صحافة

"المشهد اليوم"..."حَبْسٌ لِلأنْفاس" مَعَ تَناقُضِ الرِّواياتِ الأميركِيَّةِ والإيرانِيَّة!"مُفاوضاتُ روما 2" تَنطَلِقُ اليوم.. ومِلفُ "قَسَد" ضِمنَ مُباحَثاتِ الشَّرع وبارزاني.. و"مَجلِس السَّلام" يَنقَلِبُ على الاتِّفاق


لافتة تحمل صور المرشد المؤسس الخميني والمرشد السابق علي خامنئي وخليفته ونجله مجتبى بشمال طهران (أ.ب)

بين التهديدِ بالتصعيد العسكري والجهودِ الدبلوماسيّة الراميةِ إلى احتواءِ الصراع المستمر بين واشنطنَ وطهران، يعيشُ العالمُ لحظاتٍ مصيريةً في انتظارِ ما سيؤولُ إليه المسارُ التفاوضيّ، الذي تحدثَ عنه الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب. فهو كشفَ عن "وثيقةٍ جديدةٍ" وضعَهَا في إطارِ "الفرصةِ الأخيرةِ"، على الرغمِ من أن النظامَ الإيرانيّ نفى وجودَ أيِّ محادثاتٍ في الوقتِ الراهن، مكررًا السرديةَ عينها في ما يتعلقُ بشروطِهِ التي يتمسكُ بها. ويُعوقُ هذا التناقضُ التوصلَ إلى اتفاقٍ ويُعرقلُ جهودَ الوسطاء، الذين يحاولونَ تبديدَ الهواجسِ وتقريبِ وجهاتِ النظر، علّهم يفلحونَ في إعادةِ الحدِّ الأدنى من الاستقرارِ، مع تعاظمِ الخسائرِ الاقتصادية وتداعيات الحرب.

فالولايات المتحدة، وفقَ الاستراتيجيّة المُتّبَعَة، تحاولُ ممارسةَ أقصَى الضغوط على إيرانَ لإعادتها إلى الطاولةِ والخروجِ بتسويةٍ أخرى، بعد فشلِ "مذكرةِ التفاهم" وعدمِ صمودِها طويلًا أمام التفسيراتِ المتباينةِ في البنود، وغياب المعالجاتِ الجذريةِ للملفاتِ والقضايا الهامة. لكنها، حتى الساعة، لا تزالُ تفشلُ في دفعِ طهرانَ إلى تقديمِ التنازلات، ما جعلها تبحثُ عن أفكارٍ "مبتكرةٍ وغير تقليديةٍ" لمعاقبتِهَا بعد فشلِ الأساليبِ السابقةِ، بحسبِ ما كشفتهُ شبكةُ "سي إن إن". وأفادت الشبكةُ بأن القيادةَ المركزية الأميركيّة (سنتكوم) طلبت من محللينَ عسكريينَ تقديمَ مقترحاتٍ للتعاملِ مع إيران. وقال المتحدثُ باسم "سنتكوم" الكابتن تيموثي هوكينز، إن القيادةَ "لديها تاريخٌ طويلٌ في التفكيرِ والعمل بطرقٍ مبتكرةٍ"، مضيفًا أن قائدها الأدميرال براد كوبر يستمعُ إلى أعضاءِ فريقه، بغضِ النظرِ عن رُتَبِهِم لتحسينِ الأداء العملياتيّ. ويأتي ذلكَ بعد تراجعِ ترامب عن شنِّ هجومٍ عنيفٍ على إيران، مؤكدًا فتحَ المجالِ أمامَ الحوارِ بعدَ طلبِ عددٍ من الدولِ الخليجيّة ِ وطهران ذلك، لكن من دون أن يظهرَ في الأفق أي مؤشرٍ على إمكانيةِ تحقيق خرقٍ ما، مع تَمَسُّكِ كلّ طرفٍ بخطابه و"خطوطِهِ الحمراء". وعادَ ترامب، أمسِ الاثنين، للحديثِ عن فرصِ التفاوض، معلنًا عن ملامحِ صفقةٍ، ترّكزُ في المرحلةِ الأولى على إعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمزَ "بشكلٍ كاملٍ، ربما بحلولِ الغد". وأضافَ أن المرحلةَ الثانية ستنتقلُ إلى مناقشةِ البرنامجِ النوويِ الإيرانيِّ و"نزعِ القدراتِ النوويةِ"، لكنه استدركَ بالقولِ إن "نزعَ السلاحِ النوويِ سيستغرقُ بعض الوقت".

وما يتحدّثُ عنه ترامب لا يخرجُ عن "الدوامةِ" التي حَكَمَت الاتفاقيةَ السابقة، والقائمة على إبقاءِ الأمورِ في حالةِ مراوحةٍ من دونِ طرحِ مخارج أو مقارباتٍ جديدةٍ، لا سيما أن طهرانَ أكدت، على لسانِ المتحدثِ باسمِ وزارةِ الخارجيةِ اسماعيل بقائي، أن جميعَ أعضاءِ الوفدِ المفاوضِ موجودون حاليًا في إيران. وأوضحَ بقائي أن بلادَهُ لا تُجري أيَّ محادثاتٍ مع الولايات المتحدة، مشددًا على أنه "لن يحدثَ أيُّ تغييرٍ" في مضيقِ هُرمزَ، ما دامت واشنطنُ تواصلُ ما وصفَهُ بـ"عدوانِهَا وحصارِهَا البحري". وأضافَ أن المفاوضات مع عُمَان استمرَت "بجديةٍ" خلال الأيامِ السبعةِ أو الثمانيةِ الماضيةِ، وشمَلَت تبادلَ خرائط ودراستها بمشاركةِ خبراءٍ والجهاتِ الإيرانيّةِ المعنية. وأعربَ عن أملِ طهرانَ في التوصلِ قريبًا إلى ترتيبٍ مؤقتٍ يضمنُ سلامةَ الملاحة. ويحاولُ النظامُ الإيرانيُّ التوصلَ إلى تفاهماتٍ بشأنِ المضيقِ مع سلطنةِ عُمَان، لكن من دونِ الكشفِ رسميًا عن فحواها. إلا أن مصادرَ إقليميّة أفادت بأن مسقط قدَمَت لإيرانَ مقترحًا يحظَى بدعمٍ خليجيٍّ لإدارةِ الممرِ المائيِّ، يتضمنُ فرضَ رسومٍ طوعيةٍ على المستخدمين. وذكرَت وكالةُ الأنباءِ الإيرانيّةِ الرسميّةِ، في وقتٍ سابقٍ، نقلًا عن وزيرِ الخارجيّةِ عباس عراقجي، أن المفاوضات مع سلطنةِ عُمَان ‌دخلَت مراحلَهَا النهائيّة. وعليه، فإن الضبابيةَ والغموض اللذان يُحيطانِ بالأوضاعِ يَحُولَانِ دونَ القدرة على التكهنِ بما ستحملُهُ الأيامُ المقبلة، في ظلِّ التعويلِ على الوساطاتِ، خصوصًا القطرية.

في الأثناءِ، أجرى رئيسُ مجلسِ الوزراءِ وزيرُ الخارجيةِ القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سلسلةَ اتصالاتٍ هاتفيةٍ منفصلةٍ مع وزراءِ خارجيةِ كلٍّ من الإمارات والمملكة العربية السعودية والكويت وسلطنة عُمان والبحرين، تناولَت تطوراتِ الأوضاعِ الإقليميّة والجهود الدبلوماسيّة الراميةِ إلى خفضِ التوترِ وتعزيزِ الاستقرارِ في المنطقة. في حين ناقشَ وليُ العهدِ رئيسُ مجلسِ الوزراءِ السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيسِ التركيّ رجب طيب أردوغان المستجدات. وأكَدَ أردوغان إدانةَ بلادِهِ واستنكارَهَا للهجماتِ التي شنتهَا جماعةُ الحوثي على السفنِ في البحرِ الأحمرِ، ووقوفَ بلادِهِ التامّ إلى جانبِ السعودية، كما رحَّب بإنشاءِ "التحالفِ البحريِّ الدفاعيِّ" متعدّدِ الجنسياتِ الذي تقودُهُ المملكة. هذا وتتحركُ الرياضُ على كافةِ المستوياتِ بهدفِ خفضِ التصعيدِ ووقفِ التبعاتِ الخطرةِ لاستمرارِ حالةِ اللاحربِ واللاسلمِ، خصوصًا أن دولَ الخليج تدركُ جيدًا المخططاتِ الإيرانيّة وسعيِهَا إلى جرِّ دولِ المنطقةِ إلى الحربِ، مع تلويحِهَا المستمرِ بفتحِ جبهاتٍ جديدة. وتقولُ إيرانُ صراحةً إن ما تعانيه من حصارٍ وتكاليف ستُحَمِّلُهُ إلى هذه الدولِ، التي تريدُهَا أن تكونَ في صلبِ المعركةِ وصميمها. وهي بذلكَ تتّبعُ معادلةَ "عليّ وعلى أعدائي" التي تتحكمُ بقادتِهَا، الذين يعانونَ من تشرذمٍ وخلافاتٍ داخليّةٍ أسهَمَت في تضاربِ التصريحاتِ أكثرَ من مرة.

وضمن آخرِ المواقفِ، دعَت هيئةُ رئاسة مجلسِ خبراءِ القيادةِ الإيرانيِّ مسؤولي الدولةِ إلى الالتزامِ الكاملِ بمَا يصدرُ عن المرشدِ مجتبى خامنئي. وحذّرَت في بيانٍ عالي النبرة، من أن الرهانَ على التفاوضِ مع الولاياتِ المتحدةِ أو الدعوة إلى السلامِ "خيانةٌ لا تُغتفر". كما شددَت على أن "الأحداثَ الأخيرةَ وإجراءاتِ النظامِ المعتدي والانتهاكاتِ المتكرّرة لمذكرةِ التفاهمِ، إضافةً إلى إثباتِ عدمِ موثوقيةِ توقيعِ الرئيسِ الأميركيِّ، أظهرَت أن الثقةَ بهذه الحكومةِ الاستكباريةِ ليست سوى سراب". وجاءَ هذا البيانُ غداةَ دفاعِ الرئيسِ مسعود بزشكيان عن مذكرةِ "تفاهمِ إسلام آباد"، وتأكيدِهِ أنها ستكونُ أساسَ السياسةِ الخارجيّةِ الإيرانيّةِ في المرحلةِ المقبلةِ، وسطَ اتساعِ الخلافِ داخلَ مؤسساتِ الحكمِ بشأنِ مصيرِ الاتفاقِ والجهةِ التي تملكُ تفسيرَ موقفِ المرشدِ منه. ويحدثُ ذلك في ظلِّ تزايدِ نفوذِ "الحرسِ الثوريِ" في البلادِ، مع اتساعِ دورِهِ في إدارةِ الحربِ والأمنِ ومضيق هُرمزَ، ومشاركته في صياغةِ شروطِ أيِّ تفاوضٍ أو وقفٍ للعمليات. من جهتِهَا، أفادت شبكةُ "سي إن إن" الأميركيّة، في تقريرٍ تحليليٍّ، بأن طهرانَ انتهجَت، على مدى عقودٍ، استراتيجيّةً ثوريةً شاملةً تقومُ على تصديرِ أفكارِ ثورتِهَا، التي اندلعَت عام 1979، إلى دولِ وأقاليمِ المنطقةِ، في لبنانَ واليمن والعراق وسوريا وقطاع غزّة. واعتبرت الشبكةُ في تقريرِهَا أن الجماعات المسلحة الموالية لطهرانَ عادَت لتستعيدَ قوتَهَا وتأثيرَهَا في مختلفِ أنحاءِ الشرقِ الأوسطِ عقبَ ثلاثِ سنواتٍ صعبةٍ، ما يمنحُ النظامَ الإيرانيَّ دفعةً قويةً ويُعزّزُ نفوذَهُ في الحربِ المباشرةِ وغيرِ المباشرةِ مع أميركا وإسرائيل.

وتستندُ الشبكةُ في تحليلِهَا إلى الأحداثِ الأخيرةِ، حينَ فتحَ الحوثيونَ معركةَ مضيقِ بابِ المندبِ والبحرِ الأحمرِ، فيما عادَت استهدافاتُ الفصائلِ المسلّحةِ في العراقِ، التي تدينُ بالولاءِ المطلقِ لطهرانَ، فضلًا عن استمرارِ الحربِ في لبنانَ بعدَ دخولِ "حزبِ الله" الصراعَ ثأرًا لمقتلِ المرشدِ الإيرانيّ. وتعي طهرانُ أهميةَ هذه الجبهاتِ ودورَهَا في مقارعةِ الدولِ الأخرى وخنقِ الاقتصادِ العالميِّ، لذلكَ، تُمعِنُ في استخدامِ هذه الورقة. ففي لبنانَ، على سبيلِ المثالِ، رعَت واشنطنُ ودفعت بقوةٍ، إذا صحَّ التعبيرُ، من أجلِ التوصلِ إلى "اتفاق إطارٍ" بين لبنانَ وإسرائيلَ بهدفِ تحقيقِ تسويةٍ شاملةٍ، لا تزالُ معالمُهَا غيرَ واضحة. إذ تستمرُّ الاعتداءاتُ الإسرائيليّةُ والعملياتُ العسكريةُ بشكلٍ يُسابقُ جولةَ المفاوضاتِ السابعةِ، المنوي عَقْدُهَا اليوم في روما، وسطَ تعويلٍ لبنانيٍّ على أن تشكّلَ اختبارًا حاسمًا لمدَى جدّيةِ تلّ أبيب في تنفيذِ الاتفاقِ المبرمِ، والانتقالِ من التفاهماتِ المكتوبةِ إلى خطواتٍ ملموسةٍ على الأرض. وتنطلقُ المفاوضاتُ وفقَ معادلةٍ مُعقدةٍ وشديدةِ الحساسيّةِ، فبينما يتمسّكُ لبنانُ ببندِ وقفِ إطلاقِ النارِ وتحقيقِ الانسحابِ الإسرائيليِّ، تواصلُ إسرائيلُ ربطَ تقدّمِ الاتفاقِ باتخاذِ خطواتٍ لنزعِ سلاحِ "حزبِ الله"، مع احتفاظِهَا بحريّةِ تنفيذِ عمليّاتٍ عسكريّةٍ داخل الأراضي اللبنانيّة. ويحملُ الوفدُ اللبنانيُ المشاركُ في مفاوضاتِ روما ملفًا شاملًا يوثّقُ الانتهاكاتِ الإسرائيليّة، في محاولةٍ لإثباتِ أنّ إسرائيلَ تتعاملُ مع الاتفاقِ بصورةٍ شكليّةٍ من دونِ الالتزامِ الكاملِ بتنفيذِ بنودِه.

وتبقَى هذه المفاوضاتُ من دونِ نتائجٍ ملموسةٍ تُذكرُ، فيمَا تتجهُ الأنظارُ إلى احتمالِ أن تضطلعَ واشنطنُ بدورٍ أكثرَ فعاليةً في الضغطِ على إسرائيلَ لوقفِ هجماتِهَا اليوميةِ، التي تتسبّبُ بدمارٍ واسعٍ في القرى والبلداتِ الجنوبيّةِ، التي باتَت معظمُها غير صالحةٍ للعيشِ مع تعمّدِ الاحتلالِ استهدافَ البنَى التحتيةَ الحيوية. حتى أن وزيرَ الدفاعِ الإسرائيليِّ يسرائيل كاتس تباهَى، الأسبوع الماضي، بتدميرِ جميعِ المباني في 24 قريةٍ لبنانيّةٍ، قائلًا: "دمَرنَا ما بين 15 و20 ألفَ منزل. ودُمرِت القرى الأربعةُ والعشرونَ بالكامل". ويحولُ غيابُ المحاسبةِ واستهدافُ المحكمةِ الجنائيّةِ الدوليّةِ وتركُ تلّ أبيب تتصرّفُ بحريّةٍ، دونَ القدرةِ على وضعِ حدٍّ لجرائمِهَا، التي لا تقتصرُ على استمرارِهَا في لبنانَ، بل تمتدُّ أيضًا إلى قطاعِ غزّة، حيث يعيشُ السكانُ أوضاعًا مأساوية. فبعدَ حديثِ ترامب عن اتفاقٍ "تاريخيٍّ" لنزعِ سلاحِ "حماس"، وموافقةِ الأخيرةِ بهدفِ تخفيفِ الأعباءِ عن سكانِ القطاعِ، عادَت إسرائيلُ إلى لعبتِهَا المفضلةِ، وهي التسويفُ وخلقُ الذرائعِ والحججِ لعدمِ الالتزامِ بما جرَى التوصلُ إليه. لكن المفارقةَ الأكبر كانت "انقلابَ" ما يسمَى بـ"مجلسِ السلامِ" على الاتفاقِ السابقِ، وتأكيدَهُ أن الانسحابَ الإسرائيليَ الكاملَ إلى ما وراءِ "الخطِ الأصفرِ" في قطاعِ غزّة لن يتحقَقَ قبلَ استكمالِ عمليةِ نزعِ السلاحِ، بمَا يشملُ الأسلحةَ الخفيفةَ والثقيلةَ وتدمير جميعِ الأنفاقِ على حدٍّ سواء. وهي صيغةٌ تتماهَى مع موقفِ الاحتلالِ، وتُنَاقِضُ بشكلٍ صارخٍ تفاهماتِ شرم الشيخ، التي نصَّت على التموضعِ خلفَ الخطِ المذكورِ، ثم الانسحابِ تدريجيًا بالتزامنِ مع سيرِ العملية.

ولم يأتِ هذا الموقفُ من فراغٍ، بل جاءَ بعد لقاءِ الممثلِ السامي لـ"مجلسِ السلامِ" نيكولاي ملادينوف مع رئيسِ الحكومةِ الإسرائيليّةِ بنيامين نتنياهو. في المقابلِ، كشفَت القناةُ الرابعة عشرة الإسرائيليّة، بأنَ وزيرَ الماليةِ بتسلئيل سموتريتش، ووزيرة الاستيطان أوريت ستروك، طالبا نتنياهو بمنعِ دخولِ قوةِ الاستقرارِ الدوليّةِ إلى القطاعِ، بحجةِ اختلافِ خارطةِ الطريقِ المنشورةِ عن التصورِ الذي عُرِضَ سابقًا على الوزراءِ، محذرينَ من أنها قد تقوّضُ أهدافَ الحربِ الإسرائيليةِ وتَتَنَاقَضُ مع مساعي نزعِ سلاحِ "حماس". في موازاةِ ذلكَ، أعلنت الأممُ المتحدةُ استشهادَ أكثرِ من 150 فلسطينيًا جراءَ الهجماتِ الإسرائيليّةِ على قطاعِ غزة خلالَ تموز/يوليو الماضي، في أعلَى حصيلةٍ شهريةٍ منذ بدايةِ العام. وأوضحَت أن معظم الهجماتِ وقَعَت غربي القطاع، حيث تترّكزُ غالبيةُ السكانِ البالغِ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة. ولا تختلفُ الأوضاعُ الصعبةُ في غزّة عمَّا يعيشُهُ سكانُ الضفةِ الغربيّةِ، مع محاولاتِ إسرائيلَ زيادةِ مشاريعِهَا الاستيطانيّةِ، بالتوزاي مع عنفِ المستوطنين. فوفقَ "هيئةِ مقاومةِ الجدارِ والاستيطانِ"، نَفّذَ جيشُ الاحتلالِ والمستوطنونَ خلالَ الشهرِ الماضي 2256 اعتداء ضد الفلسطينيينَ وأراضيهِم وممتلكاتهِم، أسفرَت عن استشهادِ 16 فلسطينيًا وإصابة 237 آخرين.

أما في سوريا، فبرزَت زيارةُ رئيسِ إقليمِ كردستان العراقِ نيجيرفان بارزاني إلى دمشقَ، واللقاءُ الذي عَقَدَهُ مع الرئيسِ أحمد الشرع. إذ بحثا مختلفَ القضايا ذات الاهتمامِ المشتركِ، وسطَ تأكيدِ دعمِ سوريا المستقرة والموحّدة، والتي "تُصانُ فيها حقوقُ جميعُ المكوناتِ القوميةِ والدينية". واعتبرَ بارزاني أن البلادَ "تقفُ اليومَ أمامَ فرصةٍ تاريخيةٍ للتعافي وإعادةِ البناءِ والازدهارِ"، مضيفًا: "لقد أعربتُ عن ثقتِي برؤيةِ الرئيسِ الشرع، وإيماني بأن سوريا قادرةٌ في ظلِّ قيادتِهِ على المضي نحو مزيدٍ من الاستقرارِ والازدهارِ، ومستقبلٍ أكثر إشراقًا لجميعِ أبنائِها". إلى ذلك، كان ملفُ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) حاضرًا في النقاشاتِ بين الطرفينِ، إلى جانبِ مواضيعَ أخرى. وكشفَت المعلوماتُ أن وفدًا يضمُّ مظلوم عبدي وإلهام أحمد سيصلُ إلى دمشقَ اليوم، وأن الاجتماعات سترّكزُ على خطوةِ إعلانِ حلِّ "قسد" وإكمالِ اتفاقِ الاندماجِ في محافظةِ الحسكة.

دوليًا، أعلنَت سلطاتُ مدينةِ سبتة أن ما بين 3 آلاف إلى 5 آلاف مهاجرٍ لا يزالونَ في المدينةِ، بعد عودةِ أكثرَ من 69 ألف مهاجرٍ إلى المغرب. وأثارَت هذه الأزمةُ تشظيًا أوروبيًا كبيرًا، ما دفعَ رئيسةَ المفوضيةِ الأوروبيةِ أورسولا فون دير لاين إلى التدخلِ عبر رسالةٍ موجهةٍ إلى رئيسِ الوزراءِ الإسباني بيدرو سانشيز، دعتهُ فيهَا إلى البحثِ عن ردٍّ أوروبيٍّ موحدٍ لتعزيزِ حمايةِ الحدودِ الخارجيّةِ للاتحادِ، معربةً عن أملِهَا في أن يُفضِي اجتماعُ وزراءِ الداخليّةِ، اليومِ الثلاثاء، إلى "استجابةٍ أوروبيةٍ مشتركةٍ" لتحدياتِ الهجراتِ غيرِ النظاميّة.

وفي الآتي، أبرز ما جاء في الصحف العربيّة الصادرة اليوم الثلاثاء من عناوين وتحليلات:

رأت صحيفة "الرياض" السعودية أن "الشرق الأوسط اليوم يعيش مرحلة مختلفة عن تلك التي عرفها خلال العقود الماضية. فالدول التي اختارت التنمية والاستثمار وبناء الاقتصاد لم تعد تستطيع أن تتعايش مع جماعات مسلحة تتحرك خارج الإجماع الوطني، وترهن المنطقة للأزمات والقنابل الموقوتة. المستثمر يبحث عن محيط مستقر، والاقتصاد يحتاج إلى استقرار سياسي، والأمن لا يستقيم مع فوضى السلاح. ولهذا لم يعد الحديث عن الميليشيات شأنًا داخليًا يخص دولة بعينها، لأن السلاح المنفلت لا يهدد الدولة وحدها، وإنما بات يهدد استقرار الإقليم بأكمله". وأضافت: "مهما حاولت هذه الدول، وادعت فتح الصفحات الجديدة تلو الصفحات، فإنها لن تنهض إلا على مسلمة محورها الدولة القوية: لا سلاح إلا سلاح الدولة، ولا قرار إلا قرارها؛ فكل التجارب أثبتت أن السلاح الموازي لا يبني وطنًا، وإنما يعبث بالاستقرار، ويجر الجميع إلى أزماته، لأنه لا يستطيع العيش إلا في مستنقع الفوضى".

وكتبت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "في كل مرة يكرر ترامب ذات المبررات لتراجعه عن توجيه ضربة إلى إيران، اتفاق على وشك التوقيع يشمل مضيق هرمز والملف النووي. لم يحصل مثل هذا الاتفاق. طهران ظلت تناور وتكسب في الميدانين العسكري والسياسي. تضرب في أرجاء المنطقة، وتدير حروبًا بالوكالة في عدة دول. وقبل الوعد الأخير لترامب، كانت المسيرات قد وصلت حدود مصر، كما رفعت إيران من سقف تهديداتها لتبلغ دولًا أوروبية". واعتبرت أن "السياق برمته، يكشف عن ارتباك أميركي غير مسبوق، وسوء تقدير لازم الحرب منذ بدايتها، أو لنقل قبل أن تبدأ. فرضيات الحرب إسرائيلية بامتياز، وكانت تراهن على انهيار دراماتيكي، بعد الضربة الأولى التي قضت على المرشد وقيادات عسكرية وسياسية رفيعة". وخلصت إلى أن "الوقت سيف مسلط على الطرفين، رغم أن طهران تبدو راغبة في "جرجرة" ترامب لحين موعد الانتخابات، وهناك يدفع ثمن فشله في الحرب، فيفقد نفوذه الطاغي بالكونغرس ولا يعود قادرًا على شن حرب، ولا حتى إبرام صفقة بشروطه".

وعن تفجير مرفأ بيروت في الذكرى السنوية السادسة، أشارت صحيفة "اللواء" اللبنانية إلى أنه "في الرابع من آب، لا يستعيد اللبنانيون ذكرى الانفجار بوصفها محطة عابرة في رزنامة المآسي الوطنية، بل يعودون إلى الجرح الأكثر عمقًا في تاريخ لبنان الحديث. أكثر من مئتي شهيد، وآلاف الجرحى، وأحياء بكاملها تصدَّعت مبانيها، وعشرات آلاف العائلات اقتُلعت من منازلها في لحظات، بينما لا تزال العدالة، بعد ست سنوات، تبحث عن طريقها إلى الحقيقة". وشددت على أن هذه "القضية لم تعد اختبارًا لقدرة القضاء على كشف حقيقة كارثة وطنية فحسب، بل أصبحت اختبارًا لهيبة الدولة نفسها. فالدولة التي تعجز عن كشف المسؤولين عن أكبر انفجار غير نووي على مستوى العالم، وتعجز عن محاسبة المقصرين والمتورطين وفق القانون، تفقد تدريجياً ثقة مواطنيها ومصداقيتها أمام المجتمع الدولي".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن