أَزْمَةُ الإِسْكانِ العَرَبِيَّة: تَحَدِّياتٌ وتَداعِيات! مآسي النّيوليبيرالِيَّة والبَحْثُ عَنْ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ جَديد

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

تُخْفي عَشَراتٌ مِنْ ناطِحاتِ السَّحابِ والمُنْتَجَعاتِ الفارِهَة، المُنْتَشِرَةِ في العَديدِ مِنَ العَواصِمِ العَرَبِيَّة، مَلامِحَ أَزْمَةِ سَكَنٍ خانِقَةٍ يُعاني مِنْها المُواطِنُ العَرَبِيّ، على نَحْوٍ يَعْكِسُ عُمْقَ المُشْكِلَةِ الكُبْرى التي تَضْرِبُ العَديدَ مِنْ بُلْدانِ العالَمِ العَرَبيِّ مُنْذُ عُقود، وَحَوَّلَتْ فِكْرَةَ المَأْوى إلى أَزْمَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ واقْتِصادِيَّةٍ كُبْرى، تَزْدادُ قَسْوَةً مَعَ مُرورِ الوَقْت، بَعْدَما أَصْبَحَ امْتِلاكُ الغالِبِيَّةِ العُظْمى مِنْ سُكّانِ المِنْطَقَة، لِوَحْدَةٍ سَكَنِيَّةٍ لائِقَةٍ حُلْمًا بَعيدَ المَنال.

أَزْمَةُ الإِسْكانِ العَرَبِيَّة: تَحَدِّياتٌ وتَداعِيات! 
مآسي النّيوليبيرالِيَّة والبَحْثُ عَنْ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ جَديد

تُعيدُ الأَزْمَةُ الطّاحِنَةُ في حَقيقَةِ الأَمْر، مُطالَباتٍ عِدَّةً صَدَرَتْ على مَدارِ عُقودٍ، عَنْ مُفَكِّرينَ وَمُثَقَّفينَ عَرَب، على اخْتِلافِ تَوَجُّهاتِهِمُ الفِكْرِيَّة، تَدْعو إلى صِياغَةِ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ جَديد، في مُواجَهَةِ التَّحَوُّلاتِ الكُبْرى التي شَهِدَتْها المِنْطَقَةُ في العَقْدِ الأَخير، يُعيدُ تَعْريفَ فِكْرَةِ المُواطَنَة، عَبْرَ صِياغَةٍ جَديدَةٍ لِلعَلاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ والمُواطِن، تُرَكِّزُ على قِيَمِ العَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ والحُقوق، مُتَجاوِزَةً في ذَلِكَ ما رَسَخَ مِنْ قِيَمٍ في العَقْدِ القَديم، الذي ظَلَّ قائِمًا على تَقْديمِ الخِدْماتِ مُقابِلَ الوَلاءِ السِّياسِيّ.

تَتَجَلّى أَزْمَةُ السَّكَنِ في العالَمِ العَرَبِيّ، كَأَحَدِ أَبْرَزِ النَّتائِجِ المُباشِرَةِ لِلتَّحَوُّلاتِ الدّيموغْرافِيَّةِ التي شَهِدَتْها المِنْطَقَةُ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَة، والتي تُصَنَّفُ بِاعْتِبارِها الأَسْرَعَ عالَمِيًّا، حَيْثُ يَتَكَدَّسُ نَحْوَ 56% مِنَ السُّكّانِ العَرَبِ في الحَواضِرِ الكُبْرى، بَعْدَ عَمَلِيَّةِ زَحْفٍ كَبيرٍ نَحْوَ المُدُن، لَمْ تُرافِقْها أَيُّ نَهْضَةٍ مُوازِيَةٍ لِما يُعْرَفُ بِالإِسْكانِ الِاقْتِصادِيّ، إِذِ انْصَبَّ جُلُّ اسْتِثْماراتِ القِطاعِ الخاصِّ على العَقاراتِ الفاخِرَةِ لِما تَدُرُّهُ مِنْ أَرْباحٍ سَريعَةٍ، ما وَضَعَ الغالِبِيَّةَ العُظْمى مِنَ المُنْتَسِبينَ لِلطَّبَقَةِ الوُسْطى تَحْتَ مِقْصَلَةِ الأَسْعار، لِتَدْفَعَ دونَ غَيْرِها ثَمَنًا فادِحًا لِمَوْجَاتِ التَّقَلُّباتِ الِاقْتِصادِيَّةِ العالَمِيَّة، وَما خَلَّفَتْهُ مِنْ قَفَزاتٍ جُنونِيَّةٍ لِأَسْعارِ مَوادِّ البِناء، لَمْ تُفْلِحْ مَعَها ما أَعْلَنَتْهُ العَديدُ مِنَ الحُكوماتِ مِنِ اسْتْراتيجِيّات، لِلتَّوَسُّعِ في بِناءِ المُدُنِ الذَّكِيَّة، أَوْ حَتّى تَوْفيرِ مَشاريعِ الإِسْكانِ الاجْتِماعيِّ المَدْعومَة.

وَتُشيرُ العَديدُ مِنَ الدِّراساتِ المُتَخَصِّصَة، إلى أَنَّ ما يُواجِهُهُ قِطاعُ الإِسْكانِ في العالَمِ العَرَبيِّ مِنْ تَحَدِّيات، يَرْجِعُ بِالأَساسِ إلى مُعَدَّلاتِ النُّمُوِّ السُّكّانيِّ السَّريعِ الذي يُقَدَّرُ بِنَحْوِ 2.3% سَنَوِيًّا، فَضْلًا عَنْ تَنامي ظاهِرَةِ النُّزوحِ الرّيفيِّ إلى المُدُن، وَما أَدّى إِلَيْهِ مِنِ انْتِشارٍ كَبيرٍ لِلعَشْوائِيّات، في دُوَلٍ مِثْلَ مِصْرَ والجَزائِرِ والمَغْرِبِ واليَمَنِ والعِراق، وَهِيَ أَزْمَةٌ بِحَسَبِ الكَثيرِ مِنَ الخُبَراء، لَمْ تَنْجَحِ العَديدُ مِنَ الحُكوماتِ في التَّعاطي مَعَها بِالقُوَّةِ اللّازِمَة، على الرَّغْمِ مِمّا وَضَعَتْهُ مِنِ اسْتْراتيجِيّات، إِذْ لا تَزالُ العَديدُ مِنَ المُدُنِ الكُبْرى تُعاني وَبِقَسْوَةٍ مِمّا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالِانْفِجارِ الحَضَرِيّ، جَرّاءَ مَوْجاتِ النُّزوحِ المُتَواصِلَةِ مِنَ الرّيفِ إلى المُدُن، وَما خَلَّفَتْهُ تِلْكَ المَوْجاتُ مِنْ ضَغْطٍ هائِلٍ على البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، وارْتِفاعِ الطَّلَبِ على الوَحَداتِ السَّكَنِيَّة، في وَقْتٍ تُعاني فيهِ الغالِبِيَّةُ العُظْمى مِنَ الطَّبَقاتِ ذاتِ الدَّخْلِ المَحْدود، مِنْ ضَعْفِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّة، ما يَدْفَعُهُمْ لِلسَّكَنِ في المَناطِقِ العَشْوائِيَّة.

وَيُرْجِعُ الكَثيرُ مِنَ الخُبَراءِ انْفِجارَ أَزْمَةِ السَّكَنِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، إلى حُزْمَةِ السِّياساتِ النّيوليبيرالِيَّةِ التي انْتَهَجَتْها البِلادُ مُنْذُ مَطْلَعِ الثَّمانينِيّات، والِاتِّجاهِ المُتَسارِعِ نَحْوَ خَصْخَصَةِ قِطاعِ الإِسْكان، عَبْرَ تَقْليصِ الدَّعْمِ المُقَدَّمِ مِنَ الدَّوْلَةِ لِهَذا القِطاعِ الحَيَوِيّ، وَما صاحَبَ ذَلِكَ مِنْ خُطُواتٍ واسِعَةٍ نَحْوَ تَحْريرِ عُقودِ الإيجار، وَهِيَ السِّياساتُ التي لَعِبَتْ في مِصْرَ على سَبيلِ المِثال، دَوْرًا كَبِيرًا، حَسْبَما يَقولُ الدُّكْتورُ سَيْفُ الدّينِ فَرَج، أُسْتاذُ التَّخْطيطِ العُمْرانِيّ، في تَحْوِيلِ السَّكَنِ مِنْ حَقٍّ اجْتِماعِيٍّ إلى سِلْعَةٍ اسْتِثْمارِيَّة، لا تَقْدِرُ عَلَيْها النِّسْبَةُ الغالِبَةُ مِنَ الشَّعْب، مُشيرًا إلى أَنَّ التَّحَوُّلَ الجَوْهَرِيَّ في مَلَفِّ السَّكَن، يَبْدَأُ دائِمًا مَعَ تَغَيُّرِ فَلْسَفَةِ التَّعامُلِ مَعَ العُمْران، مِنْ كَوْنِهِ خِدْمَةً اجْتِماعِيَّةً لِلمُواطِنين، إلى كَوْنِهِ نَشاطًا اقْتِصادِيًّا تَحْكُمُهُ آلِيّاتُ السّوق، وَهُوَ ما جَعَلَ مِنْ الحُصولِ على مَسْكَنٍ مُناسِب، يَسْتَنِدُ إلى قُدْرَةٍ شِرائِيَّةٍ لا تَتَوافَرُ لِلغالِبِيَّةِ العُظْمى مِنَ السُّكّانِ والأُسَرِ مَحْدودَةِ أَوْ مُتَوَسِّطَةِ الدَّخْل.

يَمْتَدُّ الوَطَنُ العَرَبِيُّ مِنَ المُحيطِ الأَطْلَسيِّ غَرْبًا، إلى الخَليجِ العَرَبيِّ شَرْقًا، بِمِساحَةٍ تَقْتَرِبُ مِنْ 14 مِلْيونَ كيلومِتْرٍ مُرَبَّعٍ، بِما يُوازِي مِساحَةَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ مَرَّةً وَنِصْفَ المَرَّة، وَنَحْوَ ثُلُثَيْ مِساحَةِ الاتِّحادِ السّوفْياتيِّ سابِقًا، وَقَدِ انْعَكَسَتْ ظُروفُ البيئَةِ الصَّحْراوِيَّةِ الجافَّةِ التي تُمَثِّلُ مُعْظَمَ مِساحَةِ الوَطَنِ العَرَبِيّ، على تَوْزيعِ السُّكّان، حَيْثُ يَتَرَكَّزونَ في الأَوْدِيَةِ النَّهْرِيَّةِ أَوِ السَّواحِلِ التي تَسْتَقْبِلُ قَدْرًا مِنَ الأَمْطارِ تَسْمَحُ بِالزِّراعَةِ والرَّعْي، إلى جانِبِ الواحاتِ المُبَعْثَرَة، والمَناطِقِ ذاتِ التُّرْبَةِ الخَصْبَةِ التي تَقومُ فيها الزِّراعَةُ اعْتِمادًا على الأَمْطار، وَهُوَ ما لَعِبَ دَوْرًا كَبِيرًا في إِقامَةِ نَحْوِ 70% مِنَ العَرَبِ في أَفْريقْيا وَ30% في آسْيا، يَنْقَسِمونَ إلى 22 وَحْدَةً سِياسِيَّةً مُسْتَقِلَّة، تَتَشابَهُ في مُعْظَمِ الخَصائِصِ الدّيموغْرافِيَّةِ والاجْتِماعِيَّة، التي تَقومُ على مُعَدَّلاتِ نُمُوٍّ سُكّانِيٍّ مُرْتَفِع، وَتَرْكيبٍ سُكّانِيٍّ عُمْرِيٍّ شابٍّ، وَهُوَ ما يَجْعَلُ مِنْ أَزْمَةِ الإِسْكانِ، واحِدَةً مِنْ أَبْرَزِ المَشاكِلِ التي تُواجِهُ قِطاعاتِ الشَّبابِ في الغالِبِيَّةِ العُظْمى مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَغالِبِيَّتُهُمْ يَنْتَمونَ إلى الطَّبَقَةِ مَحْدودَةِ المَوارِد، أَوِ الطَّبَقَةِ الوُسْطى التي جَرَتْ عَلَيْها مَفاهيمُ الحِراكِ الاجْتِماعِيِّ الهابِط.

وَهذه الصورةُ تَتَجَلّى بِوُضوحٍ في مِصْر، حَسْبَما تَقولُ الدُّكْتورَة مَرْوى مُصْطَفى، مُدَرِّسَةُ الجُغْرافْيا الِاقْتِصادِيَّة، في كُلِّيَّةِ الآدابِ في جامِعَةِ عَيْنِ شَمْس، مُشيرَةً إلى ما مَرَّ بِهِ المُجْتَمَعُ المِصْرِيُّ خِلالَ العُقودِ السّابِقَةِ مِنْ تَغَيُّراتٍ شَديدَة، أَثَّرَتْ على إِعادَةِ تَشْكيلِ بِنائِهِ الطَّبَقِيّ، وَتَقولُ: "هَذِهِ العُقودُ لَمْ تَكُنْ مُنْصِفَةً في شَكْلِ التَّغَيُّراتِ التي حَدَثَتْ فيها، وَهِيَ تَغْييراتٌ تَرْتَبِطُ بِمَرْحَلَتَيْنِ رَئِيسِيَّتَيْن؛ الأولى مِنْ قِيامِ ثَوْرَةِ يولْيو/تَمّوز 1952 حَتّى بِدايَةِ السَّبْعينِيّات، وَكانَ أَبْرَزُ ما يُمَيِّزُها على المُسْتَوى الاجْتِماعِيّ، مَرْحَلَةَ نُمُوٍّ واسْتِقْرارِ الطَّبَقَةِ الوُسْطى، بِسَبَبِ ما اتَّخَذَتْهُ الثَّوْرَةُ مِنْ إِجْراءات، بَعْضُها يَتَعَلَّقُ بِحَلِّ مُشْكِلَةِ السَّكَن، عَبْرَ خَلْقِ مُجْتَمَعاتٍ صِناعِيَّةٍ وَعُمْرانِيَّةٍ جَديدَة، بَيْنَما المَرْحَلَةُ الثّانِيَةُ وَهِيَ مِنْ بِدايَةِ السَّبْعينِيّاتِ حَتّى الفَتْرَةِ المُعاصِرَة، شَهِدَتْ ضَعْفًا في هَذِهِ الطَّبَقَةِ كَمًّا وَكَيْفًا، إِذْ تَقَلَّصَتْ أَعْدادُ المُنْتَمينَ إِلَيْها لِتَنْضَمَّ إلى طَبَقَةِ الفُقَراء، وَقَدْ تَراجَعَتِ الطَّبَقَةُ المُتَوَسِّطَةُ المِصْرِيَّةُ طِبْقًا لِتَقْريرِ الإِسْكوا وَمُؤَسَّسَةِ فيتْش، مِنْ 48% قَبْلَ عامِ 2000 إلى 44% عامِ 2011، ثُمَّ تَراجَعَتْ خِلالَ الفَتْرَةِ الأَخيرَة، حَتّى وَصَلَتْ إلى 34% عامِ 2017.

يَلْعَبُ غِيابُ العَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ عَنِ السِّياساتِ العُمْرانِيَّة، في العَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، دَوْرًا كَبِيرًا في انْفِجارِ أَزْمَةِ السَّكَن، فالكَثيرُ مِنَ المُجْتَمَعاتِ العُمْرانِيَّةِ الجَديدَة، تَقْتَصِرُ في حَقيقَةِ الأَمْرِ على طَبَقَةٍ مُعَيَّنَة، هِيَ وَحْدَها القادِرَةُ على شِراءِ الوَحَداتِ السَّكَنِيَّةِ في تِلْكَ المُجْتَمَعات، التي تَحولُ أَسْعارُها الضَّخْمَةُ دونَ حُصولِ الغالِبِيَّةِ العُظْمى على مَأْوًى لائِقٍ، وَهُوَ ما يَزيدُ مِنْ تَعْقيداتِ الأَزْمَةِ التي لا تَتَوَقَّفُ تَداعِياتُها في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، على تَأْثيراتِها السَّلبِيَّةِ في التَّماسُكِ الاجْتِماعيِّ والاسْتِقْرارِ الِاقْتِصادِيّ، لَكِنَّها تَمْتَدُّ حَسْبَما يَذْهَبُ الدُّكْتورُ سَيْفُ الدِّينِ فَرَج، أُسْتاذُ التَّخْطيطِ العُمْرانِيّ، إلى ما هُوَ أَخْطَر، ذَلِكَ أَنَّ الفَصْلَ المَكانِيَّ بَيْنَ الطَّبَقات، يُؤَدّي بِالتَّبَعِيَّةِ إلى تَراجُعِ الإِحْساسِ بِالعَدالَة، وَتَعْميقِ الشُّعورِ بِالتَّهْميشِ لَدى قِطاعاتٍ واسِعَةٍ مِنَ المُجْتَمَع، وَهُوَ الأَمْرُ الذي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحُدَّ مِنَ الإِنْتاجِيَّةِ وَيَزيدَ مِنْ تَكاليفِ المَعيشَة، عَبْرَ خَلْقِ مُدُنٍ غَيْرِ مُتَوازِنَة، تُعاني مِنْ تَآكُلِ الرَّوابِطِ الاجْتِماعِيَّة، وَظُهورِ أَنْماطٍ مِنَ العُزْلَة، وَتَعْتَمِدُ على الاسْتِهْلاكِ أَكْثَرَ مِنَ التَّنْمِيَة!.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن