بصمات

الإِرْثُ الماركْسِيُّ عَرَبِيًّا.. بَيْنَ الِاخْتِزالِ والتَّجاهُل!

في غُضونِ خَريفِ 2003، نَشَرَتْ مَجَلَّةُ "لو نوفيل أوبْسِرْفاتور" الفَرَنْسِيَّةُ عَدَدًا خاصًّا حَوْلَ الأَدَبِيّاتِ المارْكْسِيَّة، مَعَ غِلافٍ يَتَضَمَّنُ صورَةً لِكارْل مارْكْس وَسُؤالًا مُباشِرًا وَشُجاعًا في آن: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ كارْل مارْكْس مُفَكِّرَ القَرْنِ الواحِدِ والعِشْرين؟ الحَديثُ عَنْ سُؤالٍ "شُجاع"، مَرْدُّهُ إلى أَنَّ العَدَدَ صَدَرَ في حِقْبَةِ ما بَعْدَ انْهِيارِ جِدارِ بِرْلينَ في نوفَمْبِر/تِشْرينِ الثّاني 1989. وَفي غُضونِ شَهْرِ مارْس/آذارِ 2026، كانَ مَلَفُّ مَجَلَّةِ "فَلْسَفَة" مُخَصَّصًا بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ لِلْإِرْثِ المارْكْسِيّ، مَعَ عُنْوانٍ دالٍّ جاءَتْ صيغَتُهُ كالتّالي: "الإِمْبَراطورِيَّةُ أَعْلى مَراحِلِ الرَّأْسِمالِيَّة"، في إِحالَةٍ إلى عُنْوانِ أَحَدِ أَعْمالِ لينين، وَصيغَتُهُ كالتّالي: "الإِمْبِرْيالِيَّةُ أَعْلى مَراحِلِ الرَّأْسِمالِيَّة".

الإِرْثُ الماركْسِيُّ عَرَبِيًّا.. بَيْنَ الِاخْتِزالِ والتَّجاهُل!

مَرَّتْ مُؤَخَّرًا ذِكْرى رَحيلِ كارْل مارْكْس (18 مارْس/آذار 1883). عايَنّا حَوْلَها تَفاعُلاتٍ عِدَّةٍ في مَواقِعِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيّ، فكانَتِ الِانْطِباعاتُ سَلْبِيَّةً على إِرْثِ الرَّجُل، واتَّضَحَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَرَدُّهُ إلى تَأْثيرِ المَرْجِعِيَّةِ الإيدْيولوجِيَّةِ لِلْمَعْنِيّين، وَنَخُصُّ بِالذِّكْرِ المَرْجِعِيَّةَ الإِسْلامِيَّةَ الحَرَكِيَّة، وَكانَ يُفْتَرَضُ أَلّا يَتَجاوَزَ الأَمْرُ هُنا التَّعامُلَ مَعَ هَذِهِ التَّفاعُلات، بِاعْتِبارِها شَأْنًا خاصًّا لَهَؤُلاء، لَوْلا أَنَّ تَأْثيرَ هَذا الخِطابِ لَمْ يَقْتَصِرْ على انْتِشارِهِ لَدى أَتْباعِ هَذِهِ الإيدْيولوجِيّات، بِحُكْمِ انْتِقالِهِ إلى الفَضاءِ العام، أَوْ قُلْ إلى مِخْيالِ مُجْتَمَعاتِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، بِسَبَبِ تَأْثيرِ ظاهِرَةِ "الصَّحْوَةِ الإِسْلامِيَّةِ" طيلَةَ عُقودٍ مَضَت، وَخاصَّةً مُنْذُ مُنْعَطَفِ أَحْداثِ 1978 - 1979، أَيْ ثُلاثِيَّةِ الغَزْوِ السّوفْياتِيِّ لِأَفْغانِسْتان، والثَّوْرَةِ الإيرانِيَّة، واقْتِحامِ جَماعَةِ جُهَيْمانَ بْنِ سَيْفِ العُتَيْبي الحَرَمَ المَكِّيّ.

بَيْنَ أَيْدينا نَموذَجٌ تَطْبيقِيٌّ لِتَفاعُلٍ دالٍّ في هَذا السِّياق، وَنَتَوَقَّفُ فيهِ عِنْدَ إِشارَتَيْن:

- جاءَ في الأولى أَنَّ مارْكْس "سَيَبْقى يُشَكِّلُ أَشْهَرَ نَظَرِيَّةٍ انْتَهَتْ إلى هَزيمَةٍ نَكْراء، بَعْدَ أَنْ فَتَكَتْ بِإِنْسانِيَّةِ الإِنْسانِ الفَرْد؛ هَزيمَة شامِلَة؛ في السِّياسَةِ والِاجْتِماعِ والِاقْتِصادِ والفَنِّ والأَدَبِ والعُمْران".

- وَجاءَ في الثّانِيَةِ أَنَّ "واحِدَةً مِنْ أَكْبَرِ خَطايا المارْكْسِيَّة، تَتَمَثَّلُ في رُؤْيَتِها لِلدّينِ وَأُسْلوبِها في التَّعامُلِ مَعَه".

خطاب "الصحوة الإسلامية" هو الخطاب نفسه الذي يتفاعل مع أحداث المنطقة بأدبيات "معركة الجمل" و"حرب صفين"

إلى غايَةِ سَبْعينِيّاتٍ وَثَمانينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، كانَتِ السّاحَةُ العَرَبِيَّةُ تَعُجُّ بِإِصْداراتٍ تَنْهَلُ مِنَ الأَدَبِيّاتِ المارْكْسِيَّةِ في الِاقْتِصادِ السِّياسِيّ، قَبْلَ أَنْ تَطْرُقَ بابَ الأُفولِ مُباشَرَةً بَعْدَ ذَلِك، مُوازاةً مَعَ صُعودِ تَأْثيرِ خِطابِ "الصَّحْوَةِ الإِسْلامِيَّة"، وَهُوَ الخِطابُ نَفْسُهُ الذي يَنْهَلُ مِنْهُ صاحِبُ الِاقْتِباسِ أَعْلاه، بَلْ يُؤْمِنُ أَيْضًا بِأَحَقِّيَّةِ عَوْدَةِ "دَوْلَةِ الخِلافَة" وَ"وِلايَةِ المُرْشِد" وَيَتَفاعَلُ مَعَ أَحْداثِ المَنْطِقَة، بِأَدَبِيّاتِ "الفِتْنَة" وَ"مَعْرَكَةِ الجَمَل" وَ"حَرْبِ صِفين"، كَما لَوْ أَنَّ الفِقْهَ السِّياسِيَّ لِلْمِنْطِقَةِ العَرَبِيَّةِ بَقِيَ مُتَوَقِّفًا عِنْدَ ما حَرَّرَهُ العَقْلُ السِّياسِيُّ العَرَبِيُّ الذي تَوَقَّفَ عَنِ الإِتْيانِ بِالجَديدِ مُباشَرَةً بَعْدَ حِقْبَةِ الخُلَفاءِ الأَرْبَعَة.

مِمّا مَيَّزَ خِطابَ الصَّحْوَةِ نَفْسِها، أَنَّها اخْتَزَلَتِ المَتْنَ النَّقْدِيَّ الغَنِيَّ الذي يَهُمُّ عَقْلَنا العَرَبِيَّ الجَمْعِيّ، أَيْ أَدَبِيّاتِ الِاقْتِصادِ السِّياسِيّ، في شَيْطَنَةِ المارْكْسِيَّةِ مَعَ تَرْويجِ لازِمَة: "الدّينُ أَفْيونُ الشُّعوب". والحالُ أَنَّ صاحِبَ "رَأْسِ المال: نَقْدُ الِاقْتِصادِ السِّياسِيّ"، لَمْ يَزْعُمْ قَطُّ أَنَّهُ رَجُلُ "فَلْسَفَةِ الدّين" أَوْ يَفْقَهُ في الإِسْلامِيّاتِ أَوِ الإِلَهِيّاتِ أَوِ مُقارَنَةِ الأَدْيان... إِلَخ، فَهَذِهِ قَضايا كانَتْ خارِجَ مَجالِ اهْتِماماتِهِ النَّظَرِيَّةِ أَساسًا، على اعْتِبارِ أَنَّ جَوْهَرَ مَشْروعِهِ النَّقْدِيِّ كانَ يَدورُ في فَلَكِ نَقْدِ المُنْظومَةِ الرَّأْسِمالِيَّة، إلى دَرَجَةٍ أَنَّهُ أَصْبَحَ مَرْجِعًا عالَمِيًّا في هَذا المِضْمار، على غِرارِ الحَديثِ عَنْ مَرْجِعِيَّةِ إِدْوارْد سَعيد في نَقْدِ الِاسْتِشْراقِ أَوْ مَرْجِعِيَّةِ نَعومِ تْشومْسْكي في حَقْلِ اللِّسانِيّاتِ التَّوْليدِيَّةِ ضِمْنَ أَمْثِلَةٍ أُخْرى.

في عامِ 2024، صَدَرَ كِتابُ "مارْكْس ضِدَّ الغافام"، لِلْباحِثَةِ سْتيفاني روزا، والإِحالَةُ هُنا إلى تَوْظيفِ الأَدَبِيّاتِ المارْكْسِيَّةِ في مَعْرِضِ نَقْدِ رَأْسِمالِيَّةِ تَكَلُّفِ "الغافام" ("غوغْل" وَ"أَمازون" وَ"فيسْبوك" وَ"آبِل" وَ"مايْكْروسوفْت")، مَعَ عُنْوانٍ فَرْعِيٍّ يُحيلُ على تَأْثيرِ الثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّةِ في تَغْذِيَةِ حالَةِ اغْتِرابِ الإِنْسانِ المُعاصِر، مِنْ مَنْطَلَقِ أَنَّ تِلْكَ الثَّوْرَةَ الرَّقْمِيَّةَ تُساهِمُ في تَحْديدِ أَشْكالٍ جَديدَةٍ مِنَ الِاغْتِراب. والمُلاحَظُ في الكِتاب، حُضورُ مُساهَماتِ قَرْنٍ وَنِصْفِ القَرْنِ مِنَ الأَعْمالِ والنِّقاشاتِ داخِلَ المارْكْسِيَّة، وَخاصَّةً في ما يَتَّصِلُ بِأَفْكارِ المُفَكِّرينَ الإِنْسانِيّين، مِثْلَ جورْجِ لوكاتْش، لِفَكِّ رُموزِ الِاتِّجاهاتِ الأَساسِيَّةِ في المُجْتَمَعِ المُعاصِر.

بَعْدَ عَقْدَيْنِ وَنِيِّفٍ إِذًا، مِنْ مَضامينِ مَلَفِّ مَجَلَّةٍ أوروبِيَّةٍ تَطْرَحُ فيها أَسْئِلَةً عَنْ جَدْوى المَتْنِ المارْكْسِيِّ في التَّفاعُلِ مَعَ الرَّأْسِمالِيَّةِ المُعاصِرَةِ والمُتَجَدِّدَة، نُعايِنُ عَمَلًا بَحْثِيًّا رَصينًا يُحيلُ على المَتْنِ المارْكْسِيِّ في مَعْرِضِ الِاشْتِباكِ النَّقْدِيِّ مَعَ إِحْدى أَهَمِّ الثَّوْراتِ العِلْمِيَّةِ المُعاصِرَة: الثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّة.

شعوب المنطقة العربية تهمُّها مقتضيات قراءات نقدية للرأسماليات المنخرطة في تفكيك الدول والأوطان والإنسان

لَيْسَ هَذا وَحَسْب، في ثُلاثِيَّةِ "دينِ الحَياءِ" لِلْمُفَكِّرِ الصّوفي طَهَ عَبْدِ الرَّحْمَن، كانَ الكِتابُ الثّاني مُخَصَّصًا لِاسْتِعْراضِ دَوْرِ العَمَلِ الصّوفِيِّ في التَّفاعُلِ مَعَ الثَّوْرَةِ الرَّقْمِيَّة، واتَّضَحَ أَنَّ النَّقْدَ الذي وَجَّهَهُ المَوْقِفُ لِانْحِرافاتِ تِلْكَ الثَّوْرَة، كانَتْ مَراجِعُهُ لِبَعْضِ أَعْلامِ مَدْرَسَةِ فْرانْكْفورْت، والحالُ أَنَّ رُموزَ هَذِهِ المَدْرَسَةِ النَّقْدِيَّة، قادِمَةٌ مِنَ الحَقْلِ النَّقْدِيِّ المارْكْسِيّ، والأَمْرُ نَفْسُهُ مَعَ اسْتِفادَةِ الرّاحِلِ عَبْدِ الوَهابِ المُسَيْرِيِّ مِنَ المَدْرَسَةِ نَفْسِها في مَعْرِضِ نَقْدِهِ اغْتِرابَ الإِنْسانِ المُعاصِر.

عُقولٌ إِسْلامِيَّةٌ حَرَكِيَّةٌ تَجاهَلَتْ - عَنْ قَصْدٍ أَوْ عَنْ جَهْل - أَهَمَّ ما في الأَدَبِيّاتِ المارْكْسِيَّة، مُقابِلَ تَرْويجِها الِاخْتِزالِيِّ لِقِراءَةٍ نَقْدِيَّةٍ غَيْرِ سَوِيَّةٍ في سِياقِ التَّفاعُلِ مَعَ أَنْماطِ التَّدَيُّن، مَعَ أَنَّ شُعوبَ المَنْطِقَةِ العَرَبِيَّةِ غَيْرُ مُعْنِيَّةٍ وَغَيْرُ مُبالِيَةٍ بِمُقْتَضَياتِ تِلْكَ القِراءَة، بِقَدْرِ ما تَهُمُّها مُقْتَضَياتُ قِراءاتٍ نَقْدِيَّةٍ لِلرّأسمالِيّاتِ والإِمْبِرْيالِيّاتِ والقُوى العُظْمى المُنْخَرِطَةِ في تَفْكيكِ الدُّوَلِ والأَوْطَانِ والإِنْسان!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن