كَما يَحْرِصُ الْمُهَنْدِسُ عَلى تَوازُنِ الْجِسْرِ بَيْنَ الْحَديدِ وَالْحَجَر، يَحْرِصُ الْمُسْتَبِدُّ عَلى تَوازُنٍ أَدَقَّ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْوَلاءِ وَالدِّعايَةِ وَالْقانون، بِحَيْثُ لا يَبْدو حُضورُهُ طارِئًا، بَلْ طَبيعِيًّا، بَلْ ضَرورِيًّا في نَظَرِ قِطاعاتٍ واسِعَةٍ مِنَ الْمُجْتَمَع.
هَذا الْإِدْراكُ لَيْسَ جَديدًا. فَقَدْ أَلْمَحَ ابْنُ خَلْدون مُبَكِّرًا إلى أَنَّ الِاسْتِبْدادَ يَقْتُلُ الْعُمْران، وَرَأى الْكَواكِبِيُّ فيهِ أَصْلَ كُلِّ فَساد. لَكِنَّ ما كانَ يوصَفُ قَديمًا بِوَصْفِهِ انْحِرافًا في الْحُكْمِ أَوْ مَرَضًا يُصيبُ السُّلْطَة، يَظْهَرُ الْيَوْمَ بِوَصْفِهِ مَنْظومَةً مُكْتَمِلَة، لَها أَدَواتُها وَتِقْنِيّاتُها، وَتُصاغُ بِعِنايَةٍ تُشْبِهُ صِياغَةَ الْخَرائِطِ الْهَنْدَسِيَّة.
المستبد لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى الوعي
هُنا تَبْرُزُ الْحاجَةُ إلى النَّظَرِ في مِعْمارِ الِاسْتِبْدادِ ذاتِه، لا بِوَصْفِهِ حادِثًا سِياسِيًّا، بَلْ بِوَصْفِهِ بِناءً مُتَماسِكًا، يُغْلَقُ عَلى الْمُجْتَمَعاتِ حَتّى يَبْدُوَ الْخُروجُ مِنْهُ ثَوْرَةً عَلى الْقَدَرِ لا عَلى الْحاكِمِ وَحْدَه.
يَقومُ هَذا الْمِعْمارُ أَوَّلًا عَلى السَّيْطَرَةِ عَلى الْمَعْرِفَة. فَالْمُسْتَبِدُّ لا يَخْشى السِّلاحَ بِقَدْرِ ما يَخْشى الْوَعْي، وَلِذَلِكَ يَسْعى إلى احْتِكارِ مَصادِرِ الْمَعْرِفَة، فَيُحَوِّلُ التَّعْليمَ إلى تَلْقين، وَالْإِعْلامَ إلى دِعايَة، وَالْفِكْرَ إلى أَداةِ تَبْرير. هَكَذا يُعادُ تَشْكيلُ الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ في قالِبٍ واحِد، تُقْصى مِنْهُ الْأَسْئِلَة، وَيُجَرَّمُ الِاخْتِلاف، وَيُصْبِحُ التَّفْكيرُ الْحُرُّ فِعْلًا مَشْبوهًا. وَمَعَ الْوَقْت، لا يَعودُ الْقَمْعُ الْمَعْرِفِيُّ مَفْروضًا مِنَ الْخارِجِ فَقَط، بَلْ يُسْتَبْطَنُ داخِلَ الْعُقولِ ذاتِها.
إلى جانِبِ ذَلِك، يُشَيَّدُ الْعُنْفُ بِوَصْفِهِ رَكيزَةً مَرْكَزِيَّةً لا مُجَرَّدَ أَداةٍ طارِئَة. فَاحْتِكارُ الْقُوَّةِ شَرْطُ بَقاءِ أَيِّ اسْتِبْداد، وَلِذَلِكَ تُبْنى مُؤَسَّساتٌ أَمْنِيَّةٌ وَعَسْكَرِيَّةٌ تُرْفَعُ فَوْقَ الْمُجْتَمَع، وَتُفْصَلُ عَنْهُ في آنٍ واحِد. الْعُنْفُ هُنا لا يُسْتَخْدَمُ دائِمًا، لَكِنَّهُ حاضِرٌ دائِمًا كَإِمْكانِيَّة، كَظِلٍّ ثَقيلٍ يَكْفي وُجودُهُ لِضَبْطِ السُّلوكِ الْعام. إِنَّهُ الْعَمودُ الْفِقْرِيُّ الَّذي يَشُدُّ أَجْزاءَ الْمِعْمارِ بَعْضَها إلى بَعْض.
وَلا يَكْتَمِلُ الْبِناءُ مِنْ دونِ إِخْضاعِ الِاقْتِصاد. فَالْمُسْتَبِدُّ يُدْرِكُ أَنَّ السَّيْطَرَةَ عَلى الْأَرْزاقِ لا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ السَّيْطَرَةِ عَلى الْعُقولِ وَالْأَجْساد. تُدارُ الثَّرْوَةُ بِوَصْفِها شَبَكَةَ وَلاءات، تُكافِئُ الطّاعَةَ وَتُعاقِبُ الْعِصْيان، حَتّى تَتَحَوَّلَ لُقْمَةُ الْعَيْشِ إلى أَداةِ ضَبْط، وَيَغْدو الْبَقاءُ ذاتُهُ مَشْروطًا بِالرُّضوخ. عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَة، لا يَعودُ الْخَوْفُ سِياسِيًّا فَقَط، بَلْ مَعاشِيًّا، يَوْمِيًّا، يَمَسُّ أَدَقَّ تَفاصيلِ الْحَياة.
أَمّا الْقانون، فَيُعادُ تَشْكيلُهُ لِيَخْدِمَ هَذا الْبِناءَ كُلَّه. فَبَدَلَ أَنْ يَكونَ قَيْدًا عَلى السُّلْطَة، يَتَحَوَّلُ إلى غِطائِها الشَّرْعِي. تُكْتَبُ النُّصوصُ وَتُفَسَّرُ بِما يَضْمَنُ حِمايَةَ الْحاكِمِ وَتَجْريمَ مُقاوَمَتِه، حَتّى يَغْدُوَ الْعَدْلُ مُجَرَّدَ قِناع، وَتَتَحَوَّلَ الشَّرْعِيَّةُ إلى لُغَةٍ تِقْنِيَّةٍ تُدارُ بِها الْهَيْمَنَةُ لا إلى قيمَةٍ أَخْلاقِيَّةٍ تُحاسَبُ بِها السُّلْطَة.
بِهَذا الْمَعْنى، لا يُفْرَضُ الِاسْتِبْدادُ مِنْ أَعْلى فَقَط، بَلْ يَتَسَرَّبُ إلى النَّسيجِ الِاجْتِماعِيّ، وَيُعيدُ تَشْكيلَ الْعَلاقاتِ الْيَوْمِيَّةِ بَيْنَ النّاس. يُراقِبُ الْأَفْرادُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُعيدونَ إِنْتاجَ الْمَنْظومَةِ مِنْ دونِ وَعْيٍ كامِل، حَتّى يُصْبِحَ الْمُجْتَمَعُ ذاتُهُ جُزْءًا مِنْ هَنْدَسَةِ الْقَفَصِ الَّذي يَسْكُنُه.
انتقل الاستبداد إلى الفضاء الرقمي حيث يُدار الإنسان بوصفه ملف بيانات
الِاسْتِبْداد، كَأَيِّ مِعْمارٍ ضَخْم، يَحْتاجُ إلى صِيانَةٍ لا تَتَوَقَّف. هُنا تَظْهَرُ هَنْدَسَةُ الْخَوْفِ بِوَصْفِها عِلْمًا قائِمًا بِذاتِه، لا يَعْتَمِدُ فَقَطْ عَلى الِاعْتِقالِ وَالتَّعْذيب، بَلْ عَلى نَشْرِ الْإِحْساسِ الدّائِمِ بِأَنَّ السُّلْطَةَ قادِرَةٌ عَلى الْوُصولِ إلى أَيِّ أَحَد، في أَيِّ وَقْت. يَكْفي هَذا الْإِحْساسُ لِيُحَوِّلَ النّاسَ إلى رُقَباءَ عَلى ذَواتِهِم، يَضْبِطونَ أَحْلامَهُمْ قَبْلَ كَلِماتِهِم.
بَعْدَها تَأْتي هَنْدَسَةُ الذّاكِرَة. فَالْماضي لَيْسَ شَأْنًا تاريخِيًّا بَريئًا، بَلْ ساحَةُ صِراعٍ عَلى الْمَعْنى. يُعادُ تَدْوينُ التّاريخ، تُمْحى صَفَحاتُهُ الْمُزْعِجَة، وَتُضَخَّمُ الرِّوايَةُ الرَّسْمِيَّة، حَتّى تَنْشَأَ أَجْيالٌ لا تَعْرِفُ مِنْ ماضيها إلّا ما سُمِحَ لَها أَنْ تَعْرِفَه. عِنْدَها، لا يَعودُ ما حَدَثَ فِعْلًا هُوَ ما جَرى، بَلْ ما كُتِبَ لَهُ أَنْ يُرْوى.
وفي الْفَضاءِ الْعام، تُدارُ هَنْدَسَةُ الرَّأْيِ عَبْرَ الْإِعْلامِ وَالْفُنونِ وَالتَّعْليم، لا لِتَلْميعِ صورَةِ الْحاكِمِ فَقَط، بَلْ لِتَشْكيلِ وَعْيٍ يَرى الْبَدائِلَ تَهْديدًا، وَيَعْتَبِرُ بَقاءَ النِّظامِ الْقائِمِ الضَّمانَ الْوَحيدَ لِلْأَمْن. هَكَذا يُخْتَزَلُ الْخَيالُ السِّـياسِيّ، وَيُصَوَّرُ أَيُّ خُروجٍ عَنِ الْمَسارِ بِاعْتِبارِهِ فَوْضى مُحَقَّقَة.
أَمّا الْوَلاء، فَلا يُتْرَكُ لِلْعاطِفَةِ أَوْ الْقَناعَة، بَلْ يُدارُ بِمَنْطِقِ الْمَصَالِح. شَبَكاتُ امْتِيازات، وَظائِف، عُقود، وَاسْتِثْمارات، تَتَحَوَّلُ إلى أَدَواتٍ لِشِراءِ الطّاعَة، حَتّى يُصْبِحَ الِانْفِكاكُ عَنِ النِّظامِ خَطَرًا وُجودِيًّا لا خِيارًا سِياسِيًّا.
هندسة الحرية بناءٌ يحتاج إلى مؤسسات وثقافة وممارسة يومية وإعلام بديل
غَيْرَ أَنَّ هَذا الْمِعْمارَ التَّقْليدِيَّ لَمْ يَعُدْ كافِيًا في عالَمِ الْيَوْم. انْتَقَلَ الِاسْتِبْداد، كَما انْتَقَلَ الْعالَم، إلى الْفَضاءِ الرَّقْمِيّ. هُناكَ حَيْثُ تَحُلُّ الْبَياناتُ مَحَلَّ الْجَواسيس، وَالْخَوارِزْمِيّاتُ مَحَلَّ الرُّقَباء، وَتَتَحَوَّلُ وَسائِلُ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ إلى مُخْتَبَراتٍ ضَخْمَةٍ لِتَشْكيلِ الرَّأْيِ وَضَبْطِ السُّلوك.
لَمْ يَعُدِ الِاسْتِبْدادُ بِحاجَةٍ إلى إِظْهارِ وَجْهِهِ الْعَنيفِ دائِمًا؛ صارَ أَكْثَرَ نُعومَةً وَأَكْثَرَ خَفاءً، لَكِنَّهُ في الْعُمْقِ أَشَدُّ إِحْكامًا. الْإِنْسانُ هُنا لا يُقْمَعُ فَقَط، بَلْ يُدارُ بِوَصْفِهِ مِلَفَّ بَياناتٍ يُوَجَّهُ وَيُسْتَثْمَرُ مِنْ دونِ أَنْ يَشْعُر.
السُّؤالُ الَّذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ: كَيْفَ نُفَكِّكُ الِاسْتِبْداد؟
مَعْلومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذا الْبِناءِ لا يَنْهارُ بِضَرْبَةٍ واحِدَة. يَبْدَأُ التَّفْكيكُ حينَ تُكْسَرُ احْتِكاراتُه: حينَ تُسْتَعادُ الْمَعْرِفَةُ فَضاءً حُرًّا، وَيُعادُ إِخْضاعُ الْقُوَّةِ لِلْمُساءَلَة، وَيُحَرَّرُ الِاقْتِصادُ مِنْ شَبَكاتِ الْوَلاء، وَيَسْتَعيدُ الْقانونُ روحَهُ بِوَصْفِهِ قَيْدًا عَلى السُّلْطَةِ لا ذِراعًا لَها.
الهندسة نفسها التي شيّدت الاستبداد تحمل في طياتها إمكانية هدمه
لَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَظَلُّ ناقِصًا ما لَمْ يُقابَلْ بِهَنْدَسَةٍ بَديلَة: هَنْدَسَةِ الْحُرِّيَّة. فَالْحُرِّيَّة، مِثْلَ الِاسْتِبْداد، لَيْسَتْ شِعارًا، بَلْ بِناءٌ يَحْتاجُ إلى مُؤَسَّساتٍ وَثَقافَةٍ وَمُمارَسَةٍ يَوْمِيَّةٍ وَإِعْلامٍ بَديل.
عَلى الرَّغْمِ مِنْ قَتامَةِ الْمَشْهَدِ كَما رَسَمْناه، يُعَلِّمُنا تاريخُ الشُّعوبِ أَنَّ مِعْمارَ الِاسْتِبْدادِ لَيْسَ أَبَدِيًّا، لِأَنَّ الْهَنْدَسَةَ نَفْسَها الَّتي شَيَّدَتْهُ تَحْمِلُ في طَيّاتِها إِمْكانِيَّةَ هَدْمِه. وَبَيْنَ الْقَفَصِ وَالْبَيْتِ الْمَفْتوح، تَقِفُ الشُّعوبُ دائِمًا أَمامَ خِيارِهَا التّاريخِيّ: إِمّا الْبَقاءُ في بِناءٍ يُدارُ ضِدَّها، أَوْ الشُّروعُ في إِعادَةِ الْبِناءِ عَلى أُسُسِ الْكَرامَةِ وَالْمُشارَكَةِ وَالْعَدالَةِ وَسِيادَةِ الْقانون.أعلى النموذج
(خاص "عروبة 22")

