بصمات

هَلِ انْتَهى دَوْرُ المُثَقَّف؟

عَمِلَتْ وَسائِطُ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ عَبْرَ الأَجْهِزَةِ المَحْمولَةِ على تَقْليصٍ مُضْطَرِدٍ لِقِراءَةِ الكُتُبِ المَطْبوعَة، وَخُصوصًا لَدى الأَجْيالِ التي لا تَزالُ تَتَلَقّى التَّعْليمَ في المَراحِلِ الأولى والمُتَوَسِّطَة. الأَمْرُ الذي دَفَعَ حُكومَةَ السُّوَيْدِ إلى مَنْعِ الطُّلّابِ في المَدارِسِ دونَ سِنِّ السّادِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ إِدْخالِ الهَواتِفِ إلى قاعاتِ الدَّرْس، والعَوْدَةِ إلى الكِتابِ بَدَلَ اسْتِخْدامِ الشّاشاتِ التي تُقَلِّلُ مِنَ التَّرْكيز، على الرَّغْمِ مِنَ الاعْتِرافِ بِما قَدَّمَهُ التَّطَوُّرُ التِّكْنولوجِيُّ مِنْ خِدْماتٍ لِلعِلْمِ والمَعْرِفَة. وَإِذا كانَتْ تِكْنولوجْيا الحاسوبِ قَدْ أَدَّتْ إلى اخْتِصارِ الوَقْتِ في البَحْثِ والتَّنْقيب، وَقَدَّمَتْ إِمْكانِيَّاتٍ غَيْرَ مَحْدودَةٍ لِتَوَسُّعِ آفاقِ المَعْرِفَة، بِما في ذَلِكَ خِدْماتُ الكِتابِ المَقْروءِ والتَّرْجَمَةُ الفَوْرِيَّة، إِلّا أَنَّ ذَلِكَ لا يَنْفي تَأْثيرَ كُلِّ ذَلِكَ على الثَّقافَةِ كَإِنْتاجٍ اجْتِماعِيٍّ وَعلى دَوْرِ المُثَقَّف.

هَلِ انْتَهى دَوْرُ المُثَقَّف؟

ارْتَبَطَتِ الثَّقافَةُ بِالمَعاني التي نَتَداوَلُها اليَوْمَ بِاسْتِنْباطِ الطِّباعَةِ وَحُروفِها المَعْدِنِيَّةِ في مُنْتَصَفِ القَرْنِ الخامِسِ عَشَر، التي أَتاحَتْ طَبْعَ المَخْطوطاتِ التي لا يَتَجاوَزُ عَدَدُ الواحِدَةِ مِنْها في أَحْسَنِ الأَحْوالِ العَشَرات، إلى مِئاتِ وَآلافِ النُّسَخِ المَطْبوعَةِ مَعَ مُرورِ الوَقْت. لِنَتَذَكَّرْ بِأَنَّ الكُتُبَ الدّينِيَّةَ قَبْلَ الطِّباعَةِ لَمْ تَكُنْ مُتَوَفِّرَةً إِلّا في مَراكِزِ العِبادَة، وَلا يَعْرِفُ سائِرُ النّاسِ، مِنْ كُلِّ الأَدْيانِ، دِينَهُمْ إِلّا مِنْ خِلالِ الخُطَبِ التي يَسْمَعونَها في أَماكِنِ العِبادَةِ أَوِ المَدارِسِ الدّينِيَّة. وَكانَت مَعْرِفَةُ القِراءَةِ مَحْدودَةً بِعَدَدِ الأَفْرادِ الذينَ يَتَلَقَّوْنَها صِغارًا. الأَمْرُ الذي لَمْ يَكُنْ مُتَوَفِّرًا أَوْ شائِعًا إِلّا في حُدودٍ ضَيِّقَة.

الطباعة بعثت التراث الديني والفكري واللّغوي مع بعث الوعي بالهوية الثقافية والقومية

لا شَكَّ أَنَّ بِدايَةَ الطِّباعَةِ تَناوَلَتِ الكُتُبَ المُقَدَّسَة (الإِنْجيل: العَهْدُ القَديمُ والجَديد)، وَساهَمَ ذَلِكَ في مَطْلَعِ القَرْنِ السّادِسِ عَشَرَ في انْتِشارِ المَذْهَبِ البْروتِسْتانْتِيّ. وَمِنْ هُنا رُبَّما اكْتَسَبَ الكِتابُ المَطْبوعُ الهالَةَ التي اكْتَسَبَها الكِتابُ المُقَدَّس (عِلْمًا بِأَنَّ أَوَّلَ مَطْبَعَةٍ في الدَّوْلَةِ العُثْمانِيَّةِ رُخِّصَ لَها عامَ 1727، شَرْطَ أَلّا تَطْبَعَ الكُتُبَ الدّينِيَّة)، وَيُمْكِنُ القَوْلُ بِأَنَّ الطِّباعَةَ في العالَمِ الإِسْلامِيِّ كانَتْ بِدايَتُها عِلمانِيَّة، اهْتَمَّتْ بِطَبْعِ الكُتُبِ الجُغْرافِيَّةِ والتّارِيخِيَّةِ والمَعاجِمِ اللُّغَوِيَّة.

وَإِذا اسْتَعَدْنا عُصورَ ما قَبْلَ الطِّباعَةِ وَإِنْتاجِ الكِتاب، لا بُدَّ مِنَ الإِشارَةِ إلى أَنَّ الشُّعَراءَ والكُتّابَ والمُفَكِّرينَ والعُلَماءَ ما كانوا مَعْروفينَ إِلّا على نِطاقٍ ضَيِّق. فَلَمْ تَكُنْ قَصائِدُ المَعَرِّيِّ والمُتَنَبِّي مُعْروفَةً مِنْ أَبْناءِ عَصْرَيْهِما، وَلا يَعْرِفُها سِوى أَفْرادٍ مِنَ الخاصَّة، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِمُؤَلَّفاتِ الفارابِيِّ أَوِ ابْنِ سينا التي لَمْ يَكُنْ يَطَّلِعُ عَلَيْها سِوى خاصَّةِ الخاصَّة. والمُفارَقَةُ أَنَّنا نَعْرِفُ هَؤُلاءِ الشُّعَراءَ والأُدَباءَ والفَلاسِفَةَ وَآثارَهُمْ اليَوْمَ، بَيْنَما لَمْ يَكُنْ مُعاصِروهُمْ يَسْمَعونَ بِهِم. مِنْ هُنا فَإِنَّ الطِّباعَةَ بَعَثَتِ التُّراثَ الدّينِيَّ والفِكْرِيَّ واللُّغَوِيّ، مَعَ أَثَرِ ذَلِكَ في بَعْثِ الوَعْيِ بِالماضي والهُوِيَّةِ الثَّقافِيَّةِ والقَوْمِيَّة.

أَوْجَدَ الكِتابُ المَطْبوعُ بيئَةً مِنَ القُرّاءِ مُنَوَّعَةَ المُيولِ الأَدَبِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ والفَنِّيَّة، أَيْ بيئَةً ثَقافِيَّةً نُطْلِقُ على أَفْرادِها اسْمَ "المُثَقَّفين"، الذينَ يُشارِكونَ في الرَّأْيِ والنِّقاشِ وَيَلعَبونَ أَدْوارًا في مُجْتَمَعاتِهِم. تَضافَرَ ذَلِكَ مَعَ تَوَسُّعِ قاعِدَةِ المُتَعَلِّمينَ بَعْدَ إيجادِ النِّظامِ المَدْرَسِيّ، وَأَساسُ المَدْرَسَةِ القَديمَةِ قَبْلَ الطِّباعَةِ كانَ نَقْلَ المَعْرِفَةِ شَفَهِيًّا مَعَ تَداوُلٍ مَحْدودٍ لِلكِتابِ المَخْطوط. أَمّا الطِّباعَةُ فَقَدْ جَعَلَتْ مِنَ المُمْكِنِ الامْتِلاكَ المادِّيَّ لِلكِتابِ واقْتِناءَ مَكْتَبَة، مِمّا جَعَلَ لِلمُثَقَّفِ كِيانًا شَخْصِيًّا وَمُسْتَقِلًّا وَرَأْيَهُ الخاصَّ بِه.

مُستخدِم الوسائط الرقمية يُصبح مُراقبًا كُلّما ضغط على مفتاح أو طلب معلومة

ميزَةُ الكِتابِ أَنَّنا نَعْرِفُ مُؤَلِّفَهُ وَطابِعَهُ وَمُوَزِّعَهُ والجِهَةَ التي تُراقِبُ إِصْدارَه، مِمّا يُؤَمِّنُ عَلاقَةً بَيْنَ المُؤَلِّفِ والقارِئِ يَتَوَسَّطُها النّاشِر، أَيْ أَنَّنا إِزاءَ وَسَطٍ يَمْتَلِكُ أَطْرافًا مُتَعَدِّدَةً تُقيمُ فيما بَيْنَها صِلاتٍ مُباشِرَةً أَوْ غَيْرَ مُباشِرَة. وَكُلٌّ مِنْ أَطْرافِ هَذا الوَسَطِ يَمْلِكُ سُلْطَة، فَلا كاتِبَ مِنْ دونِ ناشِر، وَلا ناشِرَ مِنْ دونِ قارِئ.

نَقَلَتِ الطِّباعَة، مِنْ خِلالِ الكِتاب، ثُمَّ مِنْ خِلالِ الصَّحيفَةِ المَطْبوعَة، المَعْرِفَةَ والمَعْلوماتِ مِنَ الخاصِّ إلى العامّ. فَمِنْ حَيْثُ المَبْدَأ، لِكُلِّ شَخْصٍ الحَقُّ بِامْتِلاكِ الكِتابِ كَسِلْعَةٍ مِثْلَ سائِرِ السِّلَع، إِلّا أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ تَحْتَفِظُ بِامْتِيازِها كَوْنَها تَنْقُلُ مَعْرِفَةً وَثَقافَةً بِالمَعْنى المُتَعَدِّدِ لِلكَلِمَة. فَأولَئِكَ الذينَ يَقْتَنونَ الكِتابَ وَيَقْرَؤونَهُ يُشَكِّلونَ فِئَةً اتَّسَعَ نِطاقُها مُنْذُ أَنْ وُجِدَتِ الطِّباعَة.

هَكَذا غَيَّرَتِ الطِّباعَةُ عالَمَ الثَّقافَة، بَل أَوْجَدَتْ ما نُسَمّيهِ عادَةً "المُثَقَّفَ" الذي تُتيحُ لَهُ ثَقافَتُهُ أَدْوارًا اجْتِماعِيَّةً مُتَعَدِّدَةَ الأَوْجُه، مِنْ نَقْلِ الثَّقافَةِ ثُمَّ التَّعْليمِ إلى إِنْتاجِ المَعْرِفَةِ بِاعْتِبارِها سُلْطَةً قائِمَةً بِذاتِها لَها دَوْرُها الِاجْتِماعِيّ.

تحوُّل جذري في مفهوم الثقافة في عالم يبدو أنّه ليس بحاجة إلى مُثقّفين

كُلُّ ذَلِكَ مُهَدَّدٌ بِالتَّهْميشِ والإِلغاءِ أَمامَ طُغْيانِ وَتَدَفُّقِ المَعْلوماتِ عَبْرَ الوَسائِطِ التِّكْنولوجِيَّةِ الرَّقْمِيَّة، التي نَجْهَلُ مَصْدَرَها، والجِهَةَ التي تَتَكَلَّمُ بِها، وَنَجْهَلُ الجِهَةَ التي تُراقِبُها وَلا نَراها. هَذا التَّدَفُّقُ الهائِلُ لِلمَعْلوماتِ التي يُمْكِنُ التَّحَكُّمُ بِصِياغَتِها وَإِعادَةِ صِياغَتِها، يَجْعَلُ عالَمَ الثَّقافَةِ لا حُدودَ لَهُ وَلا ضَوابِط. فالمُثَقَّفُ كانَ يَمْلِكُ هامِشًا مِنَ الحُرِّيَّةِ يَضيقُ وَيَتَّسِع، فيما مُسْتَخْدِمُ الوَسائِطِ الرَّقْمِيَّةِ يُصْبِحُ مُراقَبًا كُلَّما ضَغَطَ على مِفْتاحٍ أَوْ طَلَبَ مَعْلومَة.

إِنَّنا إِزاءَ تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ في مَفْهومِ الثَّقافَة، في عالَمٍ يَبْدو أَنَّهُ لَيْسَ بِحاجَةٍ إلى مُثَقَّفين. مَعَ جيلٍ يَرى أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ بِحاجَةٍ إلى الكِتابِ المَطْبوعِ الذي يَعْكِسُ خُصوصِيَّةَ الانْتِقاءِ والقِراءَةِ والتَّبَصُّر، وَبَيْنَ تَدَفُّقِ مَعْلوماتٍ هِيَ السَّبيلُ إلى مُراقَبَتِكَ في أَدَقِّ خُصوصِيّاتِك.

فَهَل نَحْنُ أَمامَ تَبَدُّلٍ جَذْرِيٍّ في مَفْهومِ الثَّقافَةِ التي أَصْبَحَتْ مُتاحَةً مِنْ دونِ عَناءٍ وَتَبَصُّرٍ لِكُلِّ مُتَصَفِّح، وَهَل سَيُؤَدّي ذَلِكَ إلى تَهْميشِ دَوْرِ المُثَقَّفِ إلى حَدِّ إِلغائِه؟.

(خاص "عروبة 22")
?

برأيك، ما هو العامل الأكثر تأثيرًا في تردي الواقع العربي؟





الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن