فلسطين... القضية والبوصلة

الإبادَةُ الثَّقافيةُ مُمارَسَةٌ صُهيونِيَّةٌ ثابِتَة!

تَتَمَثَّلُ الفِكْرَةُ الأَساسِيَّةُ لِلفَلْسَفَةِ الِاسْتِعْمارِيَّةِ في نَظَرِيَّةِ التَّفَوُّقِ العِرْقِيّ، وَالتَّعامُلِ مَعَ الشُّعوبِ غَيْرِ الأوروبِّيَّةِ بِوَصْفِها كائِناتٍ أَدْنى دونَ مَرْتَبَةِ البَشَر. لِذا بَرَّرَتِ القُوى الِاسْتِعْمارِيَّةُ سَيْطَرَتَها وَمُمارَساتِها تَحْتَ شِعارِ "نَشْرِ الحَضارَةِ وَالتَّمَدُّنِ وَتَعْميرِ الأَرْضِ" التي يَفْتَقِدُ سُكّانُها الأَصْلِيّون، حَسَبَ زَعْمِها، لِلثَّقافَةِ وَالتّاريخ!.

الإبادَةُ الثَّقافيةُ مُمارَسَةٌ صُهيونِيَّةٌ ثابِتَة!

تَلَقَّفَتِ الحَرَكَةُ الصُّهيونِيَّة، بِصِفَتِها وَريثَةً شَرْعِيَّةً وَتَطْبيقًا مُتَأَخِّرًا لِهَذِهِ المَنْظومَةِ الكولونِيالِيَّة، هَذِهِ الميتافيزيقا وَصَهَرَتْها في شِعارِها التَّأْسيسِيّ: "فِلَسْطينُ أَرْضٌ بِلا شَعْب، لِشَعْبٍ بِلا أَرْض". وَلَمْ يَكُنْ هَذا الشِّعارُ مُجَرَّدَ تَعْبيرٍ عَنْ جَهْلٍ جُغْرافِيٍّ بِالطَّبيعَةِ الدّيموغْرافِيَّةِ لِفِلَسْطين، بَل كانَ يُمارِسُ "نَفْيًا وُجودِيًّا وَمَعْرِفِيًّا صَريحًا" لِلشَّعْبِ الفِلَسْطينِيِّ على أَرْضِهِ وَالتَّعامُلَ مَعَهُ كَـ"عَدَمٍ رَمْزِيّ". وَفي هَذا السِّياق، كانَتِ المَجازِرُ التَّأْسيسِيَّةُ (دَيْرِ ياسين، وَقِبْيَة، وَكَفْرُ قاسِم...) تَسْتَهْدِفُ إِحْداثَ صَدْمَةٍ سيكولوجِيَّةٍ وَمادِّيَّةٍ لِإِشاعَةِ الخَوْفِ وَالهَلَعِ لِدَفْعِ السُّكّانِ نَحْوَ التَّرْحيلِ القَسْرِيّ، الأَمْرَ الذي أَقَرَّهُ بَعْضُ "المُؤَرِّخينَ الجُدُدِ" في إِسْرائيل، مُعْتَبِرينَ أَنَّ ما جَرى سَنَةَ 1948 لَمْ يَكُنْ حَرْبًا دِفاعِيَّة، بَل خُطَّةُ تَطْهيرٍ عِرْقِيٍّ مُمَنْهَجَةٌ وَمُبَيَّتَةٌ لِتَفْريغِ الحَيِّزِ الجُغْرافِيّ.

