في أثناء كتابة هذه السطور تتصاعد احتمالات الضربة الأمريكية على إيران، وقد يحسم القرار وسيناريوهاته العسكرية من عدمه قبل النشر، ولكن ستظل النتائج غير محسومة سريعا، مع تعدد الأهداف والسيناريوهات والنتائج المحتملة وتداعياتها.. وضع يستوجب التأمل والتقييم لأهميته وخطورته.
أول وأهم الاعتبارات في القراءة والاستعداد لما هو قادم هو تحديد الهدف من التصعيد، والحراك العسكري الذي نفذ حتى الآن وما يتبعه، إذ تشير مصادر أمريكية إلى أن الهدف هو قيام إيران بالاستجابة لصفقة نووية جديدة، بما يعني فى الأساس وقف التخصيب وتطبيق ضمانات التفتيش على المرافق النووية، ولا يستبعد أن يضاف إلى ذلك أيضًا الحد من ومنع تطوير قدراتها الباليستية، في حين يلاحظ أن آخرين بمن فيهم المستشار الألماني يتحدثون عن قرب نهاية النظام الإيراني، وأن الاتحاد الأوروبي صعد ضد الحرس الثوري الإيراني وأعلنه منظمة إرهابية، مما جعل المتطلبات تتجاوز العنصر العسكري وتشمل الاستقرار والتوجه السياسي للنظام.
توجهات تشكلت من قبل عدة مراكز قوة إيرانية لها مواقف داخلية وخارجية مختلفة، كما أن هناك تطلعات إسرائيلية تشمل كل هذه المطالب العسكرية والسياسية فضلًا عن إنهاء الانتشار الإيراني الشرق أوسطي، واقترب الرئيس ترامب من مطالب التغيير السياسي والإقليمى أخيرا دون أن يتبناها كلية عندما نوه بأن اختيار المالكي رئيسا لوزراء العراق سيعكس تنامي مرفوض في النفوذ الإيراني الإقليمي.
تساؤلات وأهداف عديدة لكل منها سيناريوهات واحتمالات ونتائج متشعبة وردود فعل مختلفة محتملة من إيران وعلى ساحتها، ولن يحسم أي منها على المدى القصير لتشعب وتنوع الساحة الإيرانية، وصعوبة الوصول إلى تقدير دقيق لتداعيات أي تغيير على مؤسسات ومصالح إيرانية مجتمعية متنوعة. أسهل الخطوات عملياتيا هي سعي الولايات المتحدة لإضعاف النظام دون تغييره بعمليات عسكرية محدودة، وتستهدف ما تبقى من البرنامج النووي ومراكز تخزين وإطلاق الصواريخ، وهو الحد الأدنى في الطموحات الأمريكية المعلنة، إنما قد تستهدف العمليات أيضا معسكرات الحرس الثوري الإيراني باعتبارها العمود الفقري للنظام الإيراني، على أمل خلق زخم سياسي نحو الديمقراطية وإنهاء النظام القائم، أو على الأقل إضعاف النظام الإيراني وجعله يعدل سياساته وطموحاته، وهو أمر يتطلب تغير أيدولوجية النظام وعلى وجه الخصوص الحرس الثوري.
ومن الاحتمالات الأخرى للعمليات العسكرية المحدودة والهادفة لمواقع محددة وفقا للأهداف الأمريكية انهيار النظام الإيراني الديني، واستبداله بحكومة عسكرية قوية من الحرس الثوري الإيراني، حفاظا على استقرار إيران، وإنما لن تطمئن الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى هذه النتيجة سريعا نظرا لتشدد الحرس الوطني وارتباطه بالنظام الإيراني الحالي، كما قد لا يرتاح له عدد من دول المنطقة.
لا يختلف أحد على أن القدرات الإيرانية العسكرية لا تواكب القدرات الأمريكية أو الإسرائيلية، مهما كانت قد استعادت من قدراتها عقب استهداف برنامجها النووي، ولا تحظى التهديدات الإيرانية بأنها على جميع الاستعداد لرد فعل عسكرى عنيف بمصداقية أو تشكل تهديدا حقيقيا، إنما هناك قلق حقيقي من حجم الخسائر المحتملة إذا استهدفت إيران بكفاءة معسكرات وقواعد أو سفن أمريكية بالخليج، هذا وقد تستهدف إيران المصالح الأمريكية والخليجية عامة بدلا من الأهداف العسكرية، من خلال وضع الألغام في مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يقرب من ربع صادرات الغاز الطبيعي ومنتجاته، أو استهداف بعض المرافق الاقتصادية.
وفضلا عن تداعيات العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران هناك قلق بالغ لدى عدد من الدول الخليجية والإقليمية من انهيار النظام الإيراني، ودخول إيران في حرب أهلية على غرار دول أخرى بالمنطقة، خشية تفاقمها بنزاعات طائفية وعرقية متعددة بين الأكراد والبلوشيين وأقليات أخرى تأمينا لمصالحهم في الفضاء السياسي، وتمتد عبر الحدود المجاورة.
هذا ويتابع المجتمع الدولي عامة الأحداث باهتمام وقلق، ومن زوايا مختلفة، فعدم استقرار إيران يثير تساؤلات حول استقرار مصادر الطاقة وأسعارها، وهو اهتمام كبير من الصين، التي وقعت اتفاقات طويلة الأجل مع إيران في الآونة الأخيرة، كما تتابع روسيا الأحداث عن قرب أيضا باعتبار إيران داعم لموقفها من أوكرانيا، وأتوقع أن تندد الصين وروسيا بأية عمليات عسكرية، مع تجنب أي اشتباك عسكري مع الولايات المتحدة أو إسرائيل في الساحة الإيرانية.
كما أن هناك متابعة وقلق واسع على المستويين الإقليمي والدولي من تنامي استخدام القوة في العلاقات الدولية بشكل انفرادي وخارج إطار الأمم المتحدة، فإقليميا في الشرق الأوسط وعالميا، يفتح ذلك الباب أمام هيمنة أطراف على آخرين وعسكرة العلاقات بين الدول، مما يدفع الأغلبية نحو زيادة عنصر العسكرة المحتملة في حساباتهم، ويدفع بسباق تسلح مكلف ومدمر على حساب توجيه الموارد نحو التنمية، وممارسة الضغوط بدلا من التحاور عامة وحتى بين الحلفاء، وأحدث الأمثلة فرض الولايات المتحدة جمارك إضافية على صادرات أي دولة تخالفها في الرأي، والخلافات التي نشبت بينها وبين حلفائها أعضاء حلف الشمال الأطلنطي حول غرينلاند.
مع كتابة هذه السطور من الصعب الجزم بأن العمليات العسكرية حتمية، أو أن تكلفتها الباهظة تجعلها مستبعدة، نظرا للأسلوب التفاوضي الصدامي للرئيس الأمريكي وميله للمبالغة والمفاجئات، ولارتفاع تكلفة المطالب الأمريكية والإسرائيلية على النظام الإيراني، وإنما أعتقد أن التصعيد العسكري الأمريكي وصل إلى مستوى يجعل من الصعب على ترامب التراجع دون تحقيق إنجاز حقيقي.
في نفس الوقت كلما امتد الوقت ارتفعت المطالب من إيران، وجعلتها قضايا وخيارات وجودية للنظام الإيراني يصعب التجاوب معها، مما جعل النظام يضع خططًا مختلفة للحفاظ على النظام حتى إذا استهدفت قياداته، مما يزيد من احتمالات المواجهة لاعتبارات جيوسياسية أو لمجرد الحفاظ على ماء الوجه الأمريكي أو الإيراني، علما بأن هناك خيارًا آخر احتمالات تحقيقه غير مرتفعة وهو انسحاب رموز النظام الإيراني من الساحة واستبدال قياداتها ببعض الشخصيات صاحبة المصداقية والمحتجزين في السجون الإيرانية. أيًا كان القرار بالضرب أو التراجع ستكون هناك تداعيات حقيقية على أطراف المعادلة وعلى النظام الدولي وقواعده وآلياته، وربنا يستر على الشرق الأوسط.
(الشروق المصرية)

