تقدير موقف

العَرَبُ وَالحَرْبُ الأَخيرَة!

اِنْتَهى الفَصْلُ الأَوَّلُ مِنَ الحَرْبِ الأَميرِكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ عَلى إيرانَ بِاتِّفاقِ وَقْفِ إِطْلاقِ النّار، وَوَقْفِ الضَّرَباتِ المُتَبادَلَةِ بَيْنَ الأَطْرافِ مِنْ دونِ أَنْ يَكونَ هُناكَ مَهْزومٌ وَمُنْتَصِر، مِمّا يُمَهِّدُ لِفَصْلٍ جَديدٍ يَنْبَغي انْتِظارُهُ بَعْدَ انْتِهاءِ الهُدْنَةِ المُعْلَنَة، وَالمُفاوَضاتِ الجارِيَةِ خِلالَها، وَالتي سَتَضَعُ أَطْرافَ الحَرْبِ أَمامَ اسْتِئْنافِها المُدَمِّر، أَوِ التَّوَصُّلِ إلى تَفاهُماتٍ وَاتِّفاقاتٍ تَأْخُذُ الاخْتِلافاتِ وَالصِّراعاتِ بَيْنَ المُتَحارِبينَ في مَساراتٍ أُخْرى.

العَرَبُ وَالحَرْبُ الأَخيرَة!

لَقَدْ سَجَّلَ الفَصْلُ الأَوَّلُ مِنَ الحَرْبِ خَسائِرَ كَثيرَةً وَأَعْباءً كَبيرَةً لِلدُّوَلِ المُشارِكَةِ فيها، لَعَلَّ الأَبْرَزَ فيها الخَسائِرُ المالِيَّةُ الهائِلَةُ التي لَحِقَتْ بِالوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ جَرّاءَ تَشْغيلِ آلَةِ الحَرْبِ الأَميرِكِيَّة، وَما قامَتْ بِهِ مِنْ عَمَلِيّات، وَقَدْ بَلَغَتِ التَّكاليفُ اليَوْمِيَّةُ نَحْوَ مِلْيارِ دولار، فيما كانَ الأَهَمُّ في الخَسائِرِ الإِسْرائيلِيَّةِ خَرْقُ مَنْطِقَةِ "الأَمانِ الإِسْرائيلِي"، وَإِلْحاقُ دَمارٍ بِها وَبِسُكّانِها، وَقَدْ سادَ اعْتِقادٌ راسِخٌ بِأَنَّها عَصِيَّةٌ على الاخْتِراقِ بِوَاسِطَةِ شَبَكاتِ حِمايَةٍ مُتَداخِلَة، بُنِيَتْ وَتَطَوَّرَتْ عَلى مَدارِ عُقود، أَمّا الأَهَمُّ في الخَسائِرِ الإيرانِيَّة، فَإِنَّهُ يَتَجاوَزُ الإِشارَةَ إلى بَنْدٍ واحِدٍ رَئيسِي، حَيْثُ لَحِقَتْ خَسائِرُ كُبْرى بِكُلِّ البُنى وَالهَياكِلِ السِّياسِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّةِ وُصولًا إلى المَشْروعاتِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ التي كانَتْ عَلى خَرائِطِ إِنْجازٍ قَرِيبٍ مِثْلَ المَشْروعَيْنِ النَّوَوِيِّ وَالصّاروخِيّ، مِمّا يَسْمَحُ بِالقَوْلِ اخْتِصارًا، إِنَّ خَسارَةَ إيرانَ تَتَمَثَّلُ في دَفْعِها عُقودًا إلى الخَلْف.

أطراف الصراع سعت إلى إدخال بلدان المنطقة في عمق الحرب وتحميلها الجزء الأكبر من فاتورتها

إِنَّ مُخْتَصَراتِ خَسائِرِ أَطْرافِ الحَرْب، تُشَكِّلُ جانِبًا في خَسائِرَ أَصابَتِ الكَثيرَ مِنْ دُوَلِ العالَم، وَبَيْنَها دُوَلُ الخَليجِ وَمُحيطُها العَرَبِيُّ القَريبُ وَفيهِ العِراقُ وَسورْيا وَلُبْنانُ وَالأُرْدُن، بِحُكْمِ تَعْقيداتِ رَبْطٍ بَيْنَ هذِهِ الدُّوَلِ وَالمنْطقَةِ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ وَإيرانَ التي تَتَطَلَّعُ إلى المنطقَةِ مِنْ بَوّابَةِ مَصالِحِها، وَتَعْتَبِرُها جُزْءًا أَساسِيًّا مِنْ فَضائِها الاسْتراتيجِيّ، وَقَدْ رَسَمَتْ اسْتِراتيجِيّاتِها عَلى أَساسِهِ طَوالَ عُقودٍ مَضَت، وَهذَا يُفَسِّرُ بَعْضَ المَواقِفِ المُتَناقِضَةِ لِأَطْرافِ الصِّراعِ وَتَدَخُّلاتِها سَعْيًا لِإِدْخالِ بُلْدانِ المنطقَةِ في عُمْقِ الحَرْبِ الأَخيرَة، وَتَحْميلِها رُبَّما الجُزْءَ الأَكْبَرَ مِنْ فاتورَةِ الحَرْب، بَدَلَ اعْتِمادِها سِياساتِ حِفْظِ الأَمْنِ في المنطقَة، وَتَخْفيفِ حِدَّةِ الصِّراعِ فيها، وَجَعْلِ بُلْدانِ المنطقَةِ قُوَّةً تُساعِدُ عَلى حَلِّ الخِلافاتِ وَتَعْزيزِ فُرَصِ التَّقَدُّمِ وَالتَّعاوُنِ وَالسَّلامِ في بُقْعَةٍ ذاتِ أَهَمِّيَّةٍ اسْتِثْنائِيَّةٍ لِلعالَمِ كُلِّه.

لَكِنْ دُوَلَ الحَرْبِ الثَّلاث، اعْتَمَدَتْ سِياساتٍ وَمَساراتٍ أُخْرى، جَوْهَرُها إِدْخالُ دُوَلِ المنْطقَةِ في دائِرَةِ الحَرْبِ بِطَريقَةٍ مُباشِرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُباشِرَةٍ، وَمِنْها سَعْيُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ إلى دَفْعِ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ مِثْلَ العِراقِ وَدُوَلِ الخَليجِ إلى الحَرْبِ إلى جانِبِ الأَميرْكِيّين، وَسَعْيُ الإيرانِيّينَ إلى جَرِّ العِراقِ لِلمُشارَكَةِ وَلَوْ مِنْ بَوّابَةِ الميليشْياتِ الشّيعِيَّةِ هُناك، كَما دَفَعوا أَدَواتِهِم لِجَرِّ سورْيا عَبْرَ بَوّابَةِ لُبْنان، وَتَوْريطِ السّورِيّينَ في مُواجَهَةٍ مَعَ "حِزْبِ الله"، وَهِيَ مَساعٍ تَخْدِمُ الإِسْرائيلِيّينَ في الحَرْبِ عَلى "حِزْبِ الله".

غَيْرَ أَنَّ هذِهِ المَساعي فَشِلَت، كَما فَشِلَتْ جُهودُ إيرانَ لِجَرِّ دُوَلِ الخَليجِ لِدُخولِ الحَرْبِ عَبْرَ الهَجماتِ وَقَصْفِ أَهْدافٍ مَدَنِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّة، تَمَّتْ تَحْتَ رايَةِ الحَرْبِ عَلى الوُجودِ الأَميرْكِيِّ في الخَليج، القائِمِ وَالمُمْتَدِّ عَبْرَ عُقودٍ مِنَ السِّنينَ وَفيهِ اتِّفاقاتٌ مُعْلَنَة، قَبْلَ وَفي ظِلِّ وُجودِ سُلْطَةِ "مَلالي طَهْران".

دعوة الأطراف المتحاربة إلى علاجات وحلول سياسية لا تُـمثّل ثقلًا يعكس حقيقة العرب في المنطقة

وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ فَشَلِ المُتَحارِبينَ في جَرِّ العَرَبِ لِلحَرْب، فَإِنَّ البُلْدانَ العَرَبِيَّةَ القَريبَةَ مِنْ مَيْدانِ الحَرْب، أُصيبَتْ بِخَسائِرَ تَجاوَزَتِ الخَسائِرَ العامَّةَ التي أَصابَتِ البُلْدانَ الأُخْرى مِثْلَ ارْتِفاعِ أَسْعارِ المَواد، وَتَكاليفِ النَّقْلِ وَالتَّأْمين، وَاخْتِلالِ سَلاسِلِ الإِمْداد، فَأَصابَتْها خَسائِرُ بَشَرِيَّةٌ كانَتْ أَرْقامُها أَعْلى مِنَ القَتْلى وَالجَرْحى وَالنّازِحينَ في لُبْنان، وَاسْتَقْبَلَتْ سورْيا أَعْدادًا كَبيرَةً مِنَ النّازِحينَ وَالمُقيمينَ السّورِيّينَ في دُوَلِ الجِوار، وَتَعَرَّضَ لُبْنانُ عَلى أَيْدي القُوّاتِ الإِسْرائيلِيَّةِ وَبُلْدانُ الخَليجِ عَلى أَيْدي الإيرانِيّينَ لِدَمارٍ واسِعٍ وَخَسائِرَ اقْتِصادِيَّةٍ كَبيرَة، وَهذَا بَعْضٌ مِنْ خَسائِرَ لَمْ يَتِمَّ حَصْرُها بَعْد.

لَقَدْ بَذَلَتِ البُلْدانُ العَرَبِيَّةُ كُلَّ جُهْدِها، وَتَبَنَّتْ مَواقِفَ وَسِياساتٍ مُحايِدَةً إِزاءَ الحَرْب، وَهُوَ مَوْقِفٌ صَحيح، يَسْتَنِدُ إلى جِوارٍ تاريخِيٍّ لا خَلاصَ مِنْه، وَلا بُدَّ مِنَ التَّفاهُمِ مَعَهُ، وَلَنْ يَصْحُوَ العَرَبُ ذاتَ يَوْمٍ وَيَرَوْنَ أَنَّ إيرانَ تَبَخَّرَت، كَما لَنْ يَحْصُلَ العَكْس، مِمّا يَفْرِضُ تَعْزيزَ فُرَصِ التَّفاهُمِ وَالتَّشارُك، كَما أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ قُطْبٌ مُقَرِّرٌ في العالَم، وَحَليفٌ قَديم، وَتَرْبُطُهُ بِالأَغْلَبِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَخاصَّةً في دُوَلِ المَشْرِقِ عَلاقاتٌ لا بُدَّ أَنْ تَسْتَمِرّ، وَبِالتَّأْكيدِ فَإِنَّ المَصْلَحَةَ العَرَبِيَّةَ تَقْضي بِمُمارَسَةِ حَذَرٍ شَديدٍ في مُقارَبَةِ مَواقِفِ وَسِياساتِ إِسْرائيلَ التي تَحْتَلُّ أَرْضًا عَرَبِيَّةً فِلَسْطينِيَّةً وَلُبْنانِيَّةً وَسورِيَّة، وَهِيَ تُمارِسُ سِياسَةَ عَرْبَدَةٍ عُنْصُرِيَّةٍ وَدَمَوِيَّة، تَتَجاوَزُ مُحيطَها الإِقْليمِيَّ إلى مُسْتَوى العالَم.

الوصول إلى موقف عربي مُؤثّر يتطلّب تنسيقًا سياسيًا اقتصاديًا وعسكريًا أمنيًا في الإقليم العربي أو في أكثريته

مَوْقِفُ العَرَبِ في رَفْضِ الحَرْبِ وُصولًا إلى دَعْوَةِ الأَطْرافِ المُتَحارِبَةِ إلى عِلاجاتٍ وَحُلولٍ سِياسِيَّة، لا يُمَثِّلُ ثِقلًا يَعْكِسُ حَقيقَةَ العَرَبِ في المنْطقَة، وَهُمْ مُوَزَّعونَ بَيْنَ دُوَلٍ مُتَصارِعَةٍ لا تُمَثِّلُ قُوَّةً وَتَأْثيرًا كَبيرَيْنِ في الواقِعِ الإِقْليمِيِّ وَالدُّوَلِيّ، وَهذا يُخَفِّفُ مِنْ أَهَمِّيَّةِ نِقاطِ القُوَّةِ التي يَمْلِكُها بَعْضُ الدُّوَلِ مِنْ أَمْوالٍ وَاسْتِثْماراتٍ وَثَرَواتٍ مِنْ نَفْطٍ وَغاز، وَعَناصِرِ قُوَّةٍ في مَجالاتٍ أُخْرى.

إِنَّ الوُصولَ إلى مَوْقِفٍ عَرَبِيٍّ مُؤَثِّرٍ في مَنْطِقَةٍ حَيَوِيَّةٍ أَمْرٌ جَوْهَرِيّ، يَتَطَلَّبُ مُتَغَيِّراتٍ في طَبيعَةِ السُّلْطَةِ وَتَوَجُّهاتِها، بِحَيْثُ تَكونُ قادِرَةً عَلى إِقامَةِ مُسْتَوًى مِنْ عَلاقاتٍ داخِلِيَّةٍ وَبَيْنِيَّةٍ سِلْمِيَّة، وَتَتَبَنّى وَتُنَفِّذُ في الحَدِّ الأَدْنى مُسْتَوًى مِنَ التَّنْسيقِ السِّياسِيِّ/الاقْتِصادِيِّ والعَسْكَرِيِّ/الأَمْنِيِّ في مُسْتَوى الإِقْليمِ العَرَبِيِّ أَوْ في أَكْثَرِيَّتِه، وَكُلُّها اليَوْمَ ضَروراتٌ تَتَزايَدُ أَهَمِّيَّتُها مَعَ كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ بِاتِّجاهِ المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِها تُشَكِّلُ حاضِنَةً إيجابِيَّةً وَداعِمَةً لِكُلِّ تَقَدُّمٍ وَدَوْرٍ وَعَلاقاتٍ بَيْنَ الدُّوَل، وَالأَمْثِلَةُ كَثيرَةٌ حاضِرَةٌ في عالَمِ اليَوْم، كَما في مِثالِ الاتِّحادِ الأوروبِّيِّ وَقاطِرَتِهِ الأَلْمانِيَّة، التي تَدْعَمُ المَزيدَ مِنَ العَلاقاتِ البَيْنِيَّة، وَتُعيدُ بِنَاءَ قُوَّتِها العَسْكَرِيَّةِ/الأَمْنِيَّة، وَجُمْهورِيَّةِ الصّينِ التي تُوازي بَيْنَ تَطَوُّرِها في كُلِّ المَجالاتِ مِنْ دونِ أَنْ تَغْفَلَ عَيْنُها عَنْ تَطْويرِ قُدُراتِها العَسْكَرِيَّةِ وَالأَمْنِيَّة.

لَوِ اسْتَطاعَ العَرَبُ تَوْفيرَ هذَا المُسْتَوى مِنَ الضَّرورَاتِ العَرَبِيَّة، لَكانوا جَنَّبوا منطقَةَ الخَليجِ وَالمَشْرِقِ العَرَبِيِّ عُمومًا الحَرْبَ الحالِيَّة، وَتَجَنَّبوا عَلى الأَقَلِّ قَدْرًا مِنْ خَسائِرِ حَربٍ لَمْ يُشارِكوا فيها، بَلْ عارَضوها، وَإِنِ اسْتَطاعوا اليَوْمَ بَعْدَ التَّجْرِبَةِ المُرَّةِ أَنْ يُوَفِّروا هذَا المُسْتَوى مِنَ الضَّرورَات، سَيَكونُ بِالإِمْكانِ أَلَّا تَقَعَ بُلْدانُهُمْ وَمنطقَتُهُمْ في حَرْبٍ مُماثِلَةٍ لاحِقًا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن