عاشَ عَلِيّ بْنُ رِضْوانَ الجيزاوِيُّ قِصَّةَ كِفاحٍ مِنَ الصِّغَر، فَلَمْ يَكُنْ والِدُهُ مِمَّنْ يَمْلِكُ المالَ القادِرَ عَلى تَوْفيرِ حَياةِ تَفَرُّغٍ لِابْنِه، بَل كانَ فَرّانًا لِذا عاشَ الابْنُ حَياةً صَعْبَةً وَكافَحَ لِكَيْ يُواجِهَ شَظَفَ العَيْش، فَتَعَلَّمَ الطِّبَّ عَبْرَ النَّظَرِ في الكُتُب، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ تَتَلمَذَ لِأَطِبّاءِ عَصْرِه، خاصَّةً أَنَّهُ سَجَّلَ في كُتُبِهِ سوءَ التَّعْليمِ الطِّبِّيِّ في عَصْرِه، فَانْكَبَّ عَلى دِراسَةِ كُتُبِ غالينوس وَأَبُقْراط، وَوَجَدَ أَنَّ كَلامَ الأَخيرِ لا يُفْهَمُ إلّا بِدِراسَةِ الهَنْدَسَةِ وَالمَنْطِقِ فَدَرَسَهُما، وَهُوَ أَمْرٌ يُؤَكِّدُ نُبوغَهُ بَعْدَما عَلَّمَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ حَتّى بَذَّ أَقْرانَهُ وَأَصْبَحَ عالِمَ عَصْرِه، كَما يَقولُ سُلَيْمانُ قَطِيَّة مُؤَلِّفُ كِتاب: "الطَّبيبُ العَرَبِيُّ عَلِيّ بْنُ رِضْوان".
ركّز على علاقة الأمراض بالوسط الجغرافي والتلوّث والتغيير المناخي والمخاطر البيئية
ابْتَسَمَ الحَظُّ لَهُ فَتَوَلّى مَنْصِبَ رَئيسِ أَطِبّاءِ مِصْرَ لِلخُلَفاءِ الفاطِمِيّين، وَهُوَ مَنْصِبٌ لَمْ يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ إلّا كِبارُ الأَطِبّاءِ أَوِ الحُكَماءِ بِمُصْطَلَحِ ذَلِكَ العَصْر، وَتَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ 100 مُؤَلَّفٍ ما بَيْنَ كِتابٍ وَرِسالَةٍ في الطِبِّ تَدُلُّ عَلى قَدَمٍ راسِخَةٍ في العِلْم، مِنْها ما نُقِلَ إلَى اللّاتينِيَّةِ خُصوصًا كِتابُهُ "شَرْحُ كِتابِ المُرَبَّعَةِ لِبَطْليموس"، كَما دَوَّنَ سيرَتَهُ الذّاتِيَّةَ في كِتابٍ بِعُنْوانٍ لافِت: "في سَبيلِ السَّعادَة".
لَكِنَّ مَدارَ شُهْرَتِهِ الحالِيَّةِ تَقومُ عَلى كِتابِه "دَفْعُ مَضارِّ الأَبْدانِ بِأَرْضِ مِصْر"، وَهُوَ من العَلاماتِ الإِنْسانِيَّةِ في الطِبِّ البيئِيِّ المَعْنِيِّ بِدِراسَةِ التَّفاعُلاتِ بَيْنَ صِحَّةِ الإِنْسانِ وَالعَوامِلِ البيئِيَّة، عَبْرَ التَّرْكيزِ عَلى عَلاقَةِ الأَمْراضِ بِالوَسَطِ الجُغْرافِيِّ وَالتَّلَوُّثِ وَالتَّغْييرِ المُناخِيِّ وَالمَخاطِرِ البيئِيَّة، وَالعَمَلِ عَلى اقْتِراحِ العِلاجِ النّاجِعِ وَالوِقايَةِ الفَعّالَةِ في ضَوْءِ هَذِهِ المُعْطَيات.
وَقَدَّمَ ابْنُ رِضْوانَ مَعْلوماتٍ مُهِمَّةً عَنْ مُناخِ مِصْرَ وَما يَجُرُّهُ مِنْ أَمْراض، كَما حَلَّلَ أَسْبابَ انْتِشارِ الأَمْراضِ في العاصِمَةِ المِصْرِيَّة، التي يُطْلِقُ عَلَيْها مُصْطَلَحَ "المَدينَةِ الكُبْرى" الَّتي تَشْتَمِلُ عَلى أَرْبَعِ مُدُنٍ هِيَ: الفُسْطاط، وَالقَرافَة، وَالقاهِرَة، وَالجيزَة، وَكُلٌّ مِنْها مَدينَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِها. وَيَنْتَقِدُ مَوْقِعَ مَدينَةِ الفُسْطاطِ الَّتي كانَتِ العاصِمَةَ التِّجارِيَّةَ وَالاقْتِصادِيَّةَ لِلبِلادِ وَقْتَذاك، لِأَنَّ جَبَلَ المُقَطَّمِ يَقَعُ شَرْقَها وَيَمْنَعُ عَنْها ريحَ الصَّبا، كَما أَنَّها في مُنْخَفَضٍ في الأَرْض.
قدّم أدقّ وصف لألمع حدث فلكي مُسجّل في التاريخ
وَيَنْتَقِدُ بِناءَ المَدينَة، فَـ"أَزِقَّةُ الفُسْطاطِ وَشَوارِعُها ضَيِّقَةٌ وَأَبْنِيَتُها عالِيَة"، كَما أَنَّ أَهْلَ المَدينَةِ يَرْمونَ جُثَثَ الكِلابِ وَالقِطَطِ في الشَّوارِعِ وَفي النّيل، الأَمْرُ الَّذي يَزيدُ مِنْ عُفونَةِ الهَواءِ وَالماء. وَهُوَ يُفَضِّلُ مَوْقِعَ القاهِرَةِ الفاطِمِيَّةِ عَلى مَوْقِعِ الفُسْطاط، لَكِنَّهُ يَرى أَنَّ أَفْضَلَ مَوْضِعٍ لِلسُّكْنى بَعيدًا عَنِ الأَمْراضِ هِيَ المَناطِقُ الواقِعَةُ شَمالَ القاهِرَة، وَمِنَ المُدْهِشِ أَنَّ هَذِهِ المَناطِقَ هِيَ نَفْسُها الَّتي شَهِدَتْ تَوَسُّعَ مَدينَةِ القاهِرَةِ خِلالَ الأَلْفِ سَنَةٍ التّالِيَةِ عَلى تَصْريحِ ابْنِ رِضْوانَ هَذا، الذي يَرى أَنَّ أَهْلَ العاصِمَةِ المِصْرِيَّةِ أَسْرَعُ أَهْلِ مِصْرَ وُقوعًا في الأَمْراضِ بِسَبَبِ المَوْقِعِ الجُغْرافِيِّ وَالظُّروفِ البيئِيَّة، وَمِنَ اللّافِتِ أَنَّ المُسْتَشْرِقَ الأَلمانِيَّ ماكْس مايرْهوف (Max Meyerhof)، أَكَّدَ في دِراسَتِهِ عَنِ الطَّبيبِ المِصْرِيّ، أَنَّ تَحْليلَهُ لِجَوِّ القاهِرَةِ يَتَّفِقُ مَعَ ما شاهَدَهُ مايرْهوف نَفْسُهُ في المَدينَةِ عامَ 1927.
عَلى الرَّغْمِ مِنْ جُهودِ ابْنِ رِضْوانَ الطِّبِّيَّة، إلّا أَنَّ ما ضَمِنَ لَهُ الخُلودَ هو ما دَوَّنَهُ عَلى هامِشِ كِتابِه "شَرْحُ كِتابِ المُرَبَّعَةِ لِبَطْليموس"، في ما يَخُصُّ رَصْدَهُ الفَلَكِيَّ لِـ "المُسْتَعِرِ الأَعْظَمِ 1006"، إذْ قَدَّمَ أَدَقَّ وَصْفٍ لِأَلْمَعِ حَدَثٍ فَلَكِيٍّ مُسَجَّلٍ في التّاريخ، وَالَّذي وَقَعَ عامَ 1006، فَوَصَفَ سُطوعَهُ وَمَوْقِعَهُ بِاسْتِفاضَةٍ وَتَفْصيلٍ تَفَوَّقَ بِها عَلى كُلِّ مَنْ تَحَدَّثَ عَنْ هَذِهِ الظّاهِرَةِ الفَلَكِيَّةِ بِمَنْ في ذَلِكَ ابْنُ سينا نَفْسُه، وَاسْتَفادَ مِنْ وَصْفِ ابْنِ رِضْوانَ عُلَماءُ الفَلَكِ في القَرْنِ العِشْرينَ في تَحْديدِ مَوْقِعِ المُسْتَعِر، لِذا لَمْ يَكُنْ غَريبًا أَنْ يَتِمَّ تَكْريمُهُ بِوَضْعِ صورَتِهِ بِجِوارِ بَطْليموس وَالمَلِكِ أَلفونسو العاشِرِ وَأَبي مَعْشَرٍ البَلْخِيِّ عَلى واجِهَةِ السّاعَةِ الفَلَكِيَّةِ لِكَنيسَةِ القِدّيسِ نيكولاس في مَدينَةِ شترالزوند (Stralsund) الأَلمانِيَّة، وَهِيَ ساعَةٌ تَعودُ إلَى القَرْنِ الرّابِعَ عَشَرَ المِيلادِيّ، وَتُخَلِّدُ جُهودَ ابْنِ رِضْوانَ العِلْمِيَّةَ وَتُقِرُّ بِها.
(خاص "عروبة 22")

