يَعْتَقِدُ المُتَخَوِّفونَ أَنَّ هُناكَ دَوْراتٍ تاريخِيَّة، تَرْتَبِطُ بِقِيامِ وَزَوالِ الدُّوَلِ وَالكِياناتِ السِّياسِيَّةِ اليَهودِيَّةِ القَديمَة. يَدْعَمُ هذا الاعْتِقاد، أَنَّ مَمْلَكَةَ داوُدَ التي تَأَسَّسَتْ حَوالَيْ 1000 قَبْلَ الميْلاد، عاشَتْ لِثَمانينَ عامًا قَبْلَ تَفَكُّكِها بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ إلى مَمْلَكَتَيْن، مَمْلَكَةِ إِسْرائيلَ في الشَّمالِ وَمَمْلَكَةِ يَهودا في الجَنوب، وَاللَّتَيْنِ سَقَطَتا لاحِقًا على يَدِ الآشورِيّينَ وَالبابِلِيّين. وَكَذلِك، مَمْلَكَةُ الحَشْمونائيم التي تَأَسَّسَتْ حَوالَيْ 140 قَبْلَ الميْلاد، وَاسْتَمَرَّتْ أَيْضًا زُهاءَ 77 سَنَة، ثُمَّ دَخَلَتْ في طَوْرِ الفَوْضى وَالانْقِسامِ الدّاخِليِّ الذي أَدّى لِسُقوطِها. وَمِنْ ثَمَّ، يَخْشى المُتَخَوِّفونَ مِنْ أَنَّ إِسْرائيلَ سَوْفَ تَلْقى المَصيرَ نَفْسَه، وَخاصَّةً مَعَ اقْتِرابِ عامِ 2028 وَهو نِهايَةُ العَقْدِ الثّامِن.
تحديات إسرائيل الداخلية تمثّل تهديدًا وجوديًا للمجتمع والدولة يفوق التحديات الخارجية
كانَ مِنْ أَبْرَزِ الكُتّابِ الذينَ أَثاروا تِلْكَ التَّخَوُّفاتِ الكاتِبُ آرِي شافيت، الذي أَشارَ في مَقالاتِهِ التي تَحْمِلُ في عَناوِينِها تَعْبيرَ "البَيْتِ الثّالِث"، إلى أَنَّ إِسْرائيلَ في عَقْدِها الثّامِنِ تُواجِهُ أَزَماتِ الانْقِسامِ بَيْنَ العَلْمانِيّينَ وَالدّينِيّين، وَبَيْنَ اليَمينِ وَاليَسار، وَأَزْمَةَ الهُوِيَّةِ بَيْنَ يَهودِيَّةِ الدَّوْلَةِ وَديموقراطِيَّتِها، وَأَنَّ هذِهِ التَّحَدِّياتِ الدّاخِلِيَّةَ تُمَثِّلُ تَهْديدًا وُجودِيًّا لِلْمُجْتَمَعِ وَالدَّوْلَةِ يَفوقُ التَّحَدِّياتِ الخارِجِيَّة. وَأَصْدَرَ كِتابًا بِعُنْوانِ "أَرْضي المَوْعودَة: انْتِصارُ وَمَأْساةُ إِسْرائيل"، الصّادِرِ بِاللُّغَةِ الإِنْجليزِيَّةِ عامَ 2013، وَالذي أَقَرَّ فيهِ كَصُهْيونِيٍّ بِمآسي الفِلَسْطينِيّينَ في 1948 وَما بَعْدَها، وَلٰكِنَّهُ يُدافِعُ عَنْ فِكْرَةِ قِيامِ إِسْرائيلَ وَيُحَذِّرُ مِنِ انْهِيارِها السِِّياسيِّ وَالأَخْلاقِيّ، مُشيرًا إلى خُطورَةِ الانْقِساماتِ الدّاخِلِيَّةِ المُتَزايِدَة.
أَكَّدَ هذا المَعْنى الكاتِبُ روغِل أَلْفَر، الذي كَتَبَ في أُكْتوبَرَ/تِشْرينَ الأَوَّلِ 2024 أَنَّ أَزْمَةَ العَقْدِ الثَّامِنِ في إِسْرائيلَ هِيَ أَزْمَةٌ بُنْيَوِيَّةٌ تُواجِهُ الدَّوْلَةَ وَالمُجْتَمَع، وَهِيَ أَزْمَةٌ كاشِفَةٌ لِأَمْراضٍ داخِلِيَّةٍ تَراكَمَتْ عَبْرَ عُقود، وَالتي تَتَمَثَّلُ في الانْقِساماتِ الاجْتِماعِيَّةِ الحادَّةِ بَيْنَ العَلْمانِيّينَ وَالمُتَدَيِّنين، وَبَيْنَ الأَشْكِنازِ وَالشَّرْقِيّين، وَبَيْنَ اليَهودِ وَالعَرَبِ في إِسْرائيل، وَبَيْنَ اليَسارِ وَاليَمين. وَيَصِلُ إلى أَنَّ الدَّوْلَةَ لَمْ تَعُدْ تَمْتَلِكُ "عَصَبِيَّةً مَدَنِيَّة" جامِعَة، بَلْ تَتَنافَسُ فيها هُوِيّاتٌ مُتَصارِعَة، وَأَنَّ إِسْرائيلَ تَتَحَوَّلُ مِنْ دَوْلَةِ "قانون" إلى دَوْلَةِ "هُوِيَّةٍ قَوْمِيَّةٍ دينِيَّة".
الصراعات السياسية والإيديولوجية الدينية تنخر في جسد المجتمع الإسرائيلي
وَبَيْنَما رَكَّزَ الكُتّابُ على تَحْليلِ الأَزْماتِ وَالانْقِساماتِ الدّاخِلِيَّةِ وَالصِّراعاتِ السِّياسِيَّةِ وَالإيدْيولوجِيَّةِ الدّينِيَّةِ التي تَنْخُرُ في جَسَدِ المُجْتَمَعِ الإِسْرائيلِيّ، وَتُعيدُ التَّذْكيرَ بِما حَدَثَ مِنْ قَبْلُ في التّاريخِ اليَهودِيّ، فَقَدِ اسْتَخْدَمَ السِّياسِيّونَ أُطْروحَةَ العَقْدِ الثّامِنِ كَأَداةٍ لِلْحَشْدِ وَالتَّعْبِئَةِ السِّياسِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ إلى الوَحْدَةِ وَالتَّضامُن.
وَأُشيرُ في هذا الصَّدَدِ إلى آراءِ ثَلاثَةٍ مِنْ رُؤَساءِ وُزَراءِ إِسْرائيل. لَفَتَ إيهود باراك عامَ 2022 إلى خُطورَةِ الانْقِساماتِ الدّاخِلِيَّةِ في المُجْتَمَعِ الإِسْرائيلِيّ، مُحَذِّرًا مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ الحَرْبُ الأَهْلِيَّةُ البارِدَةُ إلى ساخِنَة، وَاعْتَبَرَ أَنَّ سِياسَةَ نِتِنْياهو تُجاهَ القَضاءِ تَمَسُّ بِأَمْنِ الدَّوْلَةِ وَتُعَمِّقُ انْقِساماتِها، مُذَكِّرًا بِما آلَ إِلَيْهِ "البَيْتانِ" الأَوَّلُ وَالثَّاني لِلْيَهود.
وَفي العامِ ذاتِه، حَدَّدَ نَفْتالي بِينِيت عَناصِرَ الأَزْمَةِ في الِانْقِسامِ الدّاخِليِّ وَالتَّشَدُّدِ الإيدْيولوجيِّ عِنْدَ اليَمينِ وَاليَسارِ على حَدٍّ سَواء، مُشيرًا إلى أَنَّ الدُّوَلَ لا تَسْقُطُ بِسَبَبِ أَعْدائِها الخارِجِيّين، وَلكِنْ نَتيجَةً لِتَصَلُّبِ تَفْكيرِ قِياداتِها وَعَجْزِهِمْ عَنِ التَّوافُق. وَوَصَلَ إلى أَنَّهُ "إِذا فَشِلْنا في إِدارَةِ خِلافاتِنا فَسَيَسْقُطُ البَيْتُ الثّالِثُ مِنَ الدّاخِل". وَدَعا الجَميعَ إلى العَمَلِ على دَعْمِ وَحْدَةِ الدَّوْلَة، لِتَجَنُّبِ احْتِمالاتِ تَفَكُّكِها في هذِهِ الفَتْرَة.
أَمّا بِنْيامين نِتِنْياهو فَقَدْ أَشارَ عامَ 2023 لِأَزْمَةِ العَقْدِ الثّامِن، وَلكِنْ مِنْ مَنْظورِهِ الخاصِّ وَبِهَدَفِ الدِّفاعِ عَنْ سِياساتِه، فَحَمَّلَ مَسْؤولِيَّةَ الانْقِسامِ الدّاخِليِّ إلى أَحْزابِ اليَسارِ، وَبَرَّرَ ما يُسَمّيهِ مَشْروعَ الإِصْلاحِ القَضائيِّ بِأَنَّ إِسْرائيلَ لَنْ تَصْمُدَ إِذا بَقِيَتْ مَحْكومَةً بِقُضاةٍ غَيْرِ مُنْتَخَبين، وَرَبَطَ بَيْنَ مَشْروعِهِ وَإِنْقاذِ الدَّوْلَةِ في عَقْدِها الثَّامِن، مُؤَكِّدًا أَنَّ صُمودَها يَكْمُنُ في تَغْليبِ "اليَهودِيَّةِ القَوْمِيَّة" على "اللّيبيرالِيَّةِ العالَمِيَّة"، وَأَنَّهُ يَعْمَلُ على ضَمانِ أَنْ تَصِلَ إِسْرائيلُ إلى المِئَةِ عامٍ بِما يَعْني تَجاوُزَها لَعْنَةَ العَقْدِ الثَّامِن.
ابن خلدون حدّد العصبية وأطوار الدول في ثلاثة أو أربعة أجيال
يُضيفُ بَعْضُ الأَكاديمِيّينَ أَنَّ لَعْنَةَ العَقْدِ الثَّامِنِ لَيْسَتْ حِكْرًا على اليَهود، وَأَنَّ لَها تَجَلِّياتِها في الدُّوَلِ الأُخْرى. فَفي الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ نَشِبَتِ الحَرْبُ الأَهْلِيَّةُ بَعْدَ ثَمانِيَةِ عُقودٍ مِنْ إِعْلانِ الاسْتِقْلال، وَانْهَزَمَتْ كُلٌّ مِنْ إيطالْيا وَأَلْمانْيا في الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ في العَقْدِ الثّامِنِ مِنْ تَوْحيدِهِما، وَتَفَكَّكَ الاتِّحادُ السّوفْياتِيُّ بَعْدَ ثَمانِيَةِ عُقودٍ مِنَ الثَّوْرَةِ البَلْشَفِيَّة.
وَيُثيرُ ما تَقَدَّمَ السُّؤال، لِماذا العَقْدُ الثّامِن؟!.
رُبَّما لِأَنَّهُ يَشْهَدُ صُعودَ الجيلِ الثّالِثِ إلى قِمَّةِ السُّلْطَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ بَعْدَ الجيلَيْنِ الأَوَّلَيْنِ مِنْ مُؤَسِّسي الدَّوْلَة، وَالذي لا تَحْتَلُّ لَدَيْهِ قيمَةُ الحِفاظِ على الدَّوْلَةِ الأَهَمِّيَّةَ نَفْسَها لَدَى سابِقَيْه، وَيَنْشَغِلُ إِمَّا بِالصِّراعاتِ الدّاخِلِيَّةِ أَوْ بِالانْغِماسِ في مَلَذّاتِ الحَياة، مِمّا يُضْعِفُ كِيانَ الدَّوْلَة. وَيَقْتَرِبُ هذا مِنْ نَظَرِيَّةِ ابْنِ خَلْدونٍ في العَصَبِيَّةِ وَأَطْوارِ الدُّوَل، وَالتي حَدَّدَها في ثَلاثَةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَجْيال، فَفي البِدايَةِ تَكونُ العَصَبِيَّةُ في أَقْصى قُوَّتِها مَعَ الجيلِ الأَوَّلِ مِنْ بُناةِ الدَّوْلَة، ثُمَّ تَبْدَأُ تَدْريجِيًّا في الضَّعْفِ مَعَ الاسْتِقْرارِ وَالدَّعَة، مِمّا يَزيدُ مِنَ الانْقِساماتِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالتَّفَكُّك، وَيَجْعَلُ الدَّوْلَةَ فَريسَةً سَهْلَةً لِلتَّصَدُّعِ الدّاخِليِّ أَوِ الغَزْوِ الخارِجِيّ.
شَهِدَ العَقْدُ الثّامِنُ مِنْ عُمْرِ إِسْرائيل، اسْتِمْرارَ هَيْمَنَةِ تَيّاراتِ اليَمينِ الدّينيِّ اليَهوديِّ المُتَشَدِّدِ على مَقاليدِ الدَّوْلَة، وَتَصاعُدَ مَشاكِلِ "الحَرِيديم" بِشَأْنِ التَّجْنيدِ وَخِدْمَةِ الجَيْش، ثُمَّ سَعْيَ الحُكومَةِ لِلانْقِضاضِ على مُؤَسَّسَةِ القَضاءِ وَتَقْليصِ اخْتِصاصِها، مِمّا أَدْخَلَ البِلادَ في أَزْمَةٍ داخِلِيَّةٍ طاحِنَةٍ وَانْقِساماتٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَمِيقَة، وَوَجَدَ نِتِنْياهو وَنُخْبَتُهُ اليَمينِيَّةُ الحَلَّ في اسْتِمْرارِ الحَرْبِ الشَّرِسَةِ على قِطاعِ غَزَّةَ بَعْدَ عَمَلِيَّةِ "طوفانِ الأَقْصى"، داعِيًا إلى الوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ إِبّانَ الحَرْبِ "الوُجودِيَّةِ" التي يَدَّعي نِتِنْياهو خَوْضَها مِنْ أَجْلِ إِسْرائيل.. فَهَلْ تَكونُ هذِهِ الحَرْبُ وَتَداعِياتُها قُبْلَةَ حَياةٍ جَديدَةً لَها، أَمْ أَنَّ لَعْنَةَ العَقْدِ الثّامِنِ ما زالَتْ قائِمَة؟.
(خاص "عروبة 22")