الذاكرة الجماعية هي الخزّان الذي يعيد إنتاج المقاومة

وَإِذا كانَ هَدَفُ الإِبادَةِ البَشَرِيَّةِ اسْتِئْصالَ الجَسَدِ الفيزْيائِيِّ لِلضَّحِيَّة، فَإِنَّ الإِبادَةَ الثَّقافِيَّة، أَوْ ما يُعْرَفُ بِـ"مَحْوِ الذّاكِرَة"، تَسْعى إلى تَصْفِيَةِ "الجَسَدِ الرَّمْزِيّ" وَ"الذّاتِ الحَضارِيَّةِ" لِلمُجْتَمَعِ الفِلَسْطينِيّ. وَيُدْرِكُ الِاحْتِلالُ الِاسْتيطانِيّ، بِطَبيعَتِهِ الإِحْلالِيَّة، أَنَّ القَضاءَ على النُّخْبَةِ السِّياسِيَّةِ أَوْ طَرْدَ الكُتْلَةِ البَشَرِيَّةِ لا يَحْسِمُ الصِّراعَ تاريخِيًّا، طالَما أَنَّ الذّاكِرَةَ الجَماعِيَّةَ تَظَلُّ حَيَّة، بِاعْتِبارِ أَنَّ الذّاكِرَةَ هِيَ الخَزّانُ الذي يُعيدُ إِنْتاجَ المُقاوَمَةِ وَيَمْنَحُ الشَّرْعِيَّةَ لِلأَجْيالِ القادِمَة. وَبِناءً على ذَلِك، يُصْبِحُ التَّدْميرُ المُتَعَمَّدُ لِلثَّقافَةِ المادِّيَّةِ وَاللّامادِّيَّةِ رَكيزَةً مُوازِيَةً وَمُكَمِّلَةً لِإِبادَةِ البَشَر، وَتَتَّخِذُ هَذِهِ الِاسْتراتيجِيَّةُ مَساراتٍ مُتَعَدِّدَةً مِنْها:

مُصادَرَةُ وَثائِقِ الشَّعْبِ الفِلَسْطينِيِّ وَمَخْطوطاتِهِ وَصُوَرِه: تَجَسَّدَ ذَلِكَ خِلالَ المَرْحَلَةِ المُمتَدَّةِ بَيْنَ سَنَتَيْ 1948 وَ1967، إِذْ قامَتِ المُؤَسَّساتُ الإِسْرائيليَّةُ الرَّسْمِيَّةُ بِعَمَلِيّاتِ نَهْبٍ واسِعَةٍ لِمَكْتَباتِ العائِلاتِ الفِلَسْطينِيَّة، وَالكُتّاب، وَالأُدَباء، وَالمَدارِس، وَالكَنائِس، وَالهَيْئاتِ العامَّة. وَتَجَلَّتِ الذُّرْوَةُ الرَّمْزِيَّةُ لِعَمَلِيّاتِ القَرْصَنَةِ هذِهِ في اقْتِحامِ بَيْروتَ سَنَةَ 1982 وَنَهْبِ مُحْتَوَياتِ "مَرْكَزِ الأَبْحاثِ الفِلَسْطينِيّ"، وَذَلِكَ في مُحاوَلَةٍ واعِيَةٍ لإِلْغاءِ أَدِلَّةِ الوُجودِ المادِّيِّ لِلضَّحِيَّة، وَحِرْمانِها مِنْ "الحَقِّ في إِنْتاجِ رِوايَتِها الخاصَّة"، لِيُصْبِحَ المُحْتَلُّ المالِكَ الوَحيدَ لِلأَرْشيف، وَبِالتّالي المالِكَ الحَصْرِيَّ لِلحَقيقَةِ التّاريخِيَّة.

التَّطْهيرُ اللُّغَوِيُّ وَالمَكانِيّ: إذْ عَمَدَتْ سُلُطاتُ الاحْتِلالِ إِلى إِعادَةِ صِياغَةِ الخَرائِطِ وَالتَّقاريرِ وَالكُتُبِ الرَّسْمِيَّةِ عَبْرَ "عَبْرَنَةِ وَتَهْويدِ" أَسْماءِ القُرى وَالمُدُنِ وَالمَعالِمِ الفِلَسْطينِيَّة، بِهَدَفِ نَسْفِ الرّابِطِ الرَّمْزِيِّ وَالتّاريخِيِّ وَالنَّفْسِيِّ الَّذي يَرْبِطُ الفِلَسْطينِيَّ بِأَرْضِه، وَإِعادَةِ صِياغَةِ المَكانِ لِيوحِيَ لِلمُسْتَوْطِنِ الجَديدِ وَلِلمُراقِبِ الخارِجِيِّ بِأَنَّ هذِهِ الأَرْضَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا تَنْطِقُ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَةِ المُسْتَعْمِر.

الانْتِحالُ وَالسَّرِقَةُ الثَّقافِيَّة: تَنْتَقِلُ الإِبادَةُ الثَّقافِيَّةُ في السِّياقِ الصُّهيونِيِّ مِنْ طَوْرِ "التَّدْميرِ العَنيفِ" إِلى طَوْرِ "السَّطْوِ وَالاتِّشاحِ بِثَوْبِ الضَّحِيَّة"، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ في سَرِقَةِ عَناصِرِ الهُوِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ وَنَسْبِها لِلمَشْروعِ الصُّهيونِيّ، وَمِنْها التُّراثُ الغِذائِيّ، مِنْ ذَلِكَ سَرِقَةُ نَوْعِيَّةِ الأَطْباقِ الشَّعْبِيَّةِ العَريقَةِ كَـ"الفَلافِلِ" وَ"الحُمُّصِ" وَتَقْديمُها في المَحافِلِ الدَّوْلِيَّةِ بِوَصْفِها "أَطْباقًا قَوْمِيَّةً إِسْرائيلِيَّة".

الهُوِيَّةُ البَصَرِيَّة: وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ سَرِقَةِ نُقوشِ التَّطْريزِ الفِلَسْطينِيِّ العَريقِ وَتَوْظيفِها في الأَزْياءِ وَالمُجَوْهَرات، وَتَسْويقِها كَجُزْءٍ مِنَ الميراثِ التّاريخِيِّ اليَهودِيّ.

هذا الكيان يعيش في حالة رعب وجودي من "الذاكرة الفلسطينية"

أَمّا الطَّوْرُ الأَقْصى لِهذِهِ المُمارَسَةِ فَيَتَمَثَّلُ في الإِبادَةِ المَعْرِفِيَّةِ وَالشَّواهِدِ الحَضارِيَّةِ التي قامَ بِها مَغولُ العَصْرِ في غَزَّة. حَيْثُ التَقَتْ إِبادَةُ البَشَرِ مَعَ تَدْميرِ الشَّواهِدِ الحَضارِيَّةِ في أَضْخَمِ عَمَلِيَّةِ سَحْقٍ نَسَقِيٍّ تَشْهَدُها الأَلفِيَّةُ الجَديدَة. فَعِنْدَما اصْطَدَمَتِ الاسْتراتيجِيَّةُ العَسْكَرِيَّةُ بِجِدارِ "الصُّمودِ الفِكْرِيِّ وَالمادِّيِّ" لِلسُّكّانِ الذينَ رَفَضوا مُغادَرَةَ أَرْضِهِمْ على الرَّغْمِ مِنْ سِياساتِ التَّجْويعِ وَالتَّعْطيشِ وَالمَجازِرِ المُرَوِّعَة، انْتَقَلَتْ آلَةُ الحَرْبِ إِلى تَدْميرِ شُروطِ إِمْكانِيَّةِ اسْتِمْرارِ الحَياةِ الثَّقافِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ ذاتِها، فَتَمَّ اسْتِهْدافُ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ لِلحَضارَةِ وَالتّاريخِ عَبْرَ تَدْميرِ مِئاتِ المَواقِعِ الأَثَرِيَّةِ وَالمَباني التّاريخِيَّةِ التي يَعودُ تاريخُها إِلى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عام، وَلَمْ تَسْلَمِ الرُّموزُ الدّينِيَّةُ التي تُشَكِّلُ هَرَمَ الهُوِيَّةِ الرّوحِيَّة (مَساجِدُ وَكَنائِسُ أَثَرِيَّة)، إِلى جانِبِ قَصْفِ وَتَدْميرِ الجامِعات، وَالمَكْتَبات، وَالمَتاحِفِ التي تَضُمُّ آلافَ القِطَعِ التُّراثِيَّةِ وَالمَخْطوطاتِ النّادِرَة.

تَزامَنَ كُلُّ ذَلِكَ مَعَ "إِبادَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ" مُمَنْهَجَة، تَمَثَّلَتْ في هَدْمِ مَنْظوماتِ إِنْتاجِ المَعْرِفَةِ وَاغْتِيالِ عُقولِها؛ مِنْ خِلالِ القَتْلِ المُتَعَمَّدِ لِمِئاتِ العُلَماء، وَالأَكاديمِيّين، وَرُؤَساءِ الجامِعات، وَالباحِثين، وَالصُّحُفِيِّين، وَالكُتّابِ وَالأُدَباءِ وَالأَطِبّاء. وَكانَ الهَدَفُ مِنْ وَراءِ ذَلِكَ هُوَ "قَطْعُ الرَّأْسِ المَعْرِفِيّ" لِلمُجْتَمَعِ الفِلَسْطينِيّ، وَتَحْويلُهُ إِلى مُجْتَمَعٍ مُصابٍ بِالعَمى المَعْرِفِيّ، وَغَيْرِ قادِرٍ على تَوْثيقِ جِراحِهِ أَوْ إِنْتاجِ مَعْرِفَتِه، ما يُسَهِّلُ عَمَلِيَّةَ ابْتِلاعِهِ وَتَطْويعِه.

الثقافة الفلسطينية خطّ الدفاع الوجودي الأخير

تَتَكَشَّفُ الإِبادَةُ الثَّقافِيَّةُ الصُّهيونِيَّة، بِجَميعِ مُسْتَوَياتِها المادِّيَّةِ وَاللّامادِّيَّة، عَنْ مُفارَقَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ حادَّةٍ وَاعْتِرافٍ باطِنِيٍّ بِالهَزيمَة. فَالحاجَةُ البُنْيَوِيَّةُ المُلِحَّةُ التي تَدْفَعُ دَوْلَةً تَمْتَلِكُ تُرْسانَةً عَسْكَرِيَّةً نَوَوِيَّةً وَتِكْنولوجْيا فائِقَةً إِلى مُطارَدَةِ طَبَقِ فَلافِل، أَوْ ثَوْبٍ مُطَرَّز، أَوْ قَصْفِ مِئْذَنَةٍ أَثَرِيَّة، أَوْ مُلاحَقَةِ قَصيدَةِ شاعِر، تُثْبِتُ أَنَّ هذا الكِيانَ يَعيشُ في حالَةِ رُعْبٍ وُجودِيٍّ مُسْتَمِرٍّ مِنْ "الذّاكِرَةِ الفِلَسْطينِيَّة".

التُّراثُ وَالذّاكِرَةُ وَالتّاريخُ في فِلَسْطينَ لَيْسَتْ عَناصِرَ ماضَوِيَّةً مَيِّتَة، بَل هِيَ مُحَرِّكاتٌ حَيَّةٌ لِلوُجودِ اليَوْمِيّ، يَتَوارَثُها الوَعْيُ الجَمْعِيُّ كَحَقٍّ وُجودِيٍّ وَمُكْتَسَبٍ مِنَ الأَرْضِ وَالتُّراب، وَهُوَ ما يَعْجِزُ "الوَعْدُ الإيدْيولوجِيُّ المُصْطَنَعُ" لِلمُحْتَلِّ عَنْ إِلغائِهِ أَوْ مُجاراتِه؛ لِتَظَلَّ الثَّقافَةُ الفِلَسْطينِيَّة، على الرَّغْمِ مِنَ الإِبادَةِ المادِّيَّة، بِرُموزِها المادِّيَّةِ وَاللّامادِّيَّةِ خَطَّ الدِّفاعِ الوُجودِيِّ الأَخيرِ الذي يَرْفُضُ العَدَمَ وَيُؤَكِّدُ الحُضور.



(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن