الأمن القومي العربي

"حَرْبُ المَضائِق": عَسْكَرَةُ مِياهِ العَرَب!

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

يُعيدُ التَّهْديدُ الإيرانِيُّ المُتَزايِدُ بِغَلْقِ مَضيقِ هُرْمُز، والشُّروعُ في فَرْضِ حُزْمَةٍ مِنَ الإِجْراءاتِ الخاصَّةِ لِلعُبورِ مِنْ خِلالِه، قَضِيَّةَ عَسْكَرَةِ المَمَرّاتِ والمَضائِقِ المائِيَّةِ حَوْلَ العالَم، بَعْدَ عُقودٍ مِنَ الهُدوء، ظَلَّتْ خِلالَها تُمَثِّلُ إِحْدى نِقاطِ الِارْتِكازِ الِاسْتراتيجِيَّةِ في مَنْظومَةِ التِّجارَةِ الدَّوْلِيَّة، إلى جانِبِ ما تُمَثِّلُهُ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ كُبْرى فيما يَتَعَلَّقُ بِتَدَفُّقاتِ الطّاقَةِ وَحَرَكَةِ النَّقْلِ البَحْرِيِّ حَوْلَ العالَم.

تُثيرُ الإِجْراءاتُ الإيرانِيَّةُ الجَديدَةُ لِلعُبورِ مِنْ "هُرْمُز"، الحَديثَ مُجَدَّدًا في أَوْساطٍ سِياسِيَّةٍ وَأَمْنِيَّةٍ عَرَبِيَّة، حَوْلَ أَهَمِّيَّةِ العَمَلِ المُشْتَرَكِ مِنْ أَجْلِ حِمايَةِ المِياهِ البَحْرِيَّةِ العَرَبِيَّة، سَواءٌ في مِنْطَقَةِ الخَليجِ العَرَبِيّ، أَوْ في مَضيقِ بابِ المَنْدَب، وَهُوَ العَمَلُ الذي يَفْرِضُ ضَرورَةَ البَدْءِ في عَقْدِ مُقارَباتٍ عَرَبِيَّةٍ شامِلَة، تُوازِنُ بَيْنَ المَصالِحِ الِاقْتِصادِيَّةِ والأَمْنِيَّةِ والجِيوسِياسِيَّة، والشُّروعِ الفَوْرِيِّ في إِنْشاءِ تَحالُفٍ إِقْليمِيٍّ عَرَبِيٍّ، في مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ الأَمْنِيَّةِ الجَديدَةِ التي جَعَلَتْ مِنَ المِياهِ البَحْرِيَّةِ العَرَبِيَّةِ نَهْبًا لِأَكْبَرِ عَمَلِيَّةِ قَرْصَنَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ في التّاريخِ الحَديث، وَما قَدْ يَتَسَبَّبُ فيهِ ذَلِكَ مِنْ تَداعِياتٍ كارِثِيَّةٍ على الِاقْتِصادِ العَرَبِيّ.

لا تُمَثِّلُ المَمَرّاتُ المائِيَّةُ العَرَبِيَّةُ مُجَرَّدَ نِقاطِ ارْتِكازٍ اسْتراتيجِيَّةٍ في مَنْظومَةِ التِّجارَةِ الدَّوْلِيَّةِ فَقَط، بِقَدْرِ ما تُمَثِّلُهُ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ في الِاسْتراتيجِيَّةِ العَسْكَرِيَّة، فَهِيَ تَظَلُّ تُمَثِّلُ إِحْدى نِقاطِ التَّفَوُّقِ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّرَفِ الذي يَمْتَلِكُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْها، وَهُوَ ما يَتَجَلّى بِوُضوحٍ في مَضيقَيّ "هُرْمُز" وَ"بابِ المَنْدَب" اللَّذَيْنِ باتَا يَرْتَبِطانِ بِقُوَّةٍ بِمَفاهيمِ عَسْكَرَةِ المِياهِ الدَّوْلِيَّة، على ما يَحْظى بِهِ المَضيقانِ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ كُبْرى، فَبَيْنَما يُمَثِّلُ الأَوَّلُ البابَ المَلَكِيَّ لِعُبورِ نَحْوِ 40% مِنْ نَفْطِ الخَليجِ المَنْقولِ بَحْرًا على مُسْتَوى العالَم؛ الذي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ اليابانُ وَكورِيا الجَنوبِيَّةُ والهِنْدُ والصّينُ بِنِسَبٍ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 75 وَ86%، يُمَثِّلُ مَضيقُ بابِ المَنْدَبِ البالِغُ عَرْضُهُ نَحْوَ 30 كيلومِتْرًا، بَوّابَةً لا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً لِصادِراتِ النَّفْطِ المُتَّجِهَةِ إلى القارَّةِ الأوروبِّيَّة، حَيْثُ يَعْبُرُ مِنْ خِلالِهِ ما يُقَدَّرُ بِنَحْوِ 3.6 مَلايِينَ بَرْميلٍ مِنَ النَّفْطِ الخام، أَيْ ما يُعادِلُ حَوالَيْ 30% مِنَ النَّفْطِ العالَمِيّ.

الأَوْضاعُ الِاسْتراتيجِيَّةُ في "بابِ المَنْدَب" لا تَخْتَلِفُ كَثيرًا عَنْ سابِقِه، فَالمَضيقُ الذي يُمَثِّلُ نُقْطَةَ الِاخْتِناقِ الرَّئيسِيَّةَ التي تَتَحَكَّمُ في وَصْلِ البَحْرِ الأَحْمَرِ بِخَليجِ عَدَنَ والبَحْرِ العَرَبِيّ، يَخْضَعُ لسَيْطَرَةٍ شِبْهِ كامِلَةٍ لِعَدَدٍ مِنَ القَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ الأَجْنَبِيَّةِ التي تُقَدَّرُ حَسَبَما يَقولُ الدُّكْتور عيد ناجي الرِّفاعي، أُسْتاذُ الجُغْرافْيا البَشَرِيَّةِ بِكُلِّيَّةِ الآدابِ لِجامِعَةِ طَنْطا، بِنَحْوِ 13 قاعِدَةً عَسْكَرِيَّةً عامِلَةً تَتْبَعُ 11 دَوْلَة، حَيْثُ تَنْتَشِرُ تِلْكَ القَواعِدُ في 6 دُوَلٍ مُعْظَمُها عَرَبِيَّة، مِثْلَ جيبوتي التي تَضُمُّ نَحْوَ 9 قَواعِدَ عامِلَة، والصّومال التي تَضُمُّ 7 قَواعِدَ عامِلَة، والمَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّةِ التي تَضُمُّ 6 قَواعِدَ جَوِّيَّةٍ تابِعَةٍ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرِكِيَّة، وَإريتْرِيا التي تَضُمُّ 4 قَواعِدَ عامِلَة، إلى جانِبِ الأُرْدُنِّ الذي يَضُمُّ ثَلاثَ قَواعِدَ عَسْكَرِيَّةٍ أَميرِكِيَّة.

واللّافِتُ أَنَّهُ على الرَّغْمِ مِنْ هَذا الحَشْدِ العَسْكَرِيِّ الكَبيرِ حَوْلَ "بابِ المَنْدَب"، إِلّا أَنَّ جَماعَةَ "الحوثِي" نَجَحَتْ في تَحْويلِهِ إلى إِحْدى أَدَواتِ إِدارَةِ الصِّراعِ الإِقْليمِيّ، ما حَوَّلَ "بابَ المَنْدَبِ" مِنْ مَمَرٍّ جُغْرافِيٍّ مُسْتَقِلٍّ إلى واحِدَةٍ مِنَ العُقَدِ المَرْكَزِيَّةِ داخِلَ شَبَكَةِ الصِّراع، وَمِنْ مُجَرَّدِ مَمَرٍّ مِلاحِيٍّ طَبيعِيٍّ يَخْضَعُ لِحَقِّ المُرورِ البَريءِ حَسَبَ اتِّفاقِيَّةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ لِقانونِ البِحارِ الصادِرَةِ عامَ 1982، إلى أَداةٍ لِإِعادَةِ تَشْكيلِ قَواعِدِ الِاشْتِباك، إِذْ لا يَزالُ المَضيقُ يَخْضَعُ لِإِجْراءاتٍ مُشابِهَةٍ لِما تَفْرِضُهُ إيرانُ لِلعُبورِ الآمِنِ في "هُرْمُز"، حَيْثُ تُجْبِرُ السُّفُنَ على المُرورِ عَبْرَ مَمَرٍّ صَعْبٍ عِنْدَ أَضْيَقِ نُقْطَةٍ في المَضيقِ لا تَتَجاوَزُ سَعَتُها 18 ميلًا، وَهِيَ واحِدَةٌ مِنْ مَمَرَّيْنِ مِلاحِيَّيْنِ فَقَط، لا يُسْمَحُ أَثْنَاءَ العُبورِ مِنْهُما بِأَيِّ هامِشٍ لِلخَطَأ.

لا يَبْدو المَضيقُ الثّالِثُ المُطِلُّ على السَّواحِلِ المَغرِبِيَّة، أَسْعَدَ حَظًّا مِنْ سابِقَيْه، فَالمَضيقُ الذي يُعَدُّ أَحَدَ أَضْيَقِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ التي تَرْبِطُ بَيْنَ مُحيطَيْنِ وَبَحْرَيْن، يَخْضَعُ على الرَّغْمِ مِمّا يَحْظى بِهِ مِنْ مَوْقِعٍ جُغْرافِيٍّ فَريد، وَأَهَمِّيَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ كُبْرى، لِتَشابُكٍ مُعَقَّدٍ في الإِشْرافِ السِّياسِيِّ عَلَيْه.

إذ تَتَقاسَمُ مضيقَ "جَبَلِ طارِق"، إلى جانِبِ المَمْلَكَةِ المَغْرِبِيَّة، إِسْبانْيا مِنَ الشَّمالِ الشَّرْقِيّ، والمَمْلَكَةُ المُتَّحِدَةُ مِنْ خِلالِ مَنْطِقَةِ جَبَلِ طارِق البَِريطانِيَّة، ما يُضْفي عَلَيْهِ طابِعًا مِنَ الِازْدِواجِيَّةِ السِّيادِيَّة، والتَّنافُسِ الجِيوسِياسِيِّ المُسْتَمِرِّ بَيْنَ القُوى الثَّلاث، فَضْلًا عَنْ حُزْمَةٍ أُخْرى مِنَ التَّحَدِّياتِ الأَمْنِيَّة، مِنْ بَيْنِها الهِجْرَةُ غَيْرُ النِّظامِيَّة، إلى جانِبِ عَمَلِيّاتِ تَهْريبِ المُخَدِّراتِ والسِّلَعِ نَتيجَةَ القُرْبِ الجُغْرافِيِّ بَيْنَ أوروبّا وَأَفْريقْيا، فَضْلًا عَنْ عَمَلِيّاتِ الإِرْهابِ العابِرَةِ لِلحُدود، ناهيكَ عَنِ التَّوَتُّراتِ السِّياسِيَّةِ بَيْنَ بَريطانْيا وَإِسْبانْيا حَوْلَ وَضْعِيَّةِ جَبَلِ طارِق.

مُنْذُ انْدِلاعِ الحَرْبِ الأَميرِكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران، والحَديثُ يَدورُ في أَوْساطٍ اقْتِصادِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، عَنْ ضَرورَةِ البَحْثِ عَنْ بَدائِلَ عَمَلِيَّةٍ لِما باتَ يُعْرَفُ بِحَرْبِ المَضائِق، يُمْكِنُ الِاعْتِمادُ عَلَيْها في حالِ الإِغْلاقِ الكامِلِ لِلمَمَرّات، حَيْثُ شَرَعَتِ الإِماراتُ في دِراسَةِ الِاعْتِمادِ كُلِّيًّا على خَطِّ "حَبْشان"، الذي يَمْتَدُّ بِطولِ 400 كيلومِتْر، لِنَقْلِ النَّفْطِ الإِماراتِيِّ إلى ميناءِ الفُجَيْرَة، مِنْ دونِ المُرورِ في مَضيقِ هُرْمُز، فيما ذَهَبَتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ إلى دِراسَةِ بِناءِ خَطِّ نَفْطٍ ناقِلٍ يَمُرُّ شَرْقِيَّ اليَمَنِ عِنْدَ اسْتِقْرارِ الأَوْضاع، لِيَرْبِطَها بِبَحْرِ العَرَب، إلى جانِبِ اسْتِخْدامِ خَطِّ أَنابيبِ "بِتْرولايْن" البالِغِ طولُهُ نَحْوَ 1200 كيلومِتْر، لِنَقْلِ الخامِ مِنْ حُقولِ النَّفْط، انْطِلاقًا مِنَ المِنْطِقَةِ الشَّرْقِيَّةِ إلى ميناءِ يَنْبُعَ على البَحْرِ الأَحْمَر، وَمِنْهُ إلى أوروبّا عَبْرَ قَناةِ السُّوَيْس، بَيْنَما طَفَتْ على السَّطْحِ مِنْ جَديد، المَشْروعاتُ البَحْرِيَّةُ البَديلَةُ مِثْلَ شَقِّ القَنَواتِ والمَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ الجَديدَة، كَقَناةِ إِسْطَنْبولَ في تُرْكْيا.

لَكِنْ هَل يَحْتاجُ العَرَبُ لِكُلِّ هَذا العَناء، مِنْ أَجْلِ البَحْثِ عَنْ حُلولٍ ناجِعَةٍ لِحَرْبِ المَضائِقِ المُسْتَعِرَة؟!. الحَلُّ يَكْمُنُ حَسَبَما يَرى الدُّكْتور مُصْطَفى عيد إِبْراهيم، أُسْتَاذُ العُلومِ السِّياسِيَّةِ بِكُلِّيَّةِ الدِّراساتِ الِاقْتِصادِيَّةِ والعُلومِ السِّياسِيَّةِ بِجامِعَةِ بَني سُوَيْف، في ضَرورَةِ تَحْقيقِ الرَّدْعِ العَرَبِيِّ لِحِمايَةِ المَصالِحِ الِاسْتراتيجِيَّة، وَعلى رَأْسِها المَضائِقُ البَحْرِيَّةُ المُهِمَّةُ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، وَهِيَ مُهِمَّةٌ تَتَطَلَّبُ بِالأَساسِ ضَرورَةَ حَشْدِ كُلِّ عَناصِرِ القُوَّةِ الشّامِلَة، مِنْ خِلالِ تَكامُلٍ عَرَبِيٍّ حَقيقِيٍّ يَتَجاوَزُ ما خَلَّفَتْهُ الحَرْبُ الأَخيرَةُ مِنْ أَزْمات، والشُّروعِ في تَشْكيلِ قِيادَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَة، وَقُوّاتِ رَدْعٍ خاصَّةٍ قادِرَةٍ على سُرْعَةِ التَّحَرُّكِ لِرَدْعِ أَيِّ عُدْوانٍ على مُقَدَّراتِ الوَطَنِ العَرَبِيِّ وَمَصالِحِهِ العُلْيا، مُشيرًا إلى أَنَّ الخُطْوَةَ الأولى يَجِبُ أَنْ تَنْطَلِقَ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنَ التَّواجُدِ العَسْكَرِيِّ الأَجْنَبِيِّ في مَنْطِقَةِ الخَليجِ العَرَبِيِّ والبَحْرِ الأَحْمَر، وَاستبدالِها بِقُوّاتٍ عَرَبِيَّةٍ قادِرَةٍ على حِفْظِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ وَحِمايَةِ المَصالِحِ الِاسْتراتيجِيَّةِ المُشْتَرَكَة، وَيُؤَكِّدُ إِبْراهيم أَنَّ تَوْظيفَ عَناصِرِ القُوَّةِ العَرَبِيَّة، واسْتِخْدامَها كَوَرَقَةِ ضَغْطٍ سِياسِيّ، يُمْكِنُ أَنْ يَلْعَبَ دَوْرًا كَبيرًا في خِدْمَةِ المَصالِحِ القَوْمِيَّةِ العَرَبِيَّة، وَتَحْقيقِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيِّ وَأَهْدافِهِ الِاسْتراتيجِيَّة، وَوَقْتَها فَقَط، يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ العَرَبُ إلى أَحَدِ أَعْمِدَةِ النِّظامِ الإِقْليمِيِّ الجَديد. 

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن