تقدير موقف

مِنَ الثَّوْرَةِ إلى الدَّوْلَةِ الأَمْنِيَّة: إعادَةُ هَنْدَسَةِ الدّاخِلِ الإيراني!

بِانْتِهاءِ الحَرْبِ مَعَ العِراقِ عامَ 1988 دَخَلَتْ إيرانُ مَرْحَلَةً مُخْتَلِفَةً عَمّا تَوَقَّعَهُ الكَثيرون. اتَّجَهَ المَسارُ نَحْوَ تَنْظيمٍ أَشَدّ إِحْكامًا لِمَفاصِلِ الدَّوْلَة. التَّجْرِبَةُ الطَّويلَةُ في الخَنادِقِ غَيَّرَتْ بُنْيَةَ التَّفْكيرِ داخِلَ النِّظام؛ فالجُمْهورِيَّةُ التي واجَهَتْ حَرْبًا وُجودِيَّةً خَرَجَتْ بِقَناعَةٍ راسِخَةٍ أَنَّ الِاسْتِمْرارَ يَتَطَلَّبُ ضَبْطَ الدّاخِلِ بِقَدْرِ ما يَتَطَلَّبُ رَدْعَ الخارِج.

مِنَ الثَّوْرَةِ إلى الدَّوْلَةِ الأَمْنِيَّة: إعادَةُ هَنْدَسَةِ الدّاخِلِ الإيراني!

تَحَوَّلَ النِّظامُ الإيرانيُّ مِنْ مَشْروعٍ ثَوْرِيٍّ يَسْعى إلى تَثْبيتِ شَرْعِيَّتِه، إلى دَوْلَةٍ تَمْتَلِكُ خِبْرَةً أَمْنِيَّةً مُتَراكِمَةً وَأَدَواتٍ رَقابِيَّةً مُتَطَوِّرَة. لَمْ تَعُدْ أَوْلَوِيَّةُ المَرْحَلَةِ إِسْقاطَ خَصْمٍ خارِجِيٍّ أَوْ مُواجَهَةَ تَهْديدٍ عَسْكَرِيٍّ مُباشِر، بَل مَنْعَ تَشَكُّلِ تَهْديدٍ داخِلِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُعيدَ لَحْظَةَ الِانْفِجارِ الأولى.

تَثْبيتُ هَرَمِ السُّلْطَة: المُرْشِدُ فَوْقَ الجَميع

مَثَّلَتْ وَفاةُ الخُمَيْنِيّ عامَ 1989 اخْتِبارًا حَسّاسًا لِلنِّظام، لَكِنَّ التَّعْديلَ الدُّسْتورِيَّ في العامِ نَفْسِهِ أَعادَ تَنْظيمَ هَرَمِ السُّلْطَةِ وَرَسَّخَ مَرْكَزِيَّةَ القِيادَةِ ضِمْنَ إِطارٍ مُؤَسَّسِيٍّ واضِح.

أَصْبَحَ المُرْشِدُ الأَعْلى المَرْجِعِيَّةَ النِّهائِيَّةَ في القَضايا الِاسْتْراتيجِيَّة، بَيْنَما تَوَلّى رَئيسُ الجُمْهورِيَّةِ إِدارَةَ الشَّأْنِ التَّنْفيذِيِّ ضِمْنَ حُدودٍ مُحَدَّدَةٍ لا تَمَسُّ الِاتِّجاهَ العام. وَهَكَذا تَكَرَّسَتْ بُنْيَةٌ مُزْدَوِجَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ مُؤَسَّساتٍ مُنْتَخَبَةٍ تَمْنَحُ شَرْعِيَّةً شَعْبِيَّة، وَسُلْطَةٍ عُلْيا غَيْرِ مُنْتَخَبَةٍ تَضْبِطُ المَسارَ وَتُحافِظُ على الخَطِّ الإيدْيولوجِيّ.

