بصمات

الدّيموقْراطِيَّةُ المُسَلَّحَة!

ثَمَّةَ تَصَوُّراتٌ نَظَرِيَّةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ الدّيموقْراطِيَّةِ والسَّلام، تَزْعُمُ أَنَّ الحُرِّيَّةَ تُمَثِّلُ قَيْدًا على الحَرْب، لِأَنَّ الشُّعوبَ تَميلُ بِطَبيعَتِها إلى السَّلامِ عَكْسَ الحُكّامِ الَّذينَ يَميلونَ إلى الدُّخولِ في صِراعاتٍ مُسَلَّحَةٍ بَحْثًا عَنْ مَصالِحَ شَخْصِيَّة. فَحَسَبَ "هيرودوت"، لا يوجَدُ إِنْسانٌ لَدَيْهِ أَدْنى قَدْرٍ مِنَ العَقْلِ يُفَضِّلُ الحَرْبَ على السَّلام. وَحَسَبَ "إيمانويل كانط" فَإِنَّ: المواطِنينَ الأَحْرارَ أَكْثَرُ حَذَرًا مِنَ الحَرْبِ لِأَنَّهُمْ مَنْ يَدْفَعونَ ثَمَنَها.

الدّيموقْراطِيَّةُ المُسَلَّحَة!

يَسْتَنِدُ هَذا التَّصَوُّرُ إلى خَلْفِيَّةٍ إيدْيولوجِيَّةٍ تَرْجِعُ إلى حِقْبَةِ الحَرْبِ البارِدَة، فَالكُتْلَةُ الشُّيوعِيَّةُ كانَتْ تُصَوَّرُ على أَنَّها وَحْشٌ كامِنٌ يَنْتَظِرُ الفُرْصَةَ لِلعُدْوان، وَأَنَّ عُدْوانِيَّتَها تَعودُ بِالأَساسِ إلى طابِعِها غَيْرِ الدّيموقْراطِيّ، أَمّا العالَمُ الغَرْبِيُّ الذي أَسْمى نَفْسَهُ "العالَمَ الحُرَّ" فَكانَ يُدافِعُ عَنِ السَّلام، بِقَدْرِ ما يُدافِعُ عَنْ حَقِّ مواطِنيهِ في حُرِّيَّةِ التَّعْبير. كَما يَسْتَنِدُ إلى المِثالِ الذي جَسَّدَتْهُ أوروبا في أَعْقابِ الْحَرْبِ الْبارِدَة، حَيْثُ تَخَلَّصَتْ جُلُّ دُوَلِها مِنْ أَسْرِ التَّحالُفَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ المُعْتادَةِ بَعْدَ أَنْ صارَتْ موزَّعَةً على مُجْتَمَعاتٍ ديموقْراطِيَّةٍ غَرْبًا، وَشِبْهِ ديموقْراطِيَّةٍ شَرْقًا، تَسْتَطيعُ مُمارَسَةَ الاخْتِلافِ مِنْ دونِ اللُّجوءِ إلى اسْتِخْدامِ القُوَّة، الأَمْرُ الذي يَجْعَلُها تَعيشُ في جَنَّةٍ مِنَ السِّلْمِ حَسَبَما ذَهَبَ المُفَكِّرُ الأَميركِيُّ روبرت كاغان (Robert Kagan).

النازي وظّف الديموقراطية في استعادة الرايخ الثالث

هَذا التَّصَوُّرُ النَّظَرِيّ، يَظَلُّ اخْتِزالِيًّا في اعْتِقادِنا، إِنْ لَمْ يَكُنْ خاطِئًا تَمامًا؛ فَالدّيموقْراطِيَّةُ قَدْ تَكْفَلُ تَحْييدَ النَّزْعَةِ العَسْكَرِيَّةِ المُتَطَرِّفَة، لَكِنَّها لا تَسْتَطيعُ نَفْيَ فِكْرَةِ الحَرْب، فَالشُّعوبُ الحُرَّةُ نَفْسُها تُقْبِلُ على الحَرْبِ وَتَقْبَلُ بِتَضْحِياتِها إِذا ما شَعَرَتْ بِأَنَّ تَهْديداتِ الآخَرينَ لَها تَتَفَوَّقُ على مَخاطِرِ الحَرْبِ نَفْسِها. وَلَعَلَّ التّاريخَ الحَقيقِيَّ يُكَذِّبُ هَذا التَّصَوُّر، فَقَدْ نَشَبَتِ الحَرْبُ الإِنْجليزِيَّةُ ـ الأَميركِيَّةُ عامَ 1812 بَيْنَ الدّيموقْراطِيَّتَيْنِ الوَحيدَتَيْنِ في العالَمِ آنَذاك، والهِنْدُ الدّيموقْراطِيَّةُ هي التي هاجَمَتْ باكِسْتانَ عامَ 1971.

كَما أَنَّ الحَرْبَ الْعالَمِيَّةَ الأولى شَنَّتْها بُلْدانٌ ديموقْراطِيَّة، إِذْ لَمْ تَكُنْ أَلمانْيا أَقَلَّ ديموقْراطِيَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنْ إِنْجِلترا وَفَرَنْسا. وَإِذا كانَتْ هاتانِ الدّيموقْراطِيَّتانِ الأَخيرَتانِ قَدِ احْتَلَّتا مَوْقِعَ المَفْعولِ بِهِ في مواجَهَةِ النازِيِّ في الحَرْبِ الثّانِيَة، فَسُرعانَ ما لَعِبَتا دَوْرَ الفَاعِلِ مَعَ إِسْرائيلَ بِالقَطْع، في العُدْوانِ الثُّلاثِيِّ على مِصْرَ عامَ 1956. بَل إِنَّ حُضورَ الدّيموقْراطِيَّةِ في ظِلِّ وُجودِ مَظالِمَ تاريخِيَّةٍ لِلأُمَّةِ قَدْ يَدْفَعُ بِالنُّخَبِ الفاشِيَّةِ إلى السُّلْطَةِ فَتَكونُ هي مُشْعِلَ الحَرْبِ وَوَقودَها كالنازِيِّ الذي وَظَّفَ الدّيموقْراطِيَّةَ في القَضاءِ على جُمْهورِيَّةِ فايْمار (Weimar)، واسْتِعادَةِ الرّايْخِ الثّالِث، عَبْرَ التَّلاعُبِ بِالمَشاعِرِ القَوْمِيَّةِ واسْتِغْلالِ الحالَةِ النَّفْسِيَّةِ والثَّقافيةِ التي رافَقَتِ الهَزيمَةَ العَسْكَرِيَّةَ في الحَرْبِ الأولى، والهَزيمَةَ السِّياسِيَّةَ التي قَنَّنَتْها مُعاهَدَةُ فِرْسايْ بِما شابَها مِنْ ظُلْم.

عوامل وسيطة في العلاقة بين الديموقراطية والسلام على رأسها مفهوم العدالة الدولية

وَفي المُقابِل، قَدْ يَكونُ غِيابُ الدّيموقْراطِيَّةِ مانِعًا لِلحَرْب، فَالدّيكتاتورُ لَيْسَ دائِمًا ثَوْرِيًّا مُنْدَفِعًا، يَسْتَسْهِلُ قَرارَ الحَرْبِ وَيَفْرِضُهُ على الشَّعْبِ كَصَدّام حُسَيْن، مَثَلًا، بَل يَكونُ أَحْيانًا هُوَ الرَّجُلُ المُحافِظُ الذي يَحولُ دونَ حَرْبٍ يُريدُها شَعْبُهُ لِاسْتِعادَةِ أَرْضِه، كالجولانِ في ظِلِّ حُكْمِ الأَسَدِ الأَبِ والِابْن، اللَّذَيْنِ قَدَّما هَدَفَ الاسْتِقْرارِ السِّياسِيِّ على الاسْتِقْلالِ الوَطَنِيّ. وَيُقَدِّمُ الجِنِرالُ فْرانْكو دَليلًا إِضَافِيًّا، إِذْ لَمْ يُجارِ النّازِيَّ والفاشِيَّ في سُلوكِهِما العُدْوانِيِّ قُبَيْلَ الحَرْبِ الثّانِيَة، على الرَّغْمِ مِنْ مُحاوَلَتِهِما جَرَّ إِسْبانْيا إلى بَلَدَيْهِما. وَهُناكَ نُظُمٌ ديكتاتورِيَّةٌ عَديدَةٌ في أَفْريقِيا وَآسْيا وَأَميركا اللاتينِيَّةِ اسْتَمَرَّتْ مُسالِمَةً إِزاءَ الخارِجِ على الرَّغْمِ مِمّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ أَهْوالٍ في الدّاخِل، لِأَنَّ الشّاغِلَ الرَّئِيسِيَّ لِكُلِّ ديكتاتورٍ هُوَ المُعارِضونَ لِنِظامِ حُكْمِه، وَهُنا يَحْتَلُّ الصِّراعُ مَعَ العَدُوِّ الخارِجِيِّ أَوْلَوِيَّةً مُتَأَخِّرَة، وَإِنْ جَرى اسْتِخْدامُهُ لِلتَّغْطِيَةِ على المُشْكِلاتِ الدّاخِلِيَّة.

هَكَذا نَخْلُصُ إلى أَنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ بِالضَّرورَةِ مِنْ صُنْعِ الدّيكتاتورِيّات، كَما أَنَّ السَّلامَ لا يُمَثِّلُ بِالضَّرورَةِ خِيارَ الدّيموقْراطِيّات، وَأَنَّ ثَمَّةَ عَوامِلَ وَسيطَةً في العَلاقَةِ بَيْنَ الدّيموقْراطِيَّةِ والسَّلام، يَأْتي على رَأْسِها مَفْهومُ العَدالَةِ الدَّوْلِيَّة، فَحَيْثُما اخْتَفى الظُّلْمُ وَتَأَكَّدَتِ المُساواة، يَكونُ العالَمُ أَقْرَبَ إلى السَّلامِ وَأَبْعَدَ عَنِ الحَرْب، والعَكْسُ صَحيح.

الديموقراطية الأكبر في العالم استخدمت ضد اليابان القنبلة الذرية

وَهُنا مَرْبِطُ الفَرَسِ في الحَرْبِ الجارِيَةِ ضِدَّ إِيرانَ مِنْ قِبَلِ إِسْرائيلَ والوِلاياتِ المُتَّحِدَة. فَإِسْرائيل، التي كَثيرًا ما تُصَوَّرُ على أَنَّها الدّيموقْراطِيَّةُ الوَحيدَةُ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، هي التي بَدَأَتْ كُلَّ حُروبِها ضِدَّ العَرَبِ مُنْذُ 1948، اللَّهُمَّ سِوى حَرْبِ 1973، وَهي التي تَتَحَرَّشُ بِإيرانَ لِأَسْبابٍ تَخُصُّ طُموحاتِها في الهَيْمَنَةِ على مُقَدَّراتِ المِنْطَقَة. أَمّا عَنِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، الدّيموقْراطِيَّةِ الأَكْبَرِ في الْعالَم، فَحَدِّثْ وَلا حَرَج، إِذْ طالَ عُدْوانُها في العُقودِ الثَّمانِيَةِ الأَخيرَةِ فَقَط: اليابانُ التي اسْتُخْدِمَتْ ضِدَّها القُنْبُلَةُ الذَّرِّيَّة، لِلمَرَّةِ الأولى والأَخيرَة. وَفيتْنامُ التي ظَلَّتْ تُهاجِمُها لِخَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، والعِراقُ الذي غَزَتْهُ مَرَّتَيْنِ بِدَوافِعَ مُخْتَلِفَة، ناهيكَ عَنْ تَدْبيرِها عَشَراتِ الانْقِلاباتِ السِّياسِيَّة، أَحَدُها كانَ لِصالِحِ الشّاهِ ضِدَّ مُصَدِّق عِنْدَما قامَ بِتَأْميمِ بِتْرولِ إيران، التي عادَتْ لِتُعْلِنَ الحَرْبَ عَلَيْها مَرَّتَيْنِ في أَقَلَّ مِنْ ثَمانِيَةِ أَشْهُر، دونَما سَبَبٍ حَقيقِيّ، إِلّا الرَّغْبَةَ العَبَثِيَّةَ في مُمارَسَةِ القُوَّة، المَدْفوعَةَ بِفَسادِ النُّخْبَةِ السِّياسِيَّة، وَإِغْواءِ المَسيحِيَّةِ الصُّهْيونِيَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن