لَقَدْ تَوَقَّفَتِ الحَرْب، أَوْ بِالأَدَقّ، تَوَقَّفَتْ جَوْلَةٌ مِنْها، لَكِنَّ آثارَها لا تَزالُ مُمتَدَّةً في الجُغْرافْيا والسِّياسَةِ والِاقْتِصاد. وَما كانَ يَتَغَيَّرُ كُلَّ ساعَةٍ في زَمَنِ القِتال، باتَ الآنَ يَتَشَكَّلُ بِبُطْءٍ في زَمَنِ ما بَعْدَ الهُدْنَة، حَيْثُ تُصاغُ الرِّوايات، وَتُرَتَّبُ النَّتائِج، وَتَبْدَأُ مَعْرَكَةٌ مِنْ نَوْعٍ آخَر، مَعْرَكَةُ تَفْسيرِ ما جَرى وَبِناءِ ما سَيَأْتي.
لا بُدّ من ورقة جماعية توضع على طاولة المفاوضات تُحدّد خطوط الأمن الخليجي المشترك
غَيْرَ أَنَّ بَيْتَ القَصيدِ لا يَكْمُنُ فَقَطْ في أَطْرافِ الصِّراعِ المُباشِرين، بَلْ في الأَطْرافِ التي اكْتَوَتْ بِنارِ هَذِهِ الحَرْبِ مِنْ دونِ أَنْ تَكونَ جُزْءًا مِنْ قَرارِها، وَهِيَ دُوَلُ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ، والتي تَلَقَّتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ آلافِ مُسَيَّرَةٍ وَصاروخٍ على مُنْشَآتِها الحَيَوِيَّة. هَذِهِ الدُّوَل، التي قَدْ تَظْهَرُ بَيْنَها تَبايُناتٌ في بَعْضِ المَلَفّات، إِلّا أَنَّ مَنْ يَعْرِفُ تَرْكيبَتَها العَميقَةَ يُدْرِكُ أَنَّ ما يَجْمَعُها أَكْبَرُ بِكَثيرٍ مِمّا يُفَرِّقُها. فَالتّاريخُ المُشْتَرَك، والجُغْرافْيا المُتَّصِلَة، والتَّشابُكُ الِاقْتِصادِيّ، والتَّرْكيبَةُ السُّكّانِيَّةُ المُتَقارِبَة، كُلُّها تُؤَكِّدُ حَقيقَةً بَسيطَةً لَكِنَّها عَميقَة: هَذا الكِيانُ يَنْتَمي إلى نَسيجٍ واحِد، وَ"المَصيرُ المُشْتَرَكُ قَناعَةٌ راسِخَةٌ". لِذَلِكَ لا بُدَّ مِنْ وَرَقَةٍ جَماعِيَّةٍ توضَعُ على طاوِلَةِ المُفاوَضَاتِ تُحَدِّدُ خُطوطَ الأَمْنِ الخَليجِيِّ المُشْتَرَك.
أَثْبَتَتْ هَذِهِ الأَزْمَة، كَما غَيْرُها، أَنَّ الحِسَّ الخَليجِيَّ المُشْتَرَكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ شِعار، بَلْ واقِعٌ عَمَلِيّ. فَأَيُّ أَزْمَةٍ تَمُرُّ بِها دَوْلَةٌ خَليجِيَّة، يَتَرَدَّدُ صَداها في بَقِيَّةِ الدُّوَل، وَتَتَحَوَّلُ سَريعًا إلى شَأْنٍ عامّ. وَفي هَذِهِ الجَوْلَة، بَرَزَ ذَلِكَ بِوُضوح، حَيْثُ لَعِبَتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ دَوْرَها التّاريخِيَّ بِوَصْفِها "عَمودَ الخَيْمَة"، فَفَتَحَتْ مَوانِئَها على البَحْرِ الأَحْمَرِ لِتَأْمينِ سَلاسِلِ الإِمْداد، وَوَسَّعَتْ مِنْ قُدْراتِ مَطاراتِها لِاسْتيعابِ الحَرَكَةِ الجَوِّيَّة، في وَقْتٍ كانَتْ فيهِ المِنْطَقَةُ بِحاجَةٍ إلى كُلِّ مَنْفَذٍ آمِن.
وجود "مقعد خليجي" على طاولة المفاوضات ضرورة لطرح الهواجس الاستراتيجية الخليجية التي فجّرتها الثورة الإيرانية
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جُهْدًا رَسْمِيًّا فَقَط، بَلْ رافَقَتْهُ مُبادَراتٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ عَكَسَتْ عُمْقَ الرَّوابِطِ بَيْنَ شُعوبِ الخَليجِ. فَقَدْ فَاجَأَتِ الحَرْبُ عَدَدًا مِنَ المُعْتَمِرينَ الخَليجِيِّين، وَما إِنْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ السُّبُلُ حَتّى ظَهَرَ سَيْلٌ مِنَ الدَّعَواتِ مِنْ أُسَرٍ سُعودِيَّةٍ لِلْجَميعِ بِأَنَّ (العَيْنَ أَرْحَبُ مِنَ الدّارِ فَأَهْلًا بِكُمْ ضُيوفًا حَتّى تَتَوَفَّرَ سُبُلُ عَوْدَتِكُم)، لَقَدْ ضَجَّتْ وَسائِلُ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ بِمِثْلِ ذَلِكَ النِّداء.
دُوَلُ الخَليجِ مِنْ أَكْثَرِ المُتَأَثِّرينَ بِما جَرى مِنْ صِراع. فَقَدْ تَعَرَّضَتْ مُنْشَآتٌ حَيَوِيَّةٌ لِهَجَماتٍ بِالصَّواريخِ والطّائِراتِ المُسَيَّرَة، وَتَكَبَّدَتْ خَسائِرَ مادِّيَّةً مُعْتَبَرَة، والأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ تَعَرَّضَتْ بيئَةُ الثِّقَةِ الإِقْليمِيَّةِ لِاهْتِزازٍ عَميق. فَالضَّرَرُ لا يُقاسُ فَقَطْ بِما يُهْدَمُ مِنْ مُنْشَآت، بَلْ بِما يُهْدَمُ مِنْ ثِقَة، وَهِيَ الأَساسُ في أَيِّ نِظامٍ إِقْليمِيٍّ مُسْتَقِرّ. فَلَمْ يَمْضِ وَقْتٌ على اتِّفاقٍ سُعودِيٍّ - إيرانِيٍّ بِرِعايَةٍ صينِيَّةٍ مَهَّدَ لِخَفْضِ التَّوَتُّر، إِلّا وانْهالَتِ الصَّواريخُ والمُسَيَّراتُ على مُدُنِ الخَليج، مَعَ تَهْديدٍ بِاسْتِهْدافِ أَهَمِّ ما يَعيشُ عَلَيْهِ المُجْتَمَعُ الخَليجِيُّ "مَصانِعِ تَحْلِيَةِ المِياه".
على الأُسرة الخليجية التوافق على ثوابت للأمن الجماعي
لَحْظَةُ ما بَعْدَ الهُدْنَةِ التي تَمَّ الإِعْلانُ عَنْها الأَرْبِعاءَ الماضِي لَيْسَتْ لَحْظَةَ راحَة، بَلْ لَحْظَةُ إِعادَةِ تَمَوْضُع. وَإذا ما انْطَلَقَتْ مُفاوَضاتٌ لِتَرْتيبِ ما بَعْدَ الحَرْب، فَإِنَّ غِيابَ الصَّوْتِ الخَليجِيِّ عَنِ الطّاوِلَةِ سَيَكونُ خَلَلًا اسْتراتيجِيًّا. فَهَذِهِ الدُّوَلُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُتَلَقٍّ لِلنَّتائِج، بَلْ طَرَفٌ مُتَأَثِّرٌ وَمُؤَثِّرٌ في مُعادَلَةِ الأَمْنِ الإِقْليمِيِّ والدَّوْلِيّ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ تُصاغَ التَّفاهُماتُ بِمَعْزِلٍ عَنْها، وَخاصَّةً بَعْدَ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ المَريرَة.
إِنَّ وُجودَ "مَقْعَدٍ خَليجِيٍّ" على طاوِلَةِ المُفاوَضاتِ لَيْسَ تَرَفًا سِياسِيًّا، بَلْ ضَرورَةٌ لِطَرْحِ الهَواجِسِ الِاسْتراتيجِيَّةِ الخَليجِيَّةِ التي فَجَّرَتْها الثَّوْرَةُ الإيرانِيَّةُ مُنْذُ نِصْفِ قَرْن، وَأولى القَضايا التي يَجِبُ طَرْحُها هِيَ تَثْبيتُ حَقيقَةِ أَنَّ مَضيقَ هُرْمُز مَمَرٌّ دَوْلِيٌّ لا يَجوزُ إِخْضاعُهُ لِإِرادَةِ طَرَفٍ واحِد، وَأَنَّ حُرِّيَّةَ المِلاحَةِ فيهِ خَطٌّ أَحْمَرُ يَرْتَبِطُ بِالِاقْتِصادِ العالَمِيِّ لا بِالمَصالِحِ الضَّيِّقَة، وبالتالي رَفْضُ أَيِّ هَيْمَنَةٍ مِنْ أَيِّ طَرَفٍ على هَذا المَمَرِّ المائِيِّ الحَيَوِيِّ لِلِاقْتِصادِ العالَمِيّ.
القَضِيَّةُ الثَّانِيَة، هِيَ الحُصولُ على التِزامٍ واضِحٍ مِنْ إيرانَ بِعَدَمِ اسْتِهْدافِ دُوَلِ الخَليجِ أَوِ اسْتِخْدامِ أَراضيها أَوْ أَجْوائِها كَساحَةِ صِراعٍ بِالوِكالَة. فَلا يُمْكِنُ القَبولُ بِأَنْ تَبْقَى هَذِهِ الدُّوَلُ رَهينَةً لِتَجاذُباتٍ إِقْليمِيَّةٍ أَوْ دَوْلِيَّةٍ لا عَلاقَةَ لَها بِها.
إما أن تكون دول الخليج جزءًا من صياغة الترتيبات المقبلة أو تُفرض عليها نتائج لم تشارك في صنعها
أَمّا القَضِيَّةُ الثّالِثَة، فَهِيَ وَضْعُ حَدٍّ لِلتَّدَخُّلاتِ في الشُّؤونِ الدّاخِلِيَّة، أَيًّا كانَ مَصْدَرُها، وَعلى رَأْسِها التَّدَخُّلاتُ الإيرانِيَّةُ عَبْرَ الأَدَواتِ المُخْتَلِفَةِ في مُجْتَمَعاتِ الخَليج، فَاسْتِقْرارُ الدُّوَلِ لا يُبْنى بِالشِّعارات، بَلْ بِاحْتِرامِ السِّيادَةِ الفِعْلِيَّة. وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَكونَ المَقْعَدُ فاعِلًا، على الأُسْرَةِ الخَليجِيَّةِ التَّوافُقُ على ثَوابِتَ لِلأَمْنِ الجَماعِيِّ والتَّنْسيقِ الفَعّالِ بَيْنَها.
قَدْ تَكونُ عَمَلِيَّةُ إِطْلاقِ النارِ قَدْ تَوَقَّفَت، لَكِنَّ الأَسْئِلَةَ التي أَثارَتْها لَمْ تَتَوَقَّف. وَدُوَلُ الخَليج، التي دَفَعَتْ كُلْفَةً مُباشِرَة، أَمامَ خِيارٍ واضِحٍ، إِمّا أَنْ تَكونَ جُزْءًا مِنْ صِياغَةِ التَّرْتيباتِ المُقْبِلَة، أَوْ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْها مَرَّةً أُخْرى نَتائِجُ لَمْ تُشارِكْ في صُنْعِها.
(خاص "عروبة 22")

