بصمات

التَقَدُّم.. بَيْـنَ الماضي والحاضِـرِ والمُستَقبَل!

في مَدينَةِ بَرْشَلونَةَ الإِسْبانِيَّة، يَنْعَقِدُ هذِهِ الأَيّامِ مُؤْتَمَرٌ حاشِدٌ لِقِوى اليَسارِ الدّيموقْراطِيِّ تَحْتَ شِعارِ "الدِّفاعِ عَنْ مَقولَةِ التَّقَدُّمِ في مُواجَهَةِ صُعودِ حَرَكاتِ اليَمينِ المُتَطَرِّفِ في جُلِّ البُلْدانِ الأوروبِّيَّة". صَحيحٌ أَنَّ اليَسارَ لا يَحْتَكِرُ في الغَرْبِ شِعارَ التَّقَدُّمِ الَّذي هُوَ في صُلْبِ ديناميكيَّةِ التَّنْويرِ الحَديثِ بِمَرْجِعِيَّتِها الفَلْسَفِيَّةِ وَالنَّظَرِيَّةِ الواسِعَة، لَكِنَّ الصِّراعَ السِّياسِيَّ القائِمَ في القارَّةِ العَجوزِ يَدورُ بِالفِعْلِ حَوْلَ قِيَمِ الحَداثَةِ في مُقابِلِ قِيَمِ الهُوِيَّةِ وَالانْتِماء. وَقَدْ كانَ الرَّئيسُ الفَرَنْسِيُّ الحالِيُّ إيمانويل ماكْرون قَدْ عَبَّرَ عَنْ هذا الاسْتِقْطابِ بِصِدامِ النَّزْعَةِ التَّقَدُّمِيَّةِ بِالتَّيّارِ الرَّجْعِيِّ الماضَوِيِّ في تَجَلِّياتِهِ المُخْتَلِفَة.

التَقَدُّم.. بَيْـنَ الماضي والحاضِـرِ والمُستَقبَل!

لَيْسَ هذَا الصِّدامُ بِالجَديدِ كُلِّيًّا، فَمِنَ المَعْروفِ أَنَّ بَعْضَ القُوى وَالشَّخْصِيّاتِ المُحافِظَةَ دَخَلَتْ في صِراعٍ مَعَ الأَفْكارِ التَّنْويرِيَّةِ مُنْذُ القَرْنِ الثّامِنِ عَشَر، وَقَدِ اشْتَهَرَ في هذا البابِ الفَيْلَسوفُ البَريطانِيُّ إِدْمونْد بورْك (Edmund Burke) الَّذي واجَهَ بِشِدَّةٍ الثَّوْرَةَ الفَرَنْسِيَّة، وَاعْتَبَرَ أَنَّ الثَّوْراتِ الرّاديكالِيَّةَ خَطَرٌ على اسْتِقْرارِ الدُّوَلِ وَالمُجْتَمَعاتِ مِنْ حَيْثُ الفَراغِ المُؤَسَّسِيِّ الَّذي تُفْضي إِلَيْهِ وَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ وَهْمِ التَّأْسيسِ الجَديدِ المُطْلَق، بِما يَفْتَحُ البابَ لِلْفَوْضى وَالعُنْفِ وَعَدَمِ الاسْتِقْرارِ السِّياسِيّ.

وَمِنَ المَعْروفِ أَنَّ الكاتِبَ الإِنْكليزِيَّ الأَصْلِ توماس بايْن (Thomas Paine) قَدْ رَدَّ على بورْك في كِتابٍ بِعُنْوانِ "حُقوقِ الإِنْسانِ" صَدَرَ في الفَتْرَةِ نَفْسِها، مُعْتَبِرًا أَنَّ حَقَّ الشُّعوبِ في السِّيادَةِ وَاخْتِيارِ حُكّامِها مُقَدَّمٌ على كُلِّ اعْتِباراتٍ سِياسِيَّةٍ ظَرْفِيَّة.

وَلَئِنْ كانَتِ الإيدْيولوجِيّاتُ التَّقَدُّمِيَّةُ في نُسَخِها اللّيبيرالِيَّةِ وَاليَسارِيَّةِ قَدْ هَيْمَنَتْ على الحَياةِ السِّياسِيَّةِ في الغَرْبِ في القَرْنَيْنِ الماضِيَيْن، إِلَّا أَنَّ التَّيّارَ المُحافِظَ ظَلَّ قائِمًا، وَهُوَ اليَوْمَ يَسْتَعيدُ نُفوذَهُ مِنْ خِلالِ التَّرْكيزِ على مَوْضوعاتٍ لَها رَصيدٌ انْتِخابِيٌّ مُتَزايِدٌ مِثْلَ مَسائِلِ الهُوِيَّةِ وَالسِّيادَةِ وَالنِّظام، حَتّى لَوْ كانَ في الغالِبِ لا يَجْرُؤُ على التَّشْكيكِ في مَكاسِبِ الحَداثَةِ وَالتَّنْوير.

الثورة الرقمية تثبت "التوجّه الحاضري" وما تتأسّس عليه من زمنيّة لحظيّة تحكمها الأهواء بدل النشاط العقلي

الجَدَلُ الرّاهِنُ مَصْدَرُهُ الأَساسُ هُوَ ما نَبَّهَ إِلَيْهِ العَديدُ مِنَ المُفَكِّرينَ الغَرْبِيّينَ مِنْ ضَياعِ أُفُقِ التّاريخِيَّةِ الَّذي هُوَ مَدارُ التَّصَوُّراتِ التَّقَدُّمِيَّة - أَيِ الرِّهانُ على حَرَكَةِ التَّحَوُّلِ الإِيجابِيِّ لِلزَّمَن - وَطُغْيانِ ما أَطْلَقَ عَلَيْهِ المُؤَرِّخُ الفَرَنْسِيُّ فْرَانْسوا هارْتوغ (François Hartog) سِيادَةَ "النَّزْعَةِ الحاضِرِيَّة"، بِمَعْنى اخْتِفاءِ الماضي وَالمُسْتَقْبَلِ مَعًا، بِحَيْثُ أَصْبَحَ الحاضِرُ القائِمُ هُوَ الأُفُقُ الوَحيدُ لِلتَّجْرِبَةِ الإِنْسانِيَّة.

وَقَدْ نَبَّهَ كَثيرٌ مِنَ الكُتّابِ إِلَى أَنَّ الثَّوْرَةَ الرَّقْمِيَّةَ الاتِّصالِيَّةَ الحالِيَّةَ تُثْبِتُ هذَا التَّوَجُّهَ الحاضِرِيَّ مِنْ خِلالِ فِكْرَةِ الشَّبَكاتِ المُتَوازِنَة، وَما تَتَأَسَّسُ عَلَيْهِ مِنْ زَمَنِيَّةٍ لَحْظِيَّةٍ تَحْكُمُها المَشاعِرُ وَالأَهْواءُ بَدَلًا مِنَ النَّشاطِ العَقْلِيِّ التَّصَوُّرِيِّ الَّذي يَقْتَضي زَمَنِيَّةَ الانْتِظارِ وَالاسْتِشْراف.

هكَذا تَكونُ النَّزعاتُ المُحافِظَةُ رَدَّةَ فِعْلٍ على واقِعٍ لا يُمْكِنُ بِناءُ زَمَنٍ سِياسِيٍّ مُسْتَقِرٍّ على أَساسِه، في الوَقْتِ الَّذي لَمْ يَعُدْ لِلْمُسْتَقْبَلِ طاقَةٌ تَعْبيرِيَّةٌ دافِعَة، بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَتِ المُمارَسَةُ العِلْمِيَّةُ التِّقْنِيَّةُ مِنْ هَدَفِ تَحْريرِ الإِنْسانِ وَتَمْكينِهِ مِنَ السَّيْطَرَةِ على الطَّبيعَة، إِلَى خَطَرِ تَدْميرِ وُجودِهِ وَالالْتِفافِ على حُرِّيَّتِهِ وَسِيادَتِه.

في هذا الضَّياعِ القِيَمِيِّ وَالوُجودِيّ، يَميلُ الإِنْسانُ إِلَى التَّشَبُّثِ بِالماضي الذي هُوَ المَرْجِعُ الصَّلْبُ لِلْهُوِيَّةِ وَالتَّقْليدِ الثّابِت، وَيَتَخَوَّفُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ الذي لَمْ يَعُدْ لَهُ اتِّجاهٌ غائِيٌّ يُمْكِنُ الرِّهانُ عَلَيْه.

ديناميكية حركية التقدّم لا تزال الأفق الوحيد للتحرّر والتطوّر

بَيْدَ أَنَّ النَّزعاتِ المُحافِظَةَ يُمْكِنُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ أَنْ تَكونَ خَطَرًا على حُرِّيَّةِ الإِنْسانِ وَكَرامَتِهِ مِنْ خِلالِ إِعادَةِ الاعْتِبارِ لِلْقِيَمِ المَرْجِعِيَّةِ التي واجَهَها التَّنْويرُ الحَديث، وَفي مُقَدِّمَتِها فِكْرَةُ الهُوِيَّةِ المُغْلَقَةِ الَّتي هِيَ البابُ السّالِكُ لِلْعُنْصُرِيَّة، وَمَقولَةُ السِّيادَةِ الَّتي تُؤَدّي في دَلالَتِها الجَذْرِيَّةِ إلى تَغْليبِ مَنْطِقِ الهَيْمَنَةِ وَالتَّحَكُّمِ المُطْلَق.

وَهكَذا نَخْلُصُ إِلَى أَنَّهُ وَإِنْ كانَ مِنَ الضَّرورِيِّ مُراجَعَةُ وَتَصْحيحُ حَرَكِيَّةِ التَّقَدُّمِ الَّتي تَعَرَّضَتْ في العُقودِ الأَخيرَةِ إِلَى تَحَدِّياتٍ مُعَقَّدَةٍ عَديدَة، إِلَّا أَنَّ هذِهِ الدّيناميكيَّةَ لا تَزالُ الأُفُقَ الوَحيدَ لِلتَّحَرُّرِ وَالتَّطَوُّرِ الإيجابِيِّ لِلنَّوْعِ الإِنْسانِي.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن