ أَثْمانًا باهِظَة، لَكِنَّ المَسارَ يُصْبِحُ واضِحًا حينَ تَنْفَصِلُ السُّلْطَةُ عَنِ المُجْتَمَع، وَحينَ تَتَحَوَّلُ العَقيدَةُ إلى قَيْدٍ يَمْنَعُ التَّكَيُّفَ والأَشْخاصُ إلى شِبْهِ آلِهَة.
في الحالَةِ الإيرانِيَّة، تَتَداخَلُ العَوامِلُ الدّاخِلِيَّةُ والخارِجِيَّةُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبوق. الاحْتِجاجاتُ الشَّعْبِيَّة، الضُّغوطُ الِاقْتِصادِيَّة، الانْقِسامُ داخِلَ النُّخْبَة، والحَرْبُ المَفْتوحَةُ على أَكْثَرَ مِنْ جَبْهَة، كُلُّها عَناصِرُ تَضَعُ النِّظامَ أَمامَ اخْتِبارٍ وُجودِيّ. لَيْسَ السُّؤالُ ما إِذا كانَ سَيَسْقُطُ غَدًا أَوْ بَعْدَ سَنَوات، بَل ما إِذا كانَ قادِرًا على إِعادَةِ تَعْريفِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ التّاريخُ تَعْريفَهُ عَلَيْه.
المُفارَقَةُ أَنَّ المَشْروعَ الذي رُفِعَ شِعارًا لِحِمايَةِ إيرانَ قَدْ يُعَجِّلُ بِإِنْهاكِها. فِكْرَةُ "التَّحْصينِ عَبْرَ التَّمَدُّد" انْقَلَبَتْ إلى "اسْتِنْزافٍ عَبْرَ التَّمَدُّد". وَحينَ تُفْتَحُ الجَبَهاتُ مِنَ الخارِج، بَيْنَما الدّاخِلُ يَغْلي، يُصْبِحُ التَّوازُنُ شِبْهَ مُسْتَحيل. لا يُمْكِنُ لِأَيِّ نِظامٍ أَنْ يُحارِبَ على كُلِّ الجَبَهاتِ في آنٍ واحِد، وَهُوَ يَفْتَقِدُ رِضا جُزْءٍ مُعْتَبَرٍ مِنْ شَعْبِه.
قَدْ يَقولُ قائِلٌ إِنَّ الأَنْظِمَةَ العَقائِدِيَّةَ قادِرَةٌ على الصُّمودِ طَويلًا، وإِنَّ أَدَواتِ القَمْعِ تَمْنَحُها عُمْرًا إِضافِيًّا. هَذا صَحيحٌ جُزْئِيًّا. لَكِنَّها لا تَمْنَحُها شَرْعِيَّةً مُسْتَدامَة. الشَّرْعِيَّةُ تُبْنى على عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ عادِل، وَعلى شُعورٍ عامٍّ بِأَنَّ الدَّوْلَةَ تُمَثِّلُ مُواطِنيها لا تَفْرِضُ عَلَيْهِمْ وِصايَةً أَبَدِيَّة. وَحِينَ يَتَآكَلُ هَذا العَقْد، يُصْبِحُ الاسْتِمْرارُ مَسْأَلَةَ وَقْتٍ لا أَكْثَر.
القمع لا يبني مستقبلًا ومن يُؤجّل الانفجار لا يلغيه
ما نَشْهَدُهُ اليَوْمَ لَيْسَ حَدَثًا مَعْزولًا، بَل نَتيجَةَ مَسارٍ مُمْتَدٍّ مُنْذُ لَحْظَةِ تَحْويلِ مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ إلى عَقيدَةٍ سِياسِيَّةٍ مُطْلَقَة. حينَ تُغْلَقُ أَبْوابُ الاجْتِهاد، وَيُجَرَّمُ السُّؤال، وَيُخْتَزَلُ الوَطَنُ في رُؤْيَةٍ واحِدَة، فَإِنَّ الزَّمَنَ يَتَحَوَّلُ مِنْ حَليفٍ إلى خَصْم. والزَّمَن، كَما عَلَّمَنا التّاريخ، لا يَقِفُ إلى جانِبِ مَنْ يَرْفُضُ التَّكَيُّف.
قَدْ يَأْخُذُ سُقوطُ الأَنْظِمَةِ وَقْتًا، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ شَكْلًا قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ جَوْهَرًا، لَكِنْ حينَ تُكْتَبُ المُؤَشِّراتُ على الجُدْران، يُصْبِحُ تَجاهُلُها مُغامَرَةً خَطِرَة. في إيرانَ اليَوْم، تَتَقاطَعُ الحَرْبُ الخارِجِيَّةُ مَعَ الاحْتِقانِ الدّاخِلِيّ، وَيَتَكَثَّفُ نِصْفُ قَرْنٍ مِنَ التَّصَلُّبِ في لَحْظَةٍ واحِدَة. وَرُبَّما يَكونُ السُّؤالُ الأَكْثَرُ إِلْحاحًا: هَل يَسْبِقُ الإِصْلاحُ الانْهِيار، أَمْ أَنَّ العِنادَ سَيَقودُ إلى نِهايَةٍ كانَ يُمْكِنُ تَجَنُّبُها؟.
التّاريخُ مَفْتوحٌ على احْتِمالاتٍ عِدَّة، لَكِنَّ قاعِدَةً واحِدَةً تَكادُ تَكُونُ ثَابِتَة: القَمْع، مَهْما اشْتَدّ، لا يَبْني مُسْتَقْبَلًا، بَل يُؤَجِّلُ الانْفِجار. وَمَنْ يُؤَجِّلِ الانْفِجارَ لا يُلْغيه.
(خاص "عروبة 22")

