صحافة

"المشهد اليوم".. مُفاوَضاتُ روما تَتَواصَل وَتَوْبيخٌ حُكومِيٌّ لِـ"حِزبِ اللّه"!واشنطن تَتَحَدَّثُ عَن "تَقَدُّم" في مُفاوَضاتِ "هُرْمُز"... وتَشْيِيعُ "أكبَرِ جنازَةٍ" في تاريخِ قِطاعِ غَزَّة


فلسطينيون يشيعون جثامين 112 شخصاً من عشيرة واحدة بشرق مدينة غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

على وقعِ التعقيداتِ التي ترافقُ المباحثات بين واشنطنَ وطهران، وحصرها في الفترةِ الراهنةِ في مضيقِ هُرمزَ وكيفية إعادةِ فتحه بشكلٍ كاملٍ أمام حركةِ العبور، برزت "مفاوضاتُ روما 2" التي انعقدَت بينَ لبنانَ وإسرائيل برعايةٍ أميركيّة. لكن هذه المفاوضات لم تحقق نتائجَ ملموسةً مع تعنّت إسرائيل وتمسّكهَا برفضِ الانسحابِ من أيِّ مناطقَ تجريبيةٍ جديدةٍ، فضلًا عن ربطِهَا المستمرِ بين هذا الانسحاب وسلاح "حزب الله"، تمامًا كما تجري الأمور في قطاعِ غزّة، بعد نجاحِ تلّ أبيب في إقناعِ القائمين على "مجلسِ السلام" بالانقلابِ على الاتفاقِ المُبرم. وبالتالي، عادت الأمورُ إلى "المربعِ صفرْ"، وتُرِكَ القطاعُ من دون أيِّ حلولٍ عمليّةٍ تتعلقُ بوقف النارِ وإعادةِ الإعمار. وتستفيدُ حكومةُ اليمين المتطرفِ من حالةِ التساهلِ الأميركي، إذ تقتصرُ الضغوطُ التي تُمارسُهَا واشنطنُ على محاولاتِ التأثير في رئيسِ الحكومةِ بنيامين نتنياهو، من دون ممارسة ضغطٍ فعليٍ يُجبرهُ على الالتزامِ بالتفاهماتِ القائمة.

وباتت خروقاتُ وقفِ إطلاقِ النارِ، وتجريفُ الأراضي، وإحراقُ المنازل، وتدميرُ البنى التحتية، مشاهدَ يوميةً في بلدات وقرى الجنوب، فيما تسابقُ الحكومةُ الزمن، وتسعَى عبر تحركاتِهَا الدبلوماسيةِ إلى تأمينِ مظلةِ دعمٍ دوليةٍ، لعلّها تنجحُ في كبحِ جماحِ إسرائيل والحدِّ من انتهاكاتِها. لكن، على الرغمِ من ذلك، لا تزالُ تتعرّضُ لـ"نيرانِ" "حزبِ الله" العاليةِ السقف، بما يؤكدُ أن "شدَّ الحبالِ" مستمرٌ بين الأطرافِ المعنيةِ، في ظلِّ غيابِ أيِّ محاولاتٍ لرأبِ الصدع. فخرجَ الأمينُ العام للحزبِ نعيم قاسم، أمسِ الثلاثاء، ليهاجمَ رئيسَ الجمهوريةِ جوزاف عون واتَهَمَهُ بأنه "أصبحَ طرفًا ومُفرّقًا وهذا لا ينسجمُ مع دوره"، مكررًا رفضَ المسارِ التفاوضي المباشرِ الذي، بحسبِ تعبيره، "لم يجلب إلى لبنانَ إلّا العار والذل والخيبة والتنازلاتِ المتتالية". وإذ دعَا قاسم إلى "فتحِ بابِ الحوارِ مع المقاومةِ وترميمِ الوضعِ الداخليّ وتأكيدِ الاهتمامِ بالسيادةِ الوطنية لتحقيقِ انسحابِ إسرائيل"، جَزَمَ بأن "مسارَ مذكّرةِ التفاهمِ الإيرانيّةِ سيُحقِّقُ الانسحابَ الإسرائيليّ". لكن اللافتَ في كلامِ قاسم، الذي جاءَ  في ختامِ مسيرةِ أربعين الإمامِ الحسين في بعلبك، كان دعوتُهُ الصريحة إلى لقاءٍ يَجمعُ "حزب الله" بالقيادةِ السوريةِ "في الوقتِ المناسبِ وبتقديرِ الطرفين". كما شدّدَ على أن "سوريا المستقرّةَ سندٌ للبنان، كما أن لبنانَ المستقر سندٌ لسوريا"، في إشارةٍ إلى ترابطِ الأوضاعِ السياسيّةِ والأمنيّةِ بين البلدين.

وتحملُ هذه الرسالةُ الكثيرَ من الدلالاتِ والعبر، خصوصًا أن الحزبَ نفسه ورّطَ البلادَ والعبادَ في الحربِ السورية، نصرةً لرئيسِهَا المخلوعِ بشار الأسد وتلبيةً لأوامرِ طهران. لكنه اليوم، وبعدَ سنواتٍ طوالٍ من التشظي في العلاقاتِ بين البلدين الجارين، يسعَى إلى فتحِ صفحةٍ جديدةٍ انطلاقًا من التغيراتِ الجاريةِ في المنطقةِ، بعدما شكّلَ سقوطُ نظام الأسد ضربةً قويةً للنظامِ الإيرانيّ. كما أن الحزبَ يسيرُ وفقَ المعادلةِ عينِهَا التي تختصرُهَا عبارةُ "لو كنت أعلم"، بعدما دفعَ بعشراتِ الشبانِ اللبنانيينَ وضحّى بهم في حربٍ لا تمتُّ إلى القضيةِ اللبنانيّة بصلةٍ، في ظلَّ انفرادِهِ، كما هو الحال اليوم، بقرارِ الحربِ والسلم. واستدعَت مواقفُ نعيم قاسم، لا سيّما ما يتعلقٌ منها بخطواتِ الحكومةِ اللبنانيّةِ موقفًا حازمًا و"ناريًا" من رئيسِ مجلسِ الوزراءِ نواف سلام. فقال سلام: "يطلُّ علينا اليوم من يتهمُ السلطةَ السياسيةَ بأنّها كانت عونًا لإسرائيلَ، بدلَ أن تكون عونًا لسيادةِ لبنانَ، ثمّ يدعو إلى الحوارِ والوحدةِ، وكأنّ اللبنانيّينَ بلا ذاكرة". وأضافَ أن "الحقيقةَ أنّ العونَ الأكبرَ لإسرائيل قدّمَهُ مَن تَفَرَّدَ بإدخالِ لبنانَ في مغامراتِ حروبِ إسنادٍ عبثيّةٍ، ومَنَحَهَا الذرائعَ للاعتداءِ على بلدنا، ودوسِ سيادتِهِ، وتدميرِ مدنِهِ وقراه، وقتلِ أبنائِهِ، وتهجير مئات الآلاف من الأشخاص". واعتبر أن "مَن تفرّدَ بقرارِ الحربِ، ويحاولُ الاستمرارَ في مصادرةِ قرارِ الدولةِ وربطِ لبنانَ بحساباتٍ ومحاورَ خارجيّةٍ، متجاهلًا مصالحَ بيئته واللبنانيّينَ عمومًا، لا يملك أن يوزّعَ شهاداتٍ في الوطنيةِ، ناهيكم بالسيادة". وتزامنَ هذا السجالُ الداخلي العالي اللهجةِ مع الجولةِ السابعةِ من المباحثاتِ بين لبنانَ وإسرائيل المنعقدةِ في روما، والتي انقسمَت إلى مسارينِ سياسيٍّ وعسكريّ. وتناولَ المسارُ الأولُ قضيةَ الحدودِ، فيما ركزَ المسارُ الثاني على آليةِ التحققِ من تنفيذِ الترتيباتِ الأمنيّةِ، وفقَ ما نقلته "وكالةُ الأناضول" عن مصدرٍ دبلوماسيٍّ لبنانيّ.

من جهتِهِ، أوضحَ المتحدثُ باسمِ الخارجيةِ الأميركيّةِ تومي بيغوت، أن المفاوضات تناولَت تعزيزَ تنفيذِ "اتفاقِ الإطارِ"، بما يشملُ آليةَ المناطقِ التجريبيةِ، والتحقق من نزعِ سلاحِ "حزبِ الله" وغيرِهِ من التهديداتِ الأمنيّةِ المرتبطةِ بإيران. بالإضافةِ إلى إعادةِ انتشارِ القواتِ الإسرائيليّةِ من جنوبِ لبنانَ، تمهيدًا لوضعِ أسسِ اتفاقٍ شاملٍ للأمنِ والسلامِ بين الجانبين. وكانت معلوماتٌ صحفيةٌ أشارت إلى أن لبنانَ طرحَ أن تشملَ "المناطقُ التجريبيّة" الجديدة مدينتي بنت جبيل والخيام جنوبَ لبنان لما لهمَا من "رمزيةٍ"، ما يعني حصولَ لبنانَ على مكسبٍ أساسيٍّ، يسهّلُ عليه الانتقالَ إلى مراحل أخرى من تطبيقِ بنودِ الاتفاقِ، لكن من دونِ الحصولِ على موقفٍ إسرائيليٍّ حاسمٍ في هذا الاتجاه. وبالتوازي مع هذا المطلب، يسعَى لبنانُ إلى وقفِ التفجيراتِ والانتهاكاتِ الإسرائيليةِ، لا سيما أن الوفدَ العسكريّ قدّمَ تقريرًا مفصلًا في هذا الشأن، حمّلَ فيه تلّ أبيب مسؤوليةَ عرقلةِ تنفيذِ الجيشِ اللبنانيِّ والقوى الأمنيةِ الشرعيةِ لمهامها. وفي انتظارِ ما ستسفرُ عنه اجتماعات روما اليوم وغدًا، من دون التعويلِ على تحقيقِ خروقاتٍ كبيرةٍ، تواصلُ إسرائيلُ محاولاتِهَا لتثبيتِ وجودِهَا في المناطقِ المحتلةِ وتحويلِهِ إلى احتلالٍ طويلِ الأمد. وفي هذا السياقِ، كشفت صحيفةُ "هآرتس" الإسرائيليّة، استنادًا إلى تحليلِ صورِ أقمارٍ اصطناعيّةٍ، أن جيشَ الاحتلالِ أَنشأَ سبعَ قواعد عسكريّة جديدة على الأقلّ في جنوبِ لبنانَ، وشقَّ عشراتِ الكيلومتراتِ من الطرقِ اللوجستيّةِ والعسكريّة. ولفتت الصحيفةُ إلى أن هذه القواعدَ الجديدةَ لم تُنشأْ في أراضٍ خاليةٍ فحسب، بل أُقيمَ بعضُهَا داخلَ بلداتٍ ومواقعَ مدنيّةٍ تعرّضَت للهدمِ والتجريف. وأبرزُ ما كشفَهُ تقريرُ الصحيفةِ، هو إنشاءُ قاعدةٍ عسكريّةٍ إسرائيليّةٍ على أنقاضِ معتقلِ الخيام، بعدما هدمَ العدو ما تبقَّى من أبنيتِهِ وسوَّى الموقعَ بالأرض.

وتتزامنُ هذه الاستباحةُ الكاملةُ مع استمرارِ العملياتِ العسكريةِ، فقَصَفَ الاحتلالُ النبطية الفوقا وزوطر الشرقية بالمدفعيةِ، فيما سُمِعَت أصواتُ تفجيراتٍ ضخمةٍ في بلدةِ حداثا وعندَ أطرفِ المنصوري في قضاءِ صور. كما أضرمَت القواتُ الإسرائيليّةُ النيرانَ في الثروةِ الحرجيّةِ في وادي السلوقي وأطرافِ بلدةِ حولا، ما أدَى إلى اندلاعِ حرائق واسعةٍ في المنطقة. وتتفلّتُ إسرائيلُ من جميعِ الضوابطِ، مختلقةً الحججَ والأعذارَ لاستكمالِ حربِهَا التدميريةِ، في حينَ تشهدُ التطوراتُ الأميركيّةُ – الإيرانيّةُ المزيدَ من التدهورِ، من دونِ بروزِ أيِّ معطياتٍ على قربِ التوصلِ إلى اتفاقٍ، على الرغمِ من الوساطاتِ الجاريةِ على أكثرِ من صعيد. وتتزايدُ الضغوطُ على الرئيسِ الأميركيّ دونالد ترامب في ظلِّ انتقالِهِ المتكرّرِ بين التهديدِ بهجماتٍ واسعةٍ، وإعلانِ قربِ التوصلِ إلى تسويةٍ جديدةٍ، ثم تعليقِ العملياتِ العسكريةِ لإفساحِ المجال أمامَ المفاوضات، قبلَ العودة مجددًا إلى لغةِ التهديدِ والوعيد. وترَى تحليلاتٌ نشرَتهَا صحفٌ وشبكاتٌ أميركيّةٌ وبريطانيّةٌ أن ترامب باتَ أمامَ ثلاثة خياراتٍ صعبةٍ: مواصلةُ حربِ استنزافٍ غير محسومةٍ، أو تصعيدٌ قد يخرجُ عن السيطرةِ، أو قبولُ تسويةٍ لا تحقّقُ جميعَ الشروطِ التي أعلنتهَا إدارته. بالتزامنِ، أعلنَ وزيرُ الخارجيةِ الأميركيِّ ماركو روبيو أن المحادثاتِ الجاريةَ بينَ عُمان وإيرانَ بشأنِ تسهيلِ الملاحةِ عبر مضيقِ هُرمزَ أحرزت "تقدمًا"، لكن من دونِ التوصلِ بعد إلى اتفاقٍ نهائيّ. فيمَا لفتَ وزيرُ الخزانةِ الأميركيِّ سكوت بيسنت إلى أن بلادَهُ قد تتوصلُ إلى اتفاقٍ مع إيرانَ، يومَ الثلاثاء أو الأربعاء، لإعادةِ فتحِ المضيقِ والتحركِ نحوَ وضعٍ أكثرَ استقرارًا في النزاعِ، معربًا عن أملِهِ بأن يُسهِمَ ذلكَ في استقرارِ أسعارِ الطاقةِ، بما ينعكسُ بشكلٍ إيجابيٍّ على العالمِ بأسره.

لكن هذا التفاؤلَ الأميركيّ يقابلُهُ، على المقلبِ الآخر، نفيُ طهران وجودَ مباحثاتٍ مباشرةٍ مع الولاياتِ المتحدة، مع حصرِ النقاشاتِ مع سلطنةِ عُمان بشأنِ ممرِّ الملاحةِ في المضيق. إذ كرّرَ المتحدثُ باسمِ الخارجيّةِ الإيرانيّةِ اسماعيل بقائي إشارتَهُ إلى أن ما يجري التفاوضُ بشأنِهِ اليوم يقومُ على تحديدِ ممراتٍ آمنةٍ للدخولِ والخروجِ، تُراعي الحقوقَ السيادية والاعتبارات الأمنيّة لكلٍّ من إيرانَ وعُمان. وأكدَ أن الجانبين يعملان على وضعِ الترتيباتِ المستقبليّةِ لإدارةِ حركةِ الملاحةِ، على أن تُعلنَ نتائجُ المفاوضاتِ بعد استكمالها. من جهتِهِ، قالَ مصدرٌ إيرانيٌّ كبيرٌ مشاركٌ في المحادثاتِ لوكالةِ "رويترز" إن طهرانَ تريدُ السيطرةَ على حركةِ دخولِ السفنِ إلى هذا الممرِ الاستراتيجيِّ، ومراقبة السفنِ المغادرةِ، مع الاحتفاظِ بإمكانِ التدخلِ عند الضرورة، ضمنَ خطةٍ مؤقتةٍ تبحثها الدولتان. وأوضحَ أن السفنَ المغادرةَ ستستخدمُ مسارًا يمرُّ بينَ إيران وعُمان، على أن تمنحَ السلطنةُ تصريحَ الخروجِ بعد إخطارِ طهران. ووصفَ الأمر بالـ"الفكرة العامة التي تخضعُ للنقاشِ حاليًا"، مضيفاً أنه من غير المرجحِ أن تغيّرَ إيرانَ موقفَهَا الحاليّ. في الأثناءِ، أفادَ دبلوماسيون مطلعون لوكالةِ "بلومبرغ" أن طهرانَ تدرسُ السماحَ لدولٍ أوروبيةٍ بالمشاركةِ في إزالةِ الألغامِ من مضيقِ هُرمزَ، في تحوّلٍ مُحتملٍ عن موقفِهَا المُعْلَنِ الرافضِ لأيِّ دورٍ أجنبيٍ في هذه العمليات. وأضافوا أن الخطةَ لا تزالُ قيدَ البحثِ، بينما لم يصدرْ أيُّ تعليقٍ رسميٍّ من وزارةِ الخارجيّةِ الإيرانيّة. وباتَ مضيقُ هُرمزَ أحدَ أبرزِ القضايا المركزيةِ في محاولاتِ إنهاءِ الحربِ، التي دخلَت شهرهَا السادسِ، بشكلٍ يعكسُ مطامعَ "الحرسِ الثوري" ومساعِيهِ في سبيلِ توظيفِ الأوضاعِ الراهنةِ خدمةً لمصالحه.

