الْحَقيقَة، أَنَّ السُّعودِيَّةَ كَبَلَدٍ جارٍ "لِلْيَمَنِ السَّعيد" تَمْتَلِكُ أَوْراقَ تَأْثيرٍ وَحُضورًا أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ آخَر، فَهُناكَ تَداخُلٌ بَيْنَ قَبائِلَ يَمَنِيَّةٍ مُنْذُ الْقِدَمِ وَنَظيرَتِها في الْحِجاز، وَهُناكَ الْجاليةُ الْيَمَنِيَّةُ الْأَكْبَرُ في السُّعودِيَّةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْبيئَةَ الاجْتِماعِيَّةَ والتَّداخُلَ الْمُجْتَمَعِيَّ والثَّقافِيَّ يَضَعُ السُّعودِيَّةَ في مَوْقِعٍ خَاصٍّ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَمَن. كَما أَنَّ قُوَّةَ السُّعودِيَّةِ في دُوَلِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الْخَليجيِّ جَعَلَ تَدَخُّلَها حاسِمًا في إِعادَةِ صِياغَةِ الْمُعادَلاتِ السِّياسِيَّةِ في الْيَمَن، حَتّى لَوْ ما زالَ أَمامَهُ طَريقٌ شاقٌّ لِيَعودَ سَعيدًا.
تَحَرُّكُ السُّعودِيَّةِ مِنْ أَجْلِ الدِّفاعِ عَمّا اعْتَبَرَتْهُ أَمْنَها الْقَوْمِيّ، أَهَمِّيَّتُهُ أَنَّّهُ لَمْ يُلْغِ "الْمُنافِسَ" وَحافَظَ على أَواشِجِ الْأُخُوَّةِ والْعَلاقاتِ التّاريخِيَّةِ والْمَصالِحِ الاقْتِصادِيَّةِ مَعَ الْإِمارات، وَهِيَ رِسالَةٌ مُهِمَّةٌ لِدُوَلٍ كَثيرَةٍ تَقولُ إِنَّ التَّدَخُّلَ وَلَوِ الْخَشِنَ لا يَعْني قَطيعَةً مَعَ الْإِخْوَّةِ أَوِ الْحُلَفاءِ إِنَّما يُمْكِنُ أَنْ يُوَتِّرَ الْعَلاقات، وَلَكِنْ لا يُنْهيها وَلا يُحَوِّلُها إلى صِراعٍ مَفْتوحٍ في باقي الْمَلَفّات. فَقَدْ تَوَتَّرَتِ الْعَلاقَةُ بَيْنَ الرِّياضِ وَأَبو ظَبي فيما يَتَعَلَّقُ بِمَلَفِّ الْيَمَن، وَلَكِنَّها لَمْ تُقْطَعْ وَلَنْ تُقْطَعَ وَبَقِيَ عُمْقُ الْعَلاقاتِ في الْكَثيرِ مِنَ الْمَلَفّاتِ وَشَبَكَةُ الْمَصالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ عُنْصُرَ حِمايَةٍ لِكِلَيْهِما بِأَلّا يَذْهَبَ الْخِلافُ حَوْلَ الْيَمَنِ بَعيدًا.
تصاعد دور تنظيمات "ما دون الدولة" والتدخلات الإقليمية جعل حسم مؤسسات الشرعية لأي صراع داخلي مسألة مُعقّدة
وَقَدْ تَرَتَّبَ على تَدَخُّلِ الرِّياضِ إِصْدارُ الرَّئيسِ الْيَمَنيِّ قَرارًا طالَبَ فيهِ بِمُغادَرَةِ الْقُوّاتِ الْإِماراتِيَّةِ الْبِلادَ في خِلالِ 24 ساعَة، وَإِعْلانِ حالَةِ الطَّوارِئ، وَفَرْضِ حَظْرٍ جَوِّيٍّ وَبَحْرِيٍّ وَبَرِّيٍّ على الْيَمَن، في الْوَقْتِ الذي ما زالَتْ مُعْظَمُ أَراضي الشَّمالِ في يَدِ الْحوثِيّ، وَفي الْجَنوبِ ما زالَ هُناكَ تَيّارٌ شَعْبِيٌّ مُؤَيِّدٌ لِلْمَجْلِسِ الانْتِقالِي.
والْحَقيقَةُ أَنَّهُ يَجِبُ أَخْذُ بَعْضِ تَصْريحاتِ وَمَواقِفِ رَئيسِ مَجْلِسِ الرِّئاسَةِ الْيَمَنيِّ بِحَذَرٍ لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ إِمْكانِيَّةِ حَسْمِ الصِّراعِ "بِقَراراتٍ رِئاسِيَّة"، حَتّى لَوْ كانَتْ تُعَبِّرُ عَنِ الْمَوْقِفِ الصَّحيحِ وَقادِمَةً مِنَ السُّلْطَةِ الشَّرْعِيَّة، لِأَنَّ هَذَا الصِّراعَ إِذَا فُتِحَتْ أَبْوابُهُ سَيَسْتَمِر، وَتَصَوُّرُ أَنَّ الشَّرْعِيَّ أَوِ الْأَكْبَرَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ "بِكَبْسَةِ زِرٍّ" على الْأَضْعَفِ والْمُتَمَرِّدِ أَمْرٌ يَحْتاجُ إلى مُراجَعَة، وَخاصَّةً في السِّياقِ الْحالي.
صَحيحٌ أَنَّ الْمَوْقِفَ الْعَرَبِيَّ والسُّعودِيَّ الدّاعِمَ لِلشَّرْعِيَّةِ وَلِوَحْدَةِ الْيَمَنِ والْمُتَفَهِّمَ لِخُصوصِيَّةِ الْجَنوبِ وَقَضِيَّتِهِ هُوَ الصَّحيح، وَأَنَّهُ لا يُمْكِنُ قَبولُ قِيامِ الْمَجْلِسِ الانْتِقاليِّ بِالسَّيْطَرَةِ الْمُنْفَرِدَةِ على الْجَنوب، لَكِنْ في الْوَقْتِ نَفْسِهِ لا يَجِبُ اسْتِسْهالُ الْأَمْرِ وتَّصَوُّرُ أَنَّ الصِّراعَ يُمْكِنُ حَسْمُهُ بِقَراراتٍ مُتَتالِيَةٍ مِنَ الْمَجْلِسِ الرِّئَاسِيّ. فَما زالَ هُناكَ مَنْ يَرْغَبُ في الانْفِصالِ الْفَوْريِّ في عَدَن، وَما زالَ الْحوثِيُّ يُسَيْطِرُ على أَغْلَبِ مُحافَظاتِ الشَّمالِ وَعلى رَأْسِها صَنْعاء، وَما زالَ الانْقِسامُ الْقَبَلِيُّ والتَّنافُسُ السِّياسِيُّ بَيْنَ مُكَوِّناتِ الشَّرْعِيَّةِ نَفْسِها يُخَيِّمُ على الْمَشْهَدِ الْيَمَنِيّ.
أوراق السعودية في اليمن شبيهة بأوراق مصر في السودان
إِنَّ جانِبًا مِنْ خِطابِ الشَّرْعِيَّةِ يَتَصَوَّرُ أَنَّ مَعْرَكَةَ الْيَمَنِ قَدْ حُسِمَتْ وَهُوَ غَيْرُ صَحيح، وَهذا يُذَكِّرُنا بِلُغَةِ قادَةِ الْجَيْشِ السّودانيِّ الذينَ هُمْ أَيْضًا يُمَثِّلونَ الشَّرْعِيَّةَ وَمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ السّودانِيَّةِ الْمَطْلوبِ إِعادَةُ بِنائِها لا هَدْمُها، وَتَصَوَّروا أَنَّهُمْ باعتبارهم الشَّرْعِيَّةَ والدَّوْلَةَ يُمْكِنُهُمْ حَسْمُ الصِّراعِ في السّودانِ في أَسابيعَ قَليلَةٍ لَكِنْ مَرَّتْ سَنَواتٌ وَلَمْ يَحْسِموه. وَهَذَا لا يَعْني أَنَّ مَوْقِفَهُمْ خَطَأٌ إِنَّما يَعْني أَنَّ تَصاعُدَ دَوْرِ تَنْظيماتِ "ما دونَ الدَّوْلَة" والتَّدَخُّلاتِ الْإِقْليمِيَّةِ جَعَلَ حَسْمَ مُؤَسَّساتِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَيِّ صِراعٍ داخِلِيٍ مَسْأَلَةً مُعَقَّدَةً وَتَخْضَعُ لِحِساباتٍ كَثِيرَةٍ مُرَكَّبَة.
أَوْراقُ السُّعودِيَّةِ في الْيَمَنِ شَبيهَةٌ بِأَوْراقِ مِصْرَ في السّودان؛ فالْأولى تَضُمُّ أَكْبَرَ جالِيَةٍ يَمَنِيَّةٍ خارِجَ الْحُدود، والثّانِيَةُ تَضُمُّ أَكْبَرَ جالِيَةٍ سودانِيَّةٍ خارِجَ الْحُدود، وَكِلاهُما مُجاوِرٌ لِلْبَلَدِ الْآخَر، فالسُّعودِيَّةُ لَدَيْها حُدودٌ واسِعَةٌ مَعَ الْيَمَنِ وَمِصْرُ كَذَلِكَ مَعَ السّودان، وَبِالتّالي هُناكَ أَرْضِيَّةٌ اجْتِماعِيَّةٌ وَجُغْرافيةٌ وَثَقافيةٌ تُسَهِّلُ صُنْعَ تَوافُقٍ على تَحَرُّكِ كُلٍّ مِنَ الرِّياضِ أَوِ الْقاهِرَةِ في الْبَلَدِ الْمُجاوِرِ وَتَجْعَلُ نَجاحَهُ شِبْهَ مُؤَكَّد، إِذا كانَتْ هُناكَ إِرادَةٌ لِذَلِكَ وَرَغْبَةٌ حَقيقِيَّةٌ في اسْتِخْدامِ أَوْراقِ الْقُوَّة.
دفاع الدول عن أمنها القومي لا يتم بالشعارات إنما يأتي بخطط مُتقنة وقدرة على الحركة وتنفيذ ما يلزم
لَقَدِ اسْتَخْدَمَتِ الرِّياضُ دِفاعًا عَنْ أَمْنِها الْقَوْميِّ أَدَواتٍ على دَرَجَةٍ كَبيرَةٍ مِنَ الْوُضوحِ والْكَفاءَةِ مِنْ دونِ أَنْ يَعْنِيَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ الْيَمَنِيَّةَ قَدْ حُلَّت، فَقَدْ سَيْطَرَتْ قُوّاتُ الشَّرْعِيَّةِ بِكُلِّ سُهولَةٍ على الْمُحافَظاتِ الْجَنوبِيَّةِ بِما فيها عَدَن، مِنْ دونِ إِراقَةِ دِماء، مِمّا يَعْنِي أَنَّ هُناكَ ضُغوطًا مارَسَتْها الرِّياضُ على أَطْرافٍ إِقْليمِيَّةٍ وَمَحَلِّيَةٍ وَتَرْتيباتٍ مُسْبَقَةٍ جَعَلَتْ دُخولَ الْقُوّاتِ يَتِمُّ بِهَذِهِ السَّلاسَةِ وانْتَهَى الْأَمْرُ بِأَنْ أَعْلَنَ الْمَجْلِسُ الانْتِقالِيُّ حَلَّ نَفْسِه.
إِنَّ دِفاعَ الدُّوَلِ عَنْ أَمْنِها الْقَوْميِّ لا يَتِمُّ بِالشِّعاراتِ وَلا بِقَطْعِ كُلِّ قَنَواتِ الاتِّصالِ مَعَ مُنافِسيها، إِنَّمّا يَأْتي بِخُطَطٍ مُتْقَنَةٍ وَقُدْرَةٍ على الْحَرَكَةِ وَتَنْفيذِ ما يَلْزَمُ لِلْحِفاظِ على الْأَمْنِ الْقَوْميِّ لِلْبِلاد.
(خاص "عروبة 22")