مَجْلِسُ صِيانَةِ الدُّسْتور: بَوّابَةُ السِّياسَةِ المُغْلَقَة

شَكَّلَ مَجْلِسُ صِيانَةِ الدُّسْتورِ إِحْدى أَهَمِّ أَدَواتِ الضَّبْطِ في البُنْيَةِ الدّاخِلِيَّةِ لِلنِّظام؛ إِذْ لا تَقْتَصِرُ وَظيفَتُهُ على مُراجَعَةِ القَوانينِ وَمَدى تَوافُقِها مَعَ الدُّسْتورِ والشَّريعَة، بَل تَمْتَدُّ إلى الإِشْرافِ على الِانْتِخاباتِ عَبْرَ فَحْصِ أَهْلِيَّةِ المُرَشَّحينَ لِلرِّئاسَةِ والبَرْلَمان، وَقَبولِهِمْ أَوْ اسْتِبْعادِهِم، ما جَعَلَهُ بَوّابَةَ العُبورِ إلى المَجالِ السِّياسِي.

إدارة التنوّع والاحتقان من دون فتح الباب لتحوُّل جذري في موازين القوة

تَمُرُّ السِّياسَةُ في إيرانَ عَبْرَ آلِيَّةِ انْتِقاءٍ دَقيقَة؛ فالتَّعَدُّدِيَّةُ قائِمَةٌ ضِمْنَ إِطارٍ مُحَدَّد، والتَّنافُسُ الِانْتِخابِيُّ يَجْري داخِلَ حُدودٍ مَرْسومَةٍ سَلَفًا، وَهُوَ ما أَتاحَ لِلنِّظامِ إِدارَةَ التَّنَوُّعِ والِاحْتِقانِ مِنْ دونِ فَتْحِ البابِ لِتَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ في مَوازينِ القُوَّة.

وَحَتّى مَعَ بُروزِ التَّيّارِ الإِصْلاحِيِّ لاحِقًا، ظَلَّ التَّحَرُّكُ مَحْكومًا بِقَواعِدِ المُؤَسَّساتِ الرَّقابِيَّة، ما جَعَلَ التَّغْييرَ تَدْريجِيًّا وَمَحْسوبًا، لا قَطيعَةَ مَعَ البُنْيَةِ القائِمَة، في نَموذَجٍ يُوازِنُ بَيْنَ الحِراكِ السِّياسِيِّ وَثَباتِ الِاتِّجاهِ العام.

إِعادَةُ صِياغَةِ المُجْتَمَع: التَّعْليمُ والإِعْلامُ كَأَدَواتِ ضَبْط

مُنْذُ أَوائِلِ التِّسْعينِيّات، أُعيدَ تَشْكيلُ المَناهِجِ والخِطابِ الإِعْلامِيِّ لِتَرْسيخِ ثَلاثِ رَكائِز: شَرْعِيَّةِ الثَّوْرَةِ أَساسًا لِلنِّظام، وَمَرْكَزِيَّةِ الِاسْتِقْلالِ والسِّيادَةِ في الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّة، واسْتِحْضارٍ دائِمٍ لِتَهْديدٍ خارِجِيٍّ يُبَرِّرُ اليَقَظَة.

في هَذا الإِطار، تُقَدَّمُ الثَّوْرَةُ كَمَشْروعٍ مُسْتَمِرٍّ يُوَجِّهُ الحاضِرَ والمُسْتَقْبَل، وَيَنْشَأُ جيلُ ما بَعْدَ الحَرْبِ على اعْتِبارِ الجُمْهورِيَّةِ خِيارًا وُجودِيًّا مُرْتَبِطًا بِالكَرامَةِ الوَطَنِيَّة. وَقَدْ لَعِبَ الإِعْلامُ الرَّسْمِيُّ دَوْرًا حاسِمًا في تَثْبيتِ هَذِهِ السَّرْدِيَّة، عَبْرَ الحِفاظِ على صورَةٍ مُتَماسِكَةٍ لِلنِّظامِ وَضَبْطِ النِّقاشِ العامِّ بِما يَحُدُّ مِنْ بُروزِ رِواياتٍ بَديلَة.

الِاقْتِصادُ تَحْتَ المُراقَبَة: شَبَكَةُ النُّفوذِ المُتَشابِكَة

مَعَ انْطِلاقِ مَرْحَلَةِ إِعادَةِ الإِعْمارِ بَرَزَتْ شَبَكاتٌ اقْتِصادِيَّةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَة، وَفي مُقَدِّمَتِها الحَرَسُ الثَّوْرِيُّ الذي تَوَسَّعَ في قِطاعاتِ البِناءِ والطّاقَةِ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ حَتّى غَدا فاعِلًا اقْتِصادِيًّا وازِنًا. هَذَا التَّداخُلُ بَيْنَ الأَمْنِيِّ والِاقْتِصادِيِّ أَوْجَدَ بُنْيَةَ مَصالِحَ مُتَشابِكَةً يَتَقاطَعُ فيها النُّفوذُ السِّياسِيُّ مَعَ العائِدِ المالِيّ، ما رَسَّخَ مَوْقِعَ المُؤَسَّسَةِ في مُعادَلَةِ الحُكْم.

يُدَعّم الولاء بالمصالح ويُعاد إنتاج الاستقرار عبر تداخُل القوة بالنفوذ الاقتصادي

وَتَكَوَّنَتْ تَدْريجِيًّا طَبَقَةُ مَصالِحَ مُرْتَبِطَةٌ بِاسْتِمْرارِ النِّظام، فَلَمْ يَعُدِ الدِّفاعُ عَنْهُ قائِمًا على القَناعَةِ الإيدْيولوجِيَّةِ وَحْدَها، بَل أَيْضًا على شَبَكَةٍ مِنَ المَنافِع، في تَجَلٍّ لِسِمَةِ الدَّوْلَةِ الأَمْنِيَّةِ الحَديثَةِ حَيْثُ يُدَعَّمُ الوَلاءُ بِالمَصالِحِ وَيُعادُ إِنْتاجُ الِاسْتِقْرارِ عَبْرَ تَداخُلِ القُوَّةِ بِالنُّفوذِ الِاقْتِصادِي.

السِّياسَةُ بَيْنَ المُحَافِظينَ والإِصْلاحِيّين: صِراعٌ تَحْتَ السَّقْف

شَهِدَتْ مَرْحَلَةُ التِّسْعينِيّاتِ تَبَلْوُرَ تَبايُناتٍ داخِلَ النُّخْبَةِ الحاكِمَة؛ تَيّارٌ يَدْفَعُ نَحْوَ انْفِتاحٍ مَحْسوبٍ على الخارِجِ وَإِصْلاحٍ تَدْريجِيٍّ في الدّاخِل، وَآخَرُ يُفَضِّلُ التَّشَدُّدَ والحَذَر. غَيْرَ أَنَّ الخِلافَ دارَ حَوْلَ أَساليبِ الإِدارَة، لا حَوْلَ هُوِيَّةِ النِّظامِ أَوْ أُسُسِه.

حَتّى الإِصْلاحِيّونَ تَحَرَّكوا ضِمْنَ خُطوطٍ ثابِتَةٍ لا تُمَسّ، مِثْلَ وِلايَةِ الفَقيهِ وَدَوْرِ المُؤَسَّساتِ الأَمْنِيَّةِ وَثَوابِتِ السِّياسَةِ الخارِجِيَّة، فَظَلَّ التَّنافُسُ داخِلَ الإِطارِ دونَ مُراجَعَةٍ جَذْرِيَّة.

كُلّما تعزّزت آليات المراقبة اتّسعت المسافة بين الدولة وبعض شرائح المجتمع

بِهَذا تَكَرَّسَتْ مُعادَلَةٌ دَقيقَة: مِساحَةُ تَنَوُّعٍ تَسْمَحُ بِتَجْديدِ النُّخْبَةِ وامْتِصاصِ الضُّغوط، وَسَقْفٌ ثابِتٌ يَمْنَعُ المَساسَ بِالرَّكائِزِ الأَساسِيَّة. تَنافُسٌ مَضْبوطٌ يُنْعِشُ النِّظامَ مِنَ الدّاخِل، مِنْ دونِ أَنْ يَفْتَحَ البابَ لِتَحَوُّلٍ يُغَيِّرُ جَوْهَرَه.

الدَّوْلَةُ التي تَعَلَّمَتِ الخَوْفَ

أَبْرَزُ ما خَرَجَتْ بِهِ الجُمْهورِيَّةُ مِنْ عَقْدِها الأَوَّل، إِدْراكٌ عَميقٌ بِأَنَّ التَّهْديدَ قَدْ يَتَشَكَّلُ في الدّاخِل. على هَذا الأَساسِ بُنِيَتْ مَنْظومَةٌ رَقابِيَّةٌ سِياسِيَّةٌ وَأَمْنِيَّةٌ قادِرَةٌ على الرَّصْدِ المُبَكِّرِ والتَّدَخُّلِ السَّريعِ واحْتِواءِ الِاحْتِجاجاتِ قَبْلَ اتِّساعِها، مَعَ أَدَواتٍ لِإِعادَةِ ضَبْطِ المَجالِ العامِّ كُلَّما بَدا خارِجَ السَّيْطَرَة.

غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ على الضَّبْطِ تُوَلِّدُ تَوَتُّرًا مُسْتَمِرًّا؛ فَكُلَّما تَعَزَّزَتْ آلِيّاتُ المُراقَبَة، اتَّسَعَتِ المَسافَةُ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَبَعْضِ شَرائِحِ المُجْتَمَع، وَلا سِيَّما الأَجْيالُ التي لَمْ تَعِشْ تَجْرِبَةَ الثَّوْرَةِ أَوِ الحَرْبِ وَتَنْظُرُ إلى الواقِعِ مِنْ زاوِيَةٍ مُخْتَلِفَة. هُنا يَتَشَكَّلُ تَحَدٍّ بُنْيَوِيٌّ: الحِفاظُ على الِاسْتِقْرارِ مِنْ دونِ تَعْميقِ فَجْوَةِ الثِّقَة، وَضَبْطُ المَجالِ العامِّ مِنْ دونِ تَحْويلِهِ إلى مَساحَةِ احْتِقانٍ مُؤَجَّل.

أصبح التحدي إعادة تعريف موقع إيران إقليميًا ودوليًا

بِحُلولِ مَطْلَعِ الأَلفِيَّة، نَجَحَتْ إيرانُ في تَرْسيخِ تَماسُكِها المُؤَسَّسِيِّ وَإِحْكامِ السَّيْطَرَةِ على المَجالِ السِّياسِيّ، مَدْعومَةً بِمَنْظومَةٍ أَمْنِيَّةٍ فَعّالَة. غَيْرَ أَنَّ هَذا الِاسْتِقْرارَ الدّاخِلِيَّ تَزامَنَ مَعَ شُعورٍ مُتَصاعِدٍ بِالحِصارِ في بيئَةٍ إِقْليمِيَّةٍ وَدَوْلِيَّةٍ مُضْطَرِبَة.

وَمِنْ هُنا بَرَزَ التَّحَدّي الِاسْتْراتيجِيّ: بَعْدَ تَنْظيمِ الدّاخِل، كَيْفَ تُدارُ السِّياسَةُ الخارِجِيَّة؟ وَكَيْفَ تَتَعامَلُ الجُمْهورِيَّةُ مَعَ إِقْليمٍ مُتَقَلِّبٍ وَبَرْنامَجٍ نَوَوِيٍّ يَضَعُها في مُواجَهَةٍ دَوْلِيَّة؟ وَهَكَذا انْتَقَلَ ثِقْلُ الأَمْنِ مِنَ الدّاخِلِ إلى الخارِج، وَأَصْبَحَ التَّحَدّي إِعادَةَ تَعْريفِ مَوْقِعِ إيرانَ إِقْليمِيًّا وَدَوْلِيًّا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن