اقتصاد ومال

الشَّرْقُ الأَوْسَط.. وَإعادَةُ تَشْكيلِ المَخاطِرِ الإقليمِيَّة!

ما شَهِدَهُ العالَمُ في الثّامِنِ والعِشْرينَ مِنْ فِبْرايِر/شُباط 2026 لا يَنْبَغي النَّظَرُ إِلَيْهِ بِاعْتِبارِهِ تَصْعيدًا عَسْكَرِيًّا فَحَسْبُ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ مِنْ جِهَة، وَإيرانَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، بَلْ بِوَصْفِهِ صَدْمَةً اقْتِصادِيَّةً كُلِّيَّةً أَعادَتْ إِدْخالَ الجُغْرافْيا السِّياسِيَّةِ إِلى صُلْبِ نَماذِجِ الاقْتِصادِ العالَمِيِّ بَعْدَ عُقودٍ مِنِ افْتِراضِ حِيادِها النِّسْبِيّ. نَحْنُ أَمامَ لَحْظَةٍ يَتَغَيَّرُ فيها سُلوكُ العَرْضِ العالَمِيّ، وَتُعادُ فيها صِياغَةُ مُعادَلاتِ المَخاطِر، وَتُخْتَبَرُ فيها قُدْرَةُ السِّياساتِ الاقْتِصادِيَّةِ عَلى التَّعامُلِ مَعَ تَضَخُّمٍ مَدْفوعٍ بِصَدَماتِ العَرْضِ والتَّكاليفِ لا بِصَدَماتِ جانِبِ الطَّلَبِ كَما اعْتَدْنا لِعُقود.

الشَّرْقُ الأَوْسَط.. وَإعادَةُ تَشْكيلِ المَخاطِرِ الإقليمِيَّة!

اقْتِصادِيًّا، تُمَثِّلُ التَّطَوُّراتُ الأَخيرَةُ نَموذَجًا مُكْتَمِلَ الأَرْكانِ لِصَدْمَةِ عَرْضٍ جِيوسِياسِيَّةٍ مُمتَدَّة. فَحينَ يَتَعَرَّضُ مَضيقُ هُرْمُز لِلغْلقِ أَوْ حَتّى التَّهْديدِ المُتَكَرِّرِ بِه، فَإِنَّنا لا نَتَحَدَّثُ عَنْ سِلْعَةٍ واحِدَةٍ يَرْتَفِعُ سِعْرُها، بَلْ عَنْ مَدْخَلِ إِنْتاجٍ اسْتْراتيجِيٍّ يَتَسَرَّبُ أَثَرُهُ إِلى كُلِّ قِطاعٍ تَقْريبًا.

النَّفْطُ والغازُ يُشَكِّلانِ عَصَبَ النَّقْلِ البَحْرِيِّ والجَوِّيّ، وَيُغَذِّيانِ الصِّناعاتِ البِتْروكيماوِيَّة، وَيَدْخُلانِ مُباشَرَةً في إِنْتاجِ الأَسْمِدَة، وَمِنْ ثَمَّ في الزِّراعَةِ والأَمْنِ الغِذائِيّ، وَبِشَكْلٍ غَيْرِ مُباشِرٍ كَمَصْدَرٍ لِلطّاقَةِ في مُخْتَلِفِ الأَنْشِطَةِ الاقْتِصادِيَّة. أَيُّ اضْطِرابٍ في تَدَفُّقِ النَّفْطِ وَمُشْتَقّاتِهِ يَتَحَوَّلُ تِلْقائِيًّا إلى زِيادَةٍ في تَكاليفِ الإِنْتاجِ عَبْرَ سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّة، ما يَخْلُقُ تَضَخُّمًا لَزِجًا مَدْفوعًا بِالتَّكْلِفَةِ يَصْعُبُ احْتِواؤُهُ بِأَدَواتِ السِّياسَةِ النَّقْدِيَّةِ التَّقْليدِيَّة.

نقترب من ملامح ركود تضخّمي يُعيد إلى الأذهان أزمات سبعينيات القرن الماضي ولكن في سياق مالي أكثر تعقيدًا

هَذا النَّوْعُ مِنَ التَّضَخُّمِ يَضَعُ البُنوكَ المَرْكَزِيَّةَ أَمامَ مُعْضِلَةٍ مَعْروفَةٍ في الأَدَبِيّاتِ الاقْتِصادِيَّة: فَرَفْعُ أَسْعارِ الفائِدَةِ قَدْ يَكْبَحُ الطَّلَبَ وَيَحُدُّ مِنِ انْتِقالِ الزِّياداتِ السِّعْرِيَّة، لَكِنَّهُ في الوَقْتِ ذاتِهِ يُعَمِّقُ تَباطُؤَ النُّمُوِّ وَيَزيدُ تَكْلِفَةَ التَّمْويلِ على الحُكوماتِ والشَّرِكات. وَمَعَ ارْتِفاعِ مُسْتَوَياتِ الدَّيْنِ العالَمِيِّ إِلى حُدودٍ تاريخِيَّة، فَإِنَّ أَيَّ دَوْرَةِ تَشْديدٍ نَقْدِيٍّ جَديدَةٍ قَدْ تَدْفَعُ بَعْضَ الاقْتِصاداتِ الهَشَّةِ إِلى حافَّةِ الِانْهِيارِ المالِيّ. وَهَكَذا نَقْتَرِبُ مِنْ مَلامِحِ رُكودٍ تَضَخُّمِيّ، حَيْثُ يَتَراجَعُ النُّمُوُّ بَيْنَما تَظَلُّ الأَسْعارُ مُرْتَفِعَة، في مَشْهَدٍ يُعيدُ إلى الأَذْهانِ أَزْماتِ سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، وَلَكِنْ في سِياقٍ مالِيٍّ أَكْثَرَ تَعْقيدًا.

في الأَسْواقِ الْمالِيَّة، تُتَرْجَمُ هَذِهِ التَّطَوُّراتُ في إِعادَةِ تَسْعيرٍ شامِلَةٍ لِلْمَخاطِر. الْمُسْتَثْمِرونَ لا يَنْظُرونَ فَقَطْ إِلى العَوائِدِ المُتَوَقَّعَة، بَلْ إِلى دَرَجَةِ عَدَمِ اليَقينِ المُصاحِبَةِ لَها. وَمَعَ تَصاعُدِ التَّوَتُّرات، تَرْتَفِعُ عِلاوَةُ المَخاطِرِ الجِيوسِياسِيَّة، فَتَزيدُ عَوائِدُ السَّنَدات، وَتَتَراجَعُ تَقْييماتُ الأَسْهُم، وَتَتَعَرَّضُ عُمُلاتُ الأَسْواقِ النّاشِئَةِ لِضُغوطٍ بَيْعِيَّة. انْتِقالُ رُؤوسِ الأَمْوالِ نَحْوَ الأُصولِ الآمِنَةِ لَيْسَ سُلوكًا عاطِفِيًّا، بَلِ اسْتِجابَةٌ عَقْلانِيَّةٌ لِتَعْظيمِ خِيارِ المُرونَة. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الدّيناميكِيَّةَ تُؤَدّي عَمَلِيًّا إِلى تَشْديدٍ مالِيٍّ عالَمِيّ، حَتّى في غَيْبَةِ قَراراتٍ رَسْمِيَّةٍ مِنَ البُنوكِ المَرْكَزِيَّة، لِأَنَّ تَكْلِفَةَ رَأْسِ الْمالِ تَرْتَفِعُ - عَمَلِيًّا - بِحُكْمِ السّوق.

سَلاسِلُ الإِمْدادِ العالَمِيَّة، التي بُنِيَتْ عَلى فَلْسَفَةِ الكَفاءَةِ القُصْوى وَتَقْليصِ المَخْزون، تَجِدُ نَفْسَها مَرَّةً أُخْرى أَمامَ اخْتِبارِ المُرونَة. الشَّرِكاتُ التي اعْتَمَدَتْ نَموذَجَ "الإِنْتاجِ في الْوَقْتِ المُناسِب" باتَتْ مُضْطَرَّةً إِلى إِعادَةِ تَقْييمِ هَذا النَّمُوذَج. فَزِيادَةُ المَخْزون، وَتَنْويعُ المُوَرِّدين، وَإِعادَةُ تَوْطينِ بَعْضِ مَراحِلِ الإِنْتاج... كُلُّها خُطُواتٌ تُعَزِّزُ الأَمان، لَكِنَّها تَرْفَعُ التَّكْلِفَةَ الهَيْكَلِيَّة. هَذا التَّحَوُّلُ مِنْ مَنْطِقِ الكَفاءَةِ إِلى مَنْطِقِ الصُّمودِ يَعْني أَنَّ جُزْءًا مِنَ التَّضَخُّمِ الحالِيِّ قَدْ يَكونُ ذا طَبيعَةٍ هَيْكَلِيَّة، لا ظَرْفِيَّة، لِأَنَّ الاقْتِصادَ العالَمِيَّ يُعيدُ تَشْكيلَ نَفْسِهِ حَوْلَ اعْتِباراتِ الأَمانِ وَلَيْسَ الرِّبْحِيَّةَ فَقَط.

التزامن بين صدمة الطاقة وصدمة التمويل وصدمة الثقة يخلق بيئة شديدة الهشاشة

أَمّا في أَسْواقِ الطَّاقَة، فالْفارِقُ الجَوْهَرِيُّ في هَذِهِ المَرْحَلَةِ هُوَ انْتِقالُ القَلَقِ مِنْ تَقَلُّبِ الأَسْعارِ إلى تَقَلُّبِ الإِمْدادات. يُمْكِنُ لِلسّوقِ أَنْ تَتَعايَشَ مَعَ أَسْعارٍ مُرْتَفِعَةٍ إِذا كانَ العَرْضُ مَضْمونًا، لَكِنَّ الشَّكَّ في اسْتِمْرارِ التَّدَفُّقاتِ يَخْلُقُ عِلاوَةَ مَخْزونٍ إِضافِيَّة، وَيَدْفَعُ الدُّوَلَ إلى السَّحْبِ مِنِ احْتِياطِيّاتِها الاسْتراتيجِيَّة. وَكُلَّما طالَ أَمَدُ الأَزْمَة، تَقَلَّصَ هامِشُ الأَمان، وارْتَفَعَتِ احْتِمالاتُ أَنْ تَتَحَوَّلَ الصَّدْمَةُ المُؤَقَّتَةُ إلى اخْتِلالٍ مُزْمِنٍ في تَوازُنِ العَرْضِ والطَّلَب، مَعَ ما يُصاحِبُهُ مِنْ تَقَلُّباتٍ حادَّةٍ في الأَسْعار.

بِالنِّسْبَةِ إلى الِاقْتِصاداتِ النّاشِئَة، يَتَضاعَفُ الأَثَرُ عَبْرَ قَنَواتٍ مُتَرابِطَة؛ ارْتِفاعُ أَسْعارِ الطّاقَةِ يَضْغَطُ على الميزَانِ التِّجارِيِّ وَيَزيدُ فاتورَةَ الْوارِدات، بَيْنَما يُؤَدّي ارْتِفاعُ عَوائِدِ السَّنَداتِ العالَمِيَّةِ إلى زِيادَةِ تَكْلِفَةِ الاقْتِراضِ الخارِجِيّ. في الوَقْتِ ذَاتِه، يَدْفَعُ عَدَمُ اليَقينِ المُسْتَثْمِرينَ إلى تَأْجيلِ قَراراتِهِم، فَتَتَباطَأُ تَدَفُّقاتُ الاسْتِثْمارِ الأَجْنَبِيِّ الْمُباشِر، وَتَتَراجَعُ القِطاعاتُ الحَسّاسَةُ مِثْلَ السِّياحَة. هَذا التَّزامُنُ بَيْنَ صَدْمَةِ الطّاقَةِ وَصَدْمَةِ التَّمْويلِ وَصَدْمَةِ الثِّقَةِ يَخْلُقُ بيئَةً شَديدَةَ الهَشاشَة، حَيْثُ يُصْبِحُ الحِفاظُ على اسْتِقْرارِ سِعْرِ الصَّرْفِ والِاحْتِياطِيّاتِ الأَجْنَبِيَّةِ تَحَدِّيًا يَوْمِيًّا.

في حالَةِ مِصْر، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِها لَمْ تَنْخَرِطْ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ في العَمَلِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ وَلَمْ تُصَبْ بِشَظاياها بَعْد، يَتَجَسَّدُ هَذا الأَثَرُ المُرَكَّبُ بِوُضوحٍ نَظَرًا لِانْكِشافِها الخارِجِيِّ الكَبير. فَأَيُّ اضْطِرابٍ في حَرَكَةِ التِّجارَةِ العالَمِيَّةِ يَنْعَكِسُ على إيراداتِ قَناةِ السُّوَيْس، بَيْنَما يُؤَدّي ارْتِفاعُ أَسْعارِ النَّفْطِ والقَمْحِ إلى زِيادَةِ الضُّغوطِ التَّضَخُّمِيَّةِ الدّاخِلِيَّة، وَيُؤَدّي خُروجُ الأَمْوالِ السّاخِنَةِ إلى تَراجُعِ العُمْلَةِ الوَطَنِيَّةِ والضَّغْطِ على تَكْلِفَةِ الدُّيون. وَمَعَ مَحْدودِيَّةِ الحَيِّزِ الْمالِيّ، تُصْبِحُ إِدارَةُ الصَّدْمَةِ مَسْأَلَةَ مُوازَنَةٍ دَقيقَةٍ بَيْنَ حِمايَةِ الاسْتِقْرارِ النَّقْدِيِّ وَعَدَمِ خَنْقِ النَّشاطِ الِاقْتِصادِيّ. فَالسِّياساتُ الانْكِماشِيَّةُ المُفْرِطَةُ قَدْ تُحافِظُ على سِعْرِ الصَّرْفِ مُؤَقَّتًا لَكِنَّها تُعَمِّقُ تَباطُؤَ النُّمُوّ، في حينِ أَنَّ التَّراخي قَدْ يَفْتَحُ البابَ أَمامَ مَوْجَةِ تَضَخُّمٍ مُسْتَوْرَدَةٍ يَصْعُبُ احْتِواؤُها.

لحظة فارقة يُعاد فيها دمج المخاطر الجيوسياسية في صلب النماذج الاقتصادية

الأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ التَّطَوُّراتِ تُعَزِّزُ اتِّجاهًا عالَمِيًّا نَحْوَ الإِقْليمِيَّةِ الِاقْتِصادِيَّة. مِنَ المُرَجَّحِ أَنْ تَسْعى التَّكْتُّلاتُ إلى تَقْليلِ اعْتِمادِها على مَمَرّاتٍ بَحْرِيَّةٍ أَوْ مَنَاطِقَ عالِيَةِ المَخاطِر، ما يَدْفَعُ نَحْوَ إِعادَةِ رَسْمِ خَرائِطِ التِّجارَةِ والاسْتِثْمار. هَذا التَّحَوُّلُ قَدْ يُقَلِّلُ مِنْ مَكاسِبِ العَوْلَمَةِ التَّقْليدِيَّة، لَكِنَّهُ يَعْكِسُ سَعْيًا عَقْلانِيًّا إلى تَقْليلِ التَّعَرُّضِ لِلصَّدَماتِ الجِيوسِياسِيَّة. غَيْرَ أَنَّ تَكْلِفَتَهُ سَتَكونُ ارْتِفاعًا دائِمًا في مُتَوَسِّطِ أَسْعارِ السِّلَعِ والخِدْماتِ مُقارَنَةً بِعَصْرِ العَوْلَمَةِ فائِقَةِ الانْفِتاح. فَإِذا أَضَفْنا إلى ذَلِكَ تَداعِياتِ الحُروبِ التِّجارِيَّةِ والسِّياساتِ "التّْرامْبِيَّةِ" المُرْتَدَّةِ عَنِ العَوْلَمَةِ بِدايَةً، نَكونُ بِصَدَدِ "تْسونامِيٍّ" اقْتِصادِيٍّ واسِعِ المَدى.

في المُحَصِّلَة، نَحْنُ أَمامَ لَحْظَةٍ فارِقَةٍ يُعادُ فيها دَمْجُ المَخاطِرِ الجِيوسِياسِيَّةِ في صُلْبِ النَّماذِجِ الاقْتِصَادِيَّة. لَمْ تَعُدِ السِّياسَةُ الْخارِجِيَّةُ عامِلًا خارِجِيًّا يُمْكِنُ تَحْييدُهُ في الحِسابات، بَلْ أَصْبَحَتْ مُحَدِّدًا مُباشِرًا لِلتَّضَخُّمِ والنُّمُوِّ وَسِعْرِ الْفائِدَة. التَّحَدّي الحَقيقِيُّ لا يَكْمُنُ فَقَطْ في احْتِواءِ الصَّدْمَةِ الرّاهِنَة، بَلْ في بِناءِ اقْتِصاداتٍ أَكْثَرَ قُدْرَةً على امْتِصاصِ الصَّدَماتِ المُسْتَقْبَلِيَّة، عَبْرَ تَنْويعِ مَصادِرِ الطَّاقَة، وَتَعْزيزِ الِاحْتِياطِيّاتِ الاسْتراتيجِيَّة، وَتَوْسيعِ دَوائِرِ التَّعاوُنِ الإِقْليمِيّ.

وَبَيْنَما تَتَبَدَّلُ مَوازينُ القُوى، يَظَلُّ السُّؤالُ الِاقْتِصادِيُّ الجَوْهَرِيُّ هُوَ: كَيْفَ نُحَوِّلُ هَذِهِ الصَّدْمَةَ مِنْ تَهْديدٍ وُجودِيٍّ إلى فُرْصَةٍ لِإِعادَةِ بِناءِ نَموذَجٍ تَنْمَوِيٍّ أَكْثَرَ صَلابَةً وَأَقَلَّ تَعَرُّضًا لِرِياحِ الْجُغْرافْيا السِّياسِيَّة؟.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن