نَحْنُ نُشيرُ إلى حالَةٍ يَكونُ فيها الطَّرَفانِ غَيْرَ قادِرَيْنِ على تَحْقيقِ النَّصْرِ الكامِل، وَغَيْرَ راغِبَيْنِ في التَّراجُعِ أَوْ تَقْديمِ تَنازُلاتٍ كَبيرَةٍ تُقَرِّبُ بَيْنَ مَوْقِفَيْهِما. وَمَعَ ذَلِك، يَسْتَمِرّانِ في التَّصْعيدِ وَإِدارَةِ الصِّراع.
في هَذا الإِطار، يُمْكِنُ وَصْفُ العَلاقَةِ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإيرانَ بِأَنَّها صِراعٌ طَويلٌ في حالَةِ رَدْعٍ مُتَبادَلٍ وَمَأْزِقٍ اسْتراتيجِيّ، حَيْثُ لا يَسْتَطيعُ أَيُّ طَرَفٍ تَحْقيقَ نَصْرٍ حاسِم، وَلا يُريدُ دَفْعَ تَكْلِفَةِ التَّراجُع. والنَّتيجَةُ أَنَّ كِلا الطَّرَفَيْنِ قادِرٌ على إِلْحاقِ الأَذى بِخَصْمِه، وَإنْ كَانَ بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَة، وَلَكِنَّهُ لا يَسْتَطيعُ إِلْحاقَ الهَزيمَةِ بِه، فَتَسْتَمِرُّ الحَرْبُ بِلا نِهايَةٍ واضِحَة، وَيَسْتَمِرُّ الحَديثُ عَنِ المُفاوَضاتِ مِنْ دونِ نَتيجَة، فَيَتَعَمَّقُ المَأْزِقُ الاسْتراتيجِيّ.
تَنْبَعُ هَذِهِ الحالَةُ مِنِ التِزامِ طَرَفَيْ الصِّراعِ بِأَهْدافٍ مُتَناقِضَةٍ وَغَيْرِ قابِلَةٍ لِلْمُفاوَضَة، وَمِنْ أَنَّ الصِّراعَ لَهُ طَبيعَةٌ مُرَكَّبَةٌ تَشْمَلُ أَبْعادًا إيدْيولوجِيَّةً وَسِياسِيَّةً وَأَمْنِيَّةً وَإِقْليمِيَّة، سَواءٌ على المُسْتَوى الدّاخِلِيِّ لِكُلٍّ مِنْهُما أَوْ على مُسْتَوى مَنْطِقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَط.
يعتبر الطرفان أنّ أي تراجع يُـمثّل هزيمة وخسارة استراتيجية
فَمُنْذُ قِيامِ الجُمْهورِيَّةِ الإِسْلاميةِ في إيرانَ عام 1979 والأَحْداثِ التي تَلَتْها في العَلاقاتِ مَعَ أَميرْكا، يَنْظُرُ كِلاهُما إلى الآخَرِ على أَنَّهُ طَرَفٌ مُخادِعٌ وَلا يوثَقُ بِه، وَمِنْ ثَمَّ يَخْشى مِنْ تَقْديمِ تَنازُلاتٍ يُسِيءُ الطَّرَفُ الآخَرُ اسْتِخْدامَها إِعْلامِيًّا وَلا تُقابَلُ بِالمِثْل. في أَميرْكا، تَمَّتْ شَيْطَنَةُ إيرانَ بِاعْتِبارِها العَدُوَّ رَقْمَ واحِدٍ لَها في المَنْطِقَة، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ أَيَّ تَنازُلٍ لِإيرانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ تَصْويرُهُ على أَنَّهُ "هَشاشَةٌ سِياسِيَّة". وَفي إيرانَ، انْبَنَتْ شَرْعِيَّةُ النِّظامِ على "مُقاوَمَةِ الهَيْمَنَةِ الأَميرْكِيَّة" وَ"الاسْتِكْبارِ العالَمِيّ"، وَمِنْ ثَمَّ قَدْ يُؤَدّي التَّنازُلُ إلى إِضْعافِ شَرْعِيَّةِ النِّظام. ثُمَّ هُناكَ مَسْأَلَةُ العُقوباتِ الاقْتِصادِيَّة، فَبَيْنَما تَرى إيرانُ أَنَّ على واشِنْطُن رَفْعَ العُقوباتِ الاقْتِصادِيَّةِ المَفْروضَةِ عَلَيْها قَبْلَ تَقَدُّمِها بِتَنازُلات، تُؤَكِّدُ واشِنْطُن العَكْس، أَيْ أَنَّ التَّنازُلاتِ الإيرانِيَّةَ يَنْبَغي أَنْ تَكونَ سابِقَةً على رَفْعِ العُقوبات.
وَيَظْهَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا في النِّقاطِ الخَمْسَ عَشْرَةَ التي قَدَّمَتْها واشِنْطُن أَساسًا لِلْحَلّ، واعْتَبَرَتْها طَهْرانُ إِعْلانًا بِالاسْتِسْلام. وَتُدَلِّلُ على ذَلِكَ بِأَنَّ أَميرْكا تَسْعى إلى تَجْريدِها مِنْ قُدُراتِها النَّوَوِيَّةِ والصّاروخِيَّة، وَمِنْ أَيِّ سِلاحٍ يَكونُ مِنْ شَأْنِهِ تَهْديدُ إِسْرائيل، بَيْنَما تَعْتَبِرُ إيرانُ أَنَّ بِناءَ هَذِهِ القُدُراتِ هُوَ حَقٌّ لِأَيِّ دَوْلَة، وَأَنَّهُ ضَرورِيٌّ لِدَوْرِها في المَنْطِقَة.
واتِّصالًا بِذَلِك، تَهْدِفُ أَميرْكا إلى إِضْعافِ وُكَلاءِ وَحُلَفاءِ إيرانَ في لُبْنانَ والعِراق وَفِلَسْطين واليَمَن، وَمَنْعِها مِنِ اسْتِمْرارِ تَزْويدِهِمْ بِالدَّعْم. بَيْنَما تَرى طَهْرانُ أَنَّ هَذِهِ التَّنْظيماتِ هِيَ العُمْقُ الاسْتِراتيجِيُّ لِدَوْرِها الإِقْلِيمِيّ، وَأَنَّها تَقومُ بِدَوْرِ "الهُجومِ المُتَقَدِّمِ" في أَوْقاتِ الأَزمات. وَيَعْتَبِرُ الطَّرَفانِ أَنَّ أَيَّ تَراجُعٍ بِشَأْنِ أَهْدافِهِما يُمَثِّلُ هَزيمَةً وَخَسارَةً اسْتراتيجِيَّةً كُبْرى لا يُمْكِنُ تَحَمُّلُها.
يَرْتَبِطُ بِهَذا المَأْزِقِ ازْدِيادُ تَكْلِفَةِ الحَرْب، فَمَعَ اسْتِمْرارِ تَعْطيلِ إيرانَ لِحُرِّيَّةِ المِلاحَةِ في مَضيقِ هُرْمُز، تَتَبَلْوَرُ حالَةُ اضْطِرابٍ عالَمِيٍّ في مَجالِ الطّاقَة، تُعاني مِنْهُ كُلُّ الاقْتِصاداتِ في العالَم، وَيَزْدادُ أَيْضًا خَطَرُ تَعْميقِ التَّوَسُّعِ في نِطاقِ الحَرْبِ إِقْليمِيًّا وَتَصاعُدِ الخَسائِرِ المُباشِرَةِ وَغَيْرِ المُباشِرَة.
والمَأزِقُ يَرْتَبِطُ أَيْضًا بِحالَةِ الرَّدْعِ المُتَبادَلِ وَغَيْرِ المُتَكَافِئِ بَيْنَ واشِنْطُن وَطَهْران. فالوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ قُوَّةٌ عَسْكَرِيَّةٌ عالَمِيَّةٌ تَمْتَلِكُ أَقْوى الجُيوش، وَلَكِنَّها لا تَرْغَبُ في الانْخِراطِ في حَرْبٍ طَويلَةٍ مُمْتَدَّة، وَكَانَ تَصَوُّرُ الرَّئيسِ ترامب أَنَّهُ يَسْتَطيعُ حَسْمَ الصِّراعِ في وَقْتٍ مَحْدودٍ كَما حَدَثَ في فِنِزْويلا. أَمّا إيران، فَهِيَ أَقَلُّ قُدْرَةً مِنَ النّاحِيَةِ العَسْكَرِيَّة، وَلَكِنْ جَيْشَها يُحارِبُ دِفاعًا عَنْ أَرْضِهِ وَمُقَدَّراتِ وَطَنِه، وَكَما ثَبَتَ حَتّى الآن فَإِنَّها تَمْتَلِكُ القُدْرَةَ على الصُّمودِ والمُقاوَمَةِ وَإِلْحاقِ الأَذى بِإِسْرائيلَ وَدُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيَّة، وَما زالَتْ تُوَجِّهُ الصَّواريخَ والطّائِراتِ المُسَيَّرَةَ ضِدَّهُم.
انفرجت الأزمة الخانقة لكن المأزق الاستراتيجي ما زال مستمرًا
وَرُبَّما كانَ إِدْراكُ الرَّئيسِ ترامب لِلْمَأْزِقِ الاسْتراتيجِيِّ الذي تُواجِهُهُ أَميرْكا هُوَ الذي دَفَعَهُ إلى الإِعْلانِ في يَوْمِ 4 أَبْريل/نَيْسان أَنَّهُ إِذا لَمْ تَفْتَحْ طَهْرانُ مَضيقَ هُرْمُز، فَإِنَّ أَبْوابَ الجَحيمِ سَوْفَ تُفْتَحُ عَلَيْها، ثُمَّ تَوَعَّدَ يَوْمَ 6 مِنْهُ بِتَدْميرِ الجُسورِ وَمَحَطّاتِ الكَهْرَباء، وَصَعَّدَ مِنْ نَبْرَتِهِ في اليَوْمِ التّالِي بِقَوْلِهِ إِنَّهُ سَوْفَ يَتِمُّ تَدْميرُ حَضارَةٍ كامِلَة، وَأَعْطى إيرانَ مُهْلَةً تَنْتَهي مَساءَ 7 أَبْريل/نَيْسان بِتَوْقيتِ شَرْقِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة. وَرَدَّ رَئيسُ مَجْلِسِ الشّورى، مُحَمَّد باقِر قاليباف، بِأَنَّ "البُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ وَمَحَطّاتِ الطّاقَةِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ قَدْ تَتَعَرَّضُ لِتَدْميرٍ لا رَجْعَةَ فيه".
وَسْطَ هَذِهِ العَتْمَة، وَقَبْلَ انْتِهاءِ المُهْلَةِ بِسَاعاتٍ قَليلَة، أَعْلَنَ رَئيسُ وُزَراءِ باكِسْتانَ مُقْتَرَحًا بِهُدْنَةٍ لِمُدَّةِ أُسْبوعَيْنِ يَتِمُّ خِلالَها التَّفاوُضُ لِلتَّوَصُّلِ إلى حَلّ، والذي نالَ مُوافَقَةَ أَميرْكا وَإيران.
لا أَحَدَ يَعْرِفُ هَلْ كَانَ اقْتِراحُ رَئيسِ الوُزَراءِ الباكِسْتانِيِّ مُبادَرَةً مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِه، أَمْ أَنَّ الأَميرْكِيّينَ أَوْعَزوا إِلَيْهِ بِذَلِك، فَقَدْ كانَ ترامب كَمَنْ صَعِدَ إلى شَجَرَةٍ عالِيَةٍ وَيَحْتَاجُ مُسَاعَدَةً لِلنُّزولِ مِنْها. وَلا أَحَدَ يَعْرِفُ ما إِذا كانَتِ الهُدْنَةُ سَوْفَ تَسْتَمِرُّ لِفَتْرَةِ الأُسْبوعَيْنِ أَمْ لا، وَلا إِذا كانَتْ سَوْفَ تُسْفِرُ عَنْ اتِّفاق. انْفَرَجَتِ الأَزْمَةُ الخانِقَةُ مُؤَقَّتًا، وَلَكِنَّ المَأْزِقَ الاسْتراتيجِيَّ ما زالَ مُسْتَمِرًّا.
(خاص "عروبة 22")

