اقتصاد ومال

البَطالَةُ والفَقْر: مُنْتَجٌ اقْتِصادِيٌّ واجْتِماعِيّ!

هُناكَ مُسَبِّباتٌ جَوْهَرِيَّةٌ لِلْفَقْر، مِثْلَ الِانْحِيازِ لِلطَّبَقَةِ العُلْيا وَمَصالِحِها على حِسابِ باقي المُجْتَمَع، والبَطالَة، والفَسادِ الذي يُهْدِرُ المالَ العام، وَحِرْمانِ المَناطِقِ الرّيفِيَّةِ والعَشْوائِيَّةِ مِنَ الخِدْماتِ الصِّحِّيَّةِ والتَّعْليمِيَّةِ والبُنْيَةِ الأَساسِيَّة، لَكِنَّ العَديدَ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تُعاني مِنْ مُسَبِّباتٍ اسْتِثْنائِيَّةٍ وَإِضافِيَّةٍ لِلْفَقْرِ تَتَمَثَّلُ في الحُروبِ الأَهْلِيَّةِ والإِرْهاب، وَكُلُّها تَسْتَنْزِفُ مَوارِدَ الأُمَّة، وَقُوَّةَ عَمَلِها.

البَطالَةُ والفَقْر: مُنْتَجٌ اقْتِصادِيٌّ واجْتِماعِيّ!

تُشيرُ أَحْدَثُ بَياناتِ نِسْبَةِ الفَقْرِ وِفْقَ خَطِّ الفَقْرِ الوَطَنِيّ، إلى أَنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ التي تُعاني أَشَدَّ نِسَبِ الفَقْرِ هِيَ اليَمَنُ بِنِسْبَةِ 46.7%، والسّودانُ بِنِسْبَةِ 46.5%، وَجُزُرُ القَمَرِ بِنِسْبَةِ 42%، وَمِصْرُ بِنِسْبَةِ 29.7%. كَما شَهِدَتْ 3 دولٍ عَرَبِيَّةٍ أَعْلى نِسَبِ الفَقْرِ بِإجمالي 1.7 مِلْيونِ شَخْص، وَهِيَ اليَمَن (0.8 مِلْيون شَخْص)، والسّودان (0.3 مِلْيون شَخْص)، والجَزائِر (0.1 مِلْيونِ شَخْص)، وفْقَ أرقامِ التَّقْريرِ الاقْتِصادِيِّ العَرَبِيِّ المُوَحَّد - 2022.

وَمِنَ الجَديرِ بِالإِشارَة، أنّ التَّعافيَ مِنَ الفَقْرِ يَتَحَقَّقُ أَيْضًا، عَبْرَ اعْتِمادِ اسْتراتيجِيّاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِإِجْراءِ تَغْييراتٍ بِأَقَلِّ تَكاليفَ في السِّياساتِ والمُؤَسَّسات، وَأَنَّ الفَقْرَ مُنْتَجٌ رَئيسِيٌّ لِلنُّظُمِ الاقْتِصادِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ المُخْتَلِفَة، حَسَبَ طَبيعَةِ كُلٍّ مِنْها، والفَقْرُ بِمَعْناهُ المُتَعارَفِ عَلَيْهِ دَوْلِيًّا، يَعْني العَيْشَ بِأَقَلَّ مِنْ 2.1 دولارٍ في اليَوْمِ لِلْفَرْدِ كَمُحَدِّدٍ لِلْفَقْرِ المُدْقِع، أَوِ العَيْشَ بِأَقَلَّ مِنْ 3.6 دولاراتٍ في اليَوْمِ لِلْفَرْدِ كَمُحَدِّدٍ لِلْفَقْرِ العام، أَوِ العَيْشَ بِأَقَلَّ مِنْ 6.8 دولاراتٍ لِلْفَرْدِ في دُوَلِ الدَّخْلِ المُتَوَسِّطِ المُرْتَفِع، وَذَلِكَ بِحَسَبِ خُطوطِ الفَقْرِ لَدى "البَنْكِ الدولِيّ" المَحْسوبَةِ وِفْقًا لِتَعادُلِ القُوى الشِّرائِيَّة.

مُعدّل البطالة في الوطن العربي بلغ 12.2% من قوّة العمل العربية عام 2022

كَذَلِكَ الأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى السّودانِ الذي وَصَلَ مُعَدَّلُ الفَقْرِ فيهِ رَسْمِيًّا إلى 46.5% مِنْ عَدَدِ السُّكّانِ عامَ 2025، في ظِلِّ الحَرْبِ المُدَمِّرَة. أَمّا الصّومالُ الذي يُعاني مِنَ الانْقِساماتِ والصِّراعات، فَإِنَّ مُعَدَّلَ الفَقْرِ فيهِ بَلَغَ نَحْوَ 70.7% مِنَ السُّكّان. وَبَلَغَ مُعَدَّلُ الفَقْرِ في اليَمَنِ نَحْوَ 46.7% مِنَ السُّكّان، وَمَعَ تَفاقُمِ الصِّراعاتِ الدّاخِلِيَّةِ والحُروبِ الخارِجِيَّة، فَإِنَّ مُعَدَّلَ الفَقْرِ في اليَمَن، مِنَ المُرَجَّحِ أَنْ يَكونَ قَدْ تَضاعَفَ في الوَقْتِ الرّاهِن.

وَوِفْقًا لِأَحْدَثِ بَياناتٍ مُتَوَفِّرَةٍ دَوْلِيًّا، بَلَغَ مُعَدَّلُ الفَقْرِ كَنِسْبَةٍ مِنَ السُّكّانِ نَحْوَ 42% في جُزُرِ القُمُرِ عامَ 2014، وَنَحْوَ 31% في موريتانْيا عامَ 2015، وَنَحْوَ 27.4% في لُبْنان بِفِعْلِ الأَزَماتِ السِّياسِيَّةِ والمالِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّةِ اللُّبْنانِيَّةِ والأَعْدادِ الكَبيرَةِ مِنَ اللاجِئينَ التي تَدَفَّقَتْ مِنْ سورِيا إِلَيْه. وَبَلَغَ المُعَدَّلُ في جيبوتِي نَحْوَ 21.1% عامَ 2025، وَبَلَغَ المُعَدَّلُ 15.7% في الأُرْدُنِّ عامَ 2025، وَبَلَغَ المُعَدَّلُ 16.6% في تونُسَ عامَ 2025، كَما بَلَغَ المُعَدَّلُ نَحْوَ 29.7% في مِصْرَ عامَ 2025، بَيْنَما بَلَغَ مُعَدَّلُ الفَقْرِ في العِراقِ 18.9% (المَصْدَر: مُراجَعَةُ سُكانِ العالَم / World Population Review).

عدد كبير من العُمّال في العالم العربي يعانون من ظروف صعبة وأكثر من ثلث سكان المنطقة يعيشون تحت خط الفقر

مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى، تُشَكِّلُ البَطالَةُ آلِيَّةً رَئيسِيَّةً لِلتَّهْميشِ الاقْتِصادِيِّ والفَقْر، لِأَنَّها تَعْني بِبَساطَةٍ حِرْمانَ البَشَرِ مِنْ كَسْبِ العَيْشِ بِكَرامَةٍ مِنْ خِلالِ عَمَلِهِم، بِما يَدْفَعُهُمْ إلى هُوَّةِ الفَقْرِ والتَّحَوُّلِ إلى عالَةٍ على أُسَرِهِم، فَإِذا كانَتْ أُسَرُهُم فَقيرَةً عَمَّقُوا فَقْرَها. كَما تُؤَدّي البَطالَةُ إلى رَفْعِ مُعَدَّلِ الإِعالَةِ الذي بَلَغَ في مَجْموعِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ 4 أَشْخاصٍ لِكُلِّ عامِل، إِضافَةً إلى العامِلِ نَفْسِه. وَتُشيرُ البَياناتُ الرَّسْمِيَّة، الأَقَلُّ مِنَ الأَرْقامِ الحَقيقِيَّة، إلى أَنَّ مُعَدَّلَ البَطالَةِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ في مَجْموعِه، بَلَغَ 12.2% مِنْ قُوَّةِ العَمَلِ العَرَبِيَّةِ البالِغَةِ 101.4 مِلْيونًا عامَ 2022.

أَمّا عَنْ مُعَدَّلِ البَطالَةِ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، فَتَتضافَرُ عَوامِلُ عِدَّةٌ لِجَعْلِ مُعَدَّلِ البَطالَةِ مُرْتَفِعًا في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، لَعَلَّ أَهَمَّها عَدَمُ الاسْتِقْرارِ السِّياسِيّ، والصِّراعاتُ والأَزْماتُ الاقْتِصادِيَّة، وَضَعْفُ القِطاعِ الخاصّ، والضُّغوطُ الدّيموغْرافِيَّة. كَما أَنَّ تَعافي سوقِ العَمَلِ بَعْدَ "الجائِحَة" بَقِيَ مُتَخَلِّفًا عَنِ التَّعافي الاقْتِصادِيّ، وَلا تَزالُ الوَظائِفُ اللّائِقَةُ لِلْقُوى العامِلَةِ المُتَنامِيَةِ نادِرَة. كَما يُشيرُ تَقْريرُ "مُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدَّوْلِيَّة" إلى مُعاناةِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ العُمّالِ في العالَمِ العَرَبِيِّ مِنْ ظُروفٍ صَعْبَةٍ جَرّاءَ الصِّراعاتِ والتَّراجُعِ الاقْتِصادِيّ.

وَبَيْنَما يَعيشُ المُشْتَغِلونَ مِنْهُمْ في دُوَلٍ عِدَّةٍ وَسَطَ ظُروفِ عَمَلٍ قاسِيَة، فَقَدْ بَلَغَ مُعَدَّلُ البَطالَةِ نَحْوَ 13% عامَ 2024، والأَمْرُ الأَكْثَرُ خُطورَةً هُوَ أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ سُكّانِ المِنْطَقَةِ يَعيشونَ تَحْتَ خَطِّ الفَقْر، وَتَرْتَفِعُ هَذِهِ النِّسْبَةُ في قِطاعِ غَزَّةَ حيث يُواجِهُ العُمّالُ أَسْوَأَ الأَوْضاعِ الإِنْسانِيَّةِ بِسَبَبِ حَرْبِ الإِبادَةِ التي يَقودُها الاحْتِلالُ مُنْذُ السّابِعِ مِنْ أُكْتوبَرَ/تِشْرينِ الأَوَّلِ 2023 لِتَدْفَعَ 80% مِنْهُمْ إلى البَطالَة، وِفْقَ تَقْديراتِ مُنَظَّمَةِ العَمَلِ الدولِيَّة.

يجب معالجة البطالة والفقر من خلال التكامل الاقتصادي العربي

وَجاءَتْ أَعْلَى دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ بِمُعَدَّلِ البَطالَةِ وِفْقَ البَنْكِ الدَّوْلِيِّ كالتّالي: جيبوتي: 26.3%، الضِّفَّةُ الغَرْبِيَّةُ وَغَزَّة: 24.4% عامَ 2022، الصّومال: 19%، ليبْيا: 18.7%، الأُرْدُنّ: 17.9%، اليَمَن: 17.2%، العِراق: 15.5%، تُونُس: 15.1% عامَ 2023. أَمّا في سورْيا فَلا يَزالُ مَلايينُ المُواطِنينَ يَعيشونَ تَحْتَ عِبْءِ الظُّروفِ القاسِيَةِ التي خَلَّفَتْها الحَرْب، وَيُواجِهُ العُمّالُ ظُروفًا اقْتِصادِيَّةً صَعْبَةً مَعَ تَفَشّي البَطالَةِ وَضَعْفِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ في القِطاعَيْنِ العامِّ والخاص، وَتُفيدُ أَحْدَثُ بَياناتِ البَنْكِ الدَّوْلِيِّ التي نُشِرَتْ عامَ 2024، بِأَنَّ الفَقْرَ يَشْمَلُ 69% مِنَ السُّكّان.

على جانِبٍ آخَر، احْتَلَّتْ دَوْلَةُ قَطَر الصَّدارَةَ عالَمِيًّا وَعَرَبِيًّا بِانْخِفاضِ مُعَدَّلِ البَطالَةِ إلى نَحْوِ 0.1%، وَكَذَلِكَ بَقِيَتْ مُعَدَّلاتُ البَطالَةِ أَحْسَنَ حَالًا في دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيَّة، إِلّا أَنَّها تَرْتَفِعُ في الدُّوَلِ التي تُعاني مِنِ اضْطِراباتٍ جِيوسِياسِيَّة.

وَفي الخِتام، يَجِبُ مُعالَجَةُ البَطالَةِ والفَقْرِ بِشَكْلٍ أَساسِيّ، مِنْ خِلالِ التَّكامُلِ الاقْتِصادِيِّ العَرَبِيّ، وَمِنْطَقَةِ التِّجارَةِ الحُرَّةِ العَرَبِيَّةِ الكُبْرى، والسّوقِ العَرَبِيَّةِ المُشْتَرَكَة، وَمِنْ خِلالِ تَفْعيلِ اتِّفاقِيَّةِ الاسْتِثْمارِ العَرَبِيَّة، وَتَعْزيزِ التَّعاوُنِ الإِقْلِيمِيّ.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن