بِالتَّأْكيدِ المَوْضوعُ شائِكٌ نَظَرًا لِلتّاريخِ الطَّويلِ الذي شَهِدَ صُعودَ دُوَلٍ وانْحِدارَ دُوَل، وَبُروزَ نَماذِجَ عَقْلِيَّةٍ وَمَذْهَبِيَّة، واخْتِفاءَ أُخْرى. لَكِنَّ اللّافِتَ هُوَ السُّؤالُ التّالي: ما الذي جَنَتْهُ إيرانُ على صَعيدِ العَلاقَةِ مَعَ العالَمِ العَرَبِيِّ مُؤَخَّرًا سِوى صُعودِ البُعْدِ المَذْهَبِيِّ مُجْتَمَعِيًّا الذي أَدّى إلى انْقِساماتٍ حادَّةٍ أَخَذَتْ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ الِاقْتِتالِ في أَكْثَرَ مِنْ حَقْل؟.
كُلّما أرادت إيران أن تتقدّم في المنطقة سياسيًا وعسكريًا يختفي الرافد الثقافي
والسُّؤالُ الآخَر: ما الذي قَدَّمَتْهُ إيرانُ على المُسْتَوى الثَّقافِيّ؟ وَهَذا السُّؤالُ يَأْتي في ضَوْءِ التّاريخِ الذي لَعِبَتْ فيهِ بِلادُ فارِسَ دَوْرًا مُضيئًا على المُسْتَوى الثَّقافِيّ، لِدَرَجَةِ أَنَّ كِبارَ العُلَماءِ مِنْ أُصولٍ فارِسِيَّةٍ عاشوا في المُحيطَ العَرَبِيِّ مِنْ دونِ مَعْرِفَةِ أَنَّهُمْ فُرْس، لِأَنَّهُمْ فَكَّروا داخِلَ الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ والإِسْلامِيَّةِ مِنْ خِلالِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ المَرْكَزِيَّة، لِأَنَّها كانَتْ لُغَةَ القُرْآنِ والدّينِ الجَديد. فَقَدَّموا أَعْمالَهُمْ مِنْ داخِلِ ذَلِكَ الفَضاءِ الثَّقافِيِّ اللُّغَوِيّ. حَتّى أَنَّ الكَثيرَ مِنْهُمْ، بِالإِضافَةِ إلى أُصولِهِمُ الفارِسِيَّة، كانوا يَنْتَسِبونَ إلى أَحَدِ المُكَوِّناتِ العَرَبِيَّة. وَهَذا مُؤَشِّرٌ بالِغُ الأَهَمِّيَّة.
المُلاحَظَةُ الأَهَمُّ هِيَ أَنَّ إيرانَ كُلَّما أَرادَتْ أَنْ تَتَقَدَّمَ في المِنْطَقَةِ سِياسِيًّا وَعَسْكَرِيًّا يَخْتَفي الرّافِدُ الثَّقافِيّ، وَهُوَ الأَهَمُّ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ في وِجْدانِ الشُّعوبِ الأُخْرى، وَهَذا الأَثَرُ نَرى مَفْعولَهُ سارِيًا إلى اليَوْمِ مَعَ تَأَثُّرِ الشُّعوبِ العَرَبِيَّةِ بِعُلَماءَ وَفُقَهاءَ وَشُعَراءَ وَفَلاسِفَةٍ فُرْسٍ مِنَ التّاريخ.
إِنَّ الفِكْرَ في حُدودٍ كَبيرَةٍ يَتَحَدَّدُ بِمُحَدِّدِ اللُّغَةِ التي يَتَشَكَّلُ عَلَيْها الوَعْي، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ البوصَلَةِ التي تُوَجِّهُ التَّفْكير، وَهَذا يَجْعَلُنا نَتَساءَل: لِأَيِّ دَرَجَةٍ كانَ العَديدُ مِنَ المُفَكِّرينَ الفُرْسِ مُنْغَمِسينَ في الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ حَتّى يُنْتِجوا داخِلَ لُغَتِها؟ بَلْ إِنَّ هُناكَ مِنْهُمْ مَنْ وَضَعَ أُسُسًا لِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَهِيَ لَيْسَتْ لُغَتَهُمُ الأُمَّ لِأَنَّها كانَتْ لُغَةَ أَهْلِ العِلْمِ وَقْتَذاك.
نَماذِجُ مِنْ تَداخُلِ اللُّغَةِ والفِكْر
مِنَ المُفَكِّرينَ الفُرْسِ مَنْ لا يَزالُ تَأْثيرُهُ إلى اليَوْمِ مِنْ ناحِيَةِ دَرْسِ النَّحْوِ والقَواعِدِ مِثْلَ سِيبَوَيْه "أَبو بِشْر" عَمْرو بْنُ عُثْمانَ بْنِ قَنْبَر، إِمامِ النُّحاةِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّة، وَأَحَدِ أَعْظَمِ عُلَماءِ النَّحْوِ في التّاريخ، وُلِدَ في القَرْنِ الثَّانِي الهِجْرِيِّ (حَوالَيْ 148 هـ) في بِلادِ فارِس، عاشَ في البَصْرَةِ وَدَرَسَ على يَدِ كِبارِ العُلَماءِ مِثْلَ الخَليلِ بْنِ أَحْمَدَ الفَراهيدِيّ، اشْتُهِرَ بِكِتابِهِ العَظيمِ "الكِتاب"، وَهُوَ أَوَّلُ وَأَهَمُّ مَرْجِعٍ شامِلٍ في قَواعِدِ النَّحْوِ العَرَبِيّ، وَلا يَزالُ يُدَرَّسُ وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ حَتّى اليَوْم.
أَبُو حاتِم أَحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِي، المُتَوَفّى سَنَةَ 322هـ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَصْلٍ فارِسِيّ. يَرى أَنَّ لِلْأَلْفاظِ العَرَبِيَّةِ جُذورًا دينِيَّةً عَميقَةً تَجَلَّتْ في الوَحْيِ الإِسْلامِيّ. في كِتابِهِ "الزّينَة"، لا يَقْتَصِرُ على المَعْنى الحَرْفِيّ، بَلْ يُوَسِّعُ الدَّلالَةَ إلى أَبْعادٍ رَمْزِيَّةٍ وَكَوْنِيَّة، مُفَسِّرًا مَفاهيمَ كالسَّماءِ والأَرْضِ ضِمْنَ نِظامِ الخَلْقِ والعَقْل. يَسْتَنِدُ إلى شِعْرِ العَرَبِ لِإِثْباتِ أَصالَةِ اللُّغَةِ وَقُدْرَتِها على التَّعْبيرِ عَنِ الغَيْب. كَما يُحَلِّلُ الِاشْتِقاقَ لِلْكَشْفِ عَنِ المَعاني الشَّرْعِيَّةِ والباطِنِيَّة، خاصَّةً في الأَلْفاظِ القُرْآنِيَّة، رابِطًا بَيْنَ اللُّغَةِ والعَقيدَة. بِذَلِكَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِن، وَيُقَدِّمُ قِراءَةً تَأْويلِيَّةً تَكْشِفُ البُعْدَ الإِلَهِيَّ والعَقْلِيَّ لِلْمَعْنى.
عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِي، أَحَدُ أَعْلامِ البَلاغَةِ العَرَبِيَّةِ في القَرْنِ الخامِسِ الهِجْرِيّ (حَوالَيْ 1009–1078م) وهُوَ مِنْ أَصْلٍ فارِسِيٍّ أَيْضًا، يَرى في كِتابِهِ "دَلائِلُ الإِعْجاز" أَنَّ البَلاغَةَ تَقومُ على النَّظْم، أَيْ تَرْتيبِ الكَلِماتِ وِفْقَ العَلاقاتِ النَّحْوِيَّةِ لا على المُفْرَداتِ مُنْفَرِدَة. فالمَعْنى يَتَوَلَّدُ مِنْ تَفاعُلِ الأَلْفاظِ داخِلَ الجُمْلَة، لا مِنَ الكَلِماتِ ذاتِها، وَأَيُّ تَغْييرٍ في التَّرْتيبِ يُغَيِّرُ الدَّلالَة. يُؤَكِّدُ أَنَّ الوَظائِفَ النَّحْوِيَّةَ والسِّياقَ هُما أَساسُ الفَهْم، وَيَرْفُضُ اخْتِزالَ البَلاغَةِ في الزَّخْرَفَةِ الشَّكْلِيَّة. تَتَقاطَعُ أَفْكارُهُ مَعَ البُنْيَوِيَّةِ كَما عِنْدَ فِرْدينانْد دي سوسير (Ferdinand de Saussure) في أَنَّ اللُّغَةَ نِظامٌ مِنَ العَلاقات، وَأَنَّ العَناصِرَ تَكْتَسِبُ قيمَتَها مِنْ مَوْقِعِها داخِلَ البُنْيَةِ الكُلِّيَّة، لا بِشَكْلٍ مُسْتَقِلّ.
سياسات إيران جلبت لها الدمار والهيمنة استجلبت هيمنة خارجية أكبر
وَعلى عَكْسِ المُعْطى الثّقافِيِّ والفِكرِيّ، فَإِنَّ المُعْطى السِّياسِيَّ والعَسْكَرِيَّ يُؤَدّي دائِمًا إلى تَنافُرٍ وَتَنابُذٍ واحْتِراب. وَهَذا يَأْخُذُنا إلى أَنَّ النُّفوذَ لا يَكونُ بِالسِّياسَةِ والعَسْكَر، إِنَّما النُّفوذُ يَكونُ بِالفِكْرِ والثَّقافَةِ وَهَذا أَقْوى وَيَنْطَبِعُ بِالأَذْهانِ والوَعْي، وَيُؤَدّي إلى وِئامٍ بَيْنَ الشُّعوب، وَهذا التَّنابُذُ والاحتِرابُ هُوَ ما نَراهُ اليَوْم، فَعلى مَدارِ عُقودٍ لَمْ نَرَ تَأْثيرًا ثَقافِيًّا إيجابِيًا مِنْ إيرانَ على المَجالِ العَرَبِيّ، بَل هِيَ تَرَكَتِ انْطِباعًا سَيِّئًا لَيْسَ بِالنِّسبَةِ لِلشُّعوبِ العَرَبِيَّةِ فقط إِنَّما أَيْضًا لِلشَّعْبِ الإيرانِيِّ نَفْسِه، وَهُنا نَسْأَل: ماذا جَنَتْ إيرانُ مِنْ نَتائِجَ على مُسْتَوى سِياساتِها التي جَلَبَتْ لَها الدَّمار؟ خصوصًا بَعدما تبيّن أنّ الهَيْمَنَةَ اسْتَجْلَبَت هَيْمَنَةً خَارِجِيَّةً أَكْبَر!.
(خاص "عروبة 22")