ودخلت دولٌ عدةٌ على خطِ تهدئةِ الأوضاعِ، فنوّهَ المتحدثُ باسمِ الخارجيةِ القطريةِ ماجد الأنصاري إلى أن جهودَ الوساطةِ ما زالَت مستمرةً مع جميعِ الأطرافِ، مشيرًا إلى أن الاتصالات الدبلوماسيّة وصلت إلى "مراحل متقدمةٍ جدًا". وأضافَ أن الوسطاءَ، ومن بينهم قطر وباكستان وسلطنة عُمان، ينسّقون جهودَهُم بصورةٍ وثيقةٍ لتيسيرِ المفاوضاتِ وتبادلِ مسوداتِ المقترحاتِ بين طرفي النزاع. وفي الإطارِ عينه، تلقَّى أميرُ قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمسِ الثلاثاء، اتصالًا هاتفيًا من ترامب، تناولَ آخرَ التطوراتِ الإقليميّةِ، وفي مقدمتِهَا الجهودُ الراميةُ إلى خفضِ التصعيدِ بينَ الولاياتِ المتحدةِ وإيرانَ، ودفعِ فرصِ التوصلِ إلى تسويةٍ دبلوماسيّةٍ مستدامةٍ للأزمةِ، بما يسهمُ في دعمِ الأمنِ والاستقرارِ على المستويين الإقليميِّ والدولي. وتقودُ الدوحةٌ جهودًا مضنيةً لإعادةِ إحياءِ "مذكرةِ التفاهمِ"، والخروجِ بترتيباتٍ وتفاهماتٍ جديدةٍ تحدُّ من التداعياتِ والخسائر. لكن الأمور تبقَى رهنَ خواتيمِهَا ومدَى قدرة كلّ طرفٍ على التنازلِ عن شروطه، خصوصًا أن النظامَ الإيرانيّ يبدو منقسمًا على نفسِهِ، على الرغمِ من محاولاتِ الطمأنةِ التي سعى الرئيسُ الإيرانيُّ الإصلاحيّ مسعود بزشكيان إلى نشرها. وقالَ بزشكيان إنه لم يستقلْ أو يلوّح بالتنحي، مؤكدًا تمسكِهِ بمنصبِهِ، معتبرًا أن هناكَ جهاتٌ تسعَى إلى إظهارِ وجودِ انقسامٍ بينه وبين المرشدِ مجتبى خامنئي. كما أوضحَ أن "هناكَ من يريدون صنعَ خلافٍ، القيادةُ تقولُ شيئًا وهم يقولون شيئًا آخر، لكن ما هو ظاهرٌ لا يحتاجُ إلى بيان". وجاءَ ردُّ بزشكيان بعد انتشارِ تسجيلٍ للأمينِ العامِ لجماعةِ "حزب الله إيران" في قمّ، محمد باقر خرازي، زعمَ فيه أن الرئيسَ قدّمَ استقالته أو هدّدَ بهَا 28 مرةً منذ توليه الرئاسةَ في عام 2024.

وتتأزمُ ملفاتُ المنطقةِ وسط عجزٍ عن ضبطِ الأمورِ، خصوصًا أن اتفاقَ غزّة يشهدُ المزيدَ من التصدّعِ مع محاولاتِ إسرائيل التلكؤ والمماطلة والتهربِ من الالتزامات. وأشارت هيئةُ البثِّ الإسرائيليّة "كان" إلى أن كبارَ مسؤولي الجيشِ يرفضون تقييدَ أيديهِم في غزّة، ويطالبون بحريةِ العملِ الكاملةِ لإزالةِ التهديداتِ الناشئةِ من القطاع. كما يريدُ الجيشُ الإشرافَ على الأسلحةِ التي ستسلمُهَا "حماس"، ويرفضُ أن يكونَ الأمرُ منوطًا بحكومةِ التكنوقراط التي يُفْتَرَضُ أن تحكمَ القطاع. ويُمثلُ ذلك دعمًا لموقفِ نتنياهو، الذي استطاعَ إقناعَ الممثلِ الأعلى لشؤونِ غزّة لدى "مجلسِ السلام"، نيكولاي ملادينوف، بتغييرِ موقفِهِ السابقِ بعد لقائِهِمَا يوم الاثنين الماضي في القدس. ويأتي هذا الموقفُ مناقضًا لما أعلنته حركةُ "حماس"، التي أكدت أن ترتيبات حصرِ السلاحِ وتخزينه، وفقَ خريطةِ الطريقِ المُعلنة، لن تُنَفَّذَ إلا بعد استكمالِ متطلباتِ المرحلة الأولى من اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النار، فيما تقولُ الحركةُ إن إسرائيلَ لم تلتزم بها، لا سيّما في ما يتعلقُ ببنودِ البروتوكولِ الإنسانيّ. وودّع القطاعُ، أمسِ الثلاثاء، في مشهدٍ مهيبٍ 112 شهيدًا من عائلتي أبو شريعة والحساينة، في جنازةٍ جماعيةٍ تُعدُّ من بين أكبر الجنازاتِ التي شهدَهَا القطاعُ منذُ بدءِ الحربِ، بعد إخراجِ ما تبقَّى من جثامينِهِم التي بقيت تحت الأنقاضِ أكثرَ من عامين ونصف، فيما لم يُعثرْ بعد على 196 شهيدًا آخر.

في الأخبارِ الأخرى، توقّعَ صندوقُ النقدِ الدولي تسارعَ نموِ الاقتصادِ السوريِّ إلى معدلٍ من خانتينِ (10 في المئة أو أكثر) خلالَ عام 2026، واستمرارَ الأداءِ القوي في عام 2027، مدعومًا بتعافي الزراعةِ وزيادةِ إنتاجِ النفطِ والغازِ، وتحسنِ إمداداتِ الكهرباءِ ونموِ التجارةِ والخدمات. لكنّه حذّرَ من أن التعافي لا يزال متفاوتًا بين المناطق، فيما يتسارعُ التضخمُ خلالَ العامِ الجاري، كما لا يزالُ القطاعُ المصرفيُّ "شديدَ الاختلالِ" وغير قادرٍ على أداءِ دورهِ في تمويلِ الاقتصادِ أو نقلِ أثر السياسةِ النقدية. أما على الصعيد الدولي، فألغت إدارةُ ترامب تأشيرةَ سفيرةِ البرازيل لدى الولاياتِ المتحدةِ، ردًا على رفضِ البرازيل منحَ تأشيراتٍ، الشهر الماضي، لاثنينِ من الدبلوماسيينِ الأميركيينِ كانا يسعيانِ إلى زيارةِ البلادِ قبلَ الانتخاباتِ المقبلة.

وفي الآتي، إليكم أبرز ما جاء في الصحف الصادرة اليوم في العالم العربي:

أشارت صحيفة "الدستور" الأردنية إلى أنه "يمكن استخلاص استنتاجات عديدة مما جرى عقب تراجع الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربتها، من أبرزها أن منظومتها الدفاعية باتت تعاني حالة من الإنهاك والتراجع، بعد الضربات المتكررة التي وجّهتها إليها طهران. ويعزّز هذا الاستنتاج أن إيران أصبحت، في الآونة الأخيرة، صاحبة المبادرة في مهاجمة القواعد الأمريكية التي تنطلق منها طائرات التزوّد بالوقود، وهي الطائرات التي لا تستطيع الولايات المتحدة، من دونها، تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد إيران". وأضافت أنه "لم يعد خافيًا على أحد أن الولايات المتحدة لم تعد تتفاوض من موقع قوة، بل باتت تتراجع وهي غارقة في حالة من الإنكار والتخبّط والتردد، وفي محاولات إخفاء خسائرها وتشتيت قواتها. وفي المقابل، حقّقت إيران ما لم يتمكن كثير من خصوم الولايات المتحدة من تحقيقه؛ فلم تعد المنطقة خاضعة بالكامل للنفوذ الأمريكي، بل تحوّلت إلى ساحة نفوذ متنازع عليها".

وقالت صحيفة "الخليج" الإماراتية إنه "لا يوجد أي عاقل في المنطقة والعالم يرغب في استمرار الحرب أو توسيعها، إذ إن تداعياتها ستلحق ضررًا بالجميع بدءًا من إيران ودول الجوار مرورًا بالاقتصاد العالمي، وصولًا إلى الداخل الأمريكي. ولكن، في الوقت نفسه، لم يعد ممكنًا أن يبقى المجتمع الدولي أسيرًا لرغبات دولة واحدة تريد فرض إرادتها على الجميع وفق مقولة "أنا ومن بعدي الطوفان". كما أنه لم يعد ممكنًا الاستمرار في حالة المراوحة والغموض والضبابية، ولا ازدواجية المواقف والتناقضات الناجمة عن الانقسامات الإيرانية الداخلية، ما بين إبداء الرغبة في العودة إلى المفاوضات، ونفيها في آن، على الرغم من استمرارها خلف الكواليس". وأوضحت أن "الدبلوماسية يمكن أن تمنح مرة أو مرتين أو ثلاثة، ولكنها لن تمنح طوال الوقت، في ظل تهديد الاستقرار العالمي، أي أنها لن تسمح بفرض واقع جديد يفضي للسيطرة على مضيق دولي، تمر عبره خمس احتياجات النفط والغاز المسال ويعتبر شريان حياة للتجارة العالمية".

أما صحيفة "البلاد" البحرينية، فاعتبرت أنه "كلما تيقن ملالي طهران بحاجة الولايات المتحدة لهم كعنصر تفاعلي نشط لإحداث تناقضات بالمنطقة في كل متغير عالمي، فإنهم سيستمرون في هذا العبث من التعدي على عواصم الخليج والتجارة العالمية. فهل يعقل أن إيران تتخادم في البعد الاستراتيجي بهذه العنتريات لفتح الطريق أمام الولايات المتحدة لوضع يدها على مضائق المنطقة كهرمز وباب المندب؟". وشددت الصحيفة على أنه "على الولايات المتحدة مسؤولية أمام النظام الدولي والرأي العالمي فيه؛ فهي بدأت الحرب لتأمين السلم الدولي من نووي طهران، وعليها أن تنهيها بالشكل المتسق مع ما اتضح من همجية نظام طهران وطوباوية تفكير نظامها. وفي تقديري، فإن إيران بجغرافيتها الحالية ما عادت صالحة لأن تطل على مضيق حيوي عالمي كهرمز، ولذلك، لزامًا على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إعادة رسم الخرائط الجغرافية للشريط الممتد على طول الخليج العربي من جهته الشرقية وصولاً للمضيق، وإلا فإن أمن الاقتصاد العالمي ونموه سيكونان عرضة للمخاطر في أية لحظة من الزمن".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن