على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّني شَخْصِيًّا لَيْسَ لَدَيَّ أَيُّ أَوْهامٍ إِزاءَ نِظامِ الحُكْمِ الإيرانِيّ، كَوْنَهُ ثِيوقْراطِيًّا يُعانِدُ حَرَكَةَ الزَّمَن، فَإِنَّني في الوَقْتِ نَفْسِهِ أَرْفُضُ انْسِياقَ العَرَبِ خَلْفَ أَيِّ مُحاوَلَةٍ لِتَغْييرِهِ مِنْ خارِجِه، فَالضَّغْطُ عَلَيْهِ يَزيدُ مِنْ شَرْعِيَّتِه، وَحِصارُهُ يُديمُ بَقاءَه، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الخِيارَ العَقْلانِيَّ يَتَمَثَّلُ في تَطْويعِه، عَبْرَ الحِوارِ مَعَه، وَهُوَ ما نُبَرِّرُهُ بِدَوافِعَ ثَلاثَةٍ أَساسِيَّة:
أَوَّلُها نَفْسِيٌّ، فَالأُمَّةُ المُحاصَرَةُ كالشَّخْصِ المُحاصَر، كِلاهُما يَميلُ إلى التَّطَرُّفِ في إِبْرازِ المُكَوِّناتِ الصَّلْدَةِ لِهُوِيَّتِه، حَيْثُ يَبْزُغُ التَّدَيُّنُ المُتَزَمِّتُ لَدى الشَّخْص، وَتَنْمو الأَفْكارُ الشّوفينِيَّةُ لَدى الأُمَّة، كَيْ تُبْقِيَ على مَشاعِرِ الثِّقَةِ بِالذّات، وَعلى حالِ الِاحْتِشادِ لَدى جَماهيرَ تَحْتاجُ إلى تَبْريرٍ لِوَطْأَةِ الشُّعورِ بِالعُزْلَة، يَتَعَيَّنُ على النُّخَبِ تَقْديمُه، في صورَةِ أَفْكارٍ مِثالِيَّةٍ وَميتافيزِيقِيَّة، وَأَحْيانًا في صورَةِ مَقولاتٍ اسْتِعْلائِيَّةٍ وَعُنْصُرِيَّة.
موقف إيران الاستراتيجي كـ"فاعل شبح" كان أحد أكثر عناصر تفوّقها السياسي
وَلَيْسَ بَعيدًا عَنْ هَذا الفَهْمِ اسْتِخْدامُ مُصْطَلَحِ الشَّيْطانِ الأَعْظَمِ لِوَصْفِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، بِاعْتِبارِها مُسْتَوْدَعَ الشَّرِّ المُطْلَقِ قِياسًا إلى الذّاتِ الإيرانِيَّةِ المُشْبَعَةِ بِروحِ الخَيْرِيَّةِ المُطْلَقَة، في مُحاوَلَةٍ لِاجْتِرارِ الصِّراعِ المانَوِيِّ الكامِنِ في قَلْبِ الثَّقافَةِ الفارِسِيَّةِ وَمَوْروثِها الدّينِيِّ الزَّرادِشْتِيّ، والذي يُؤَسِّسُ لِتَناقُضٍ وُجودِيٍّ بَيْنَ إِلَهِ الخَيْرِ "أُهورا مازْدا" وَإِلَهِ الشَّرِّ "أَهْريمان". أَمّا في مُواجَهَةِ العالَمِ العَرَبِيّ، الشَّريكِ العَقْدِيِّ في الإِسْلام، والرَّفيقِ التّاريخِيِّ في حَضارَةِ الشَّرْقِ الأَدْنى، فَيَصْعُبُ ادِّعاءُ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّرِّ المُطْلَق، والخَيْرِ المُطْلَق، وَمِنْ ثَمَّ يَجْري التَّعْويلُ على التَّمايُزِ المَذْهَبِيّ، بِإِعْطائِهِ نَكْهَةً مَلْحَمِيَّةً تَتَغَذّى مِمّا يَعْتَبِرُهُ الوِجْدانُ الشّيعِيُّ "روحًا اسْتِشْهادِيَّةً وَمَظْلومِيَّةً تاريخِيَّة".
وَثانيها اسْتْراتيجِيّ، فَإيرانُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نُقْطَةِ تَماسٍ مَعَ الخَليج، بَل مُكَوِّنٌ أَساسِيٌّ في نَسيجِه، وَلِذا تَظَلُّ عَلاقَتُها بِدُوَلِهِ إِشْكالِيَّةً مُتَجَدِّدَةً تَبْحَثُ عَنْ حَلٍّ دائِم، لا يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ عَبْرَ السِّلاح. والمُشْكِلَةُ أَنَّ عَدَمَ انْضِوائِها في أَيِّ إِطارٍ إِقْليمِيّ، يَجْعَلُها أَقْرَبَ إلى "فاعِلٍ شَبَحٍ" يَطْرَحُ تَأْثيراتِهِ مِنْ داخِلِ فَضاءٍ مُظْلِم، ما يَمْنَحُها فُرْصَةَ التَّخَفّي وَيُعْفيها مِنْ عِبْءِ الحِساب. فَمِنْ ناحِيَةٍ هِيَ قُوَّةٌ مَوْجودَةٌ في ثَنايا الإِقْليم، فاعِلَةٌ في كُلِّ أَزَماتِه، لكن مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى، يَصْعُبُ حِسابُها لِأَنَّها غَيْرُ مَحْكومَةٍ بِنَسَقٍ ذي قَواعِدَ يُتيحُ مُساءَلَتَها، وَيُحَمِّلُها مَسْؤولِيَّةَ أَفْعالِها غَيْرِ الرَّشيدَة، وَيُرَتِّبُ أَثْمانًا يَتَوَجَّبُ عَلَيْها أَنْ تَدْفَعَها مِنْ مَنْسوبِ الثِّقَةِ بِها، على الأَقَلِّ بِما يُثيرُ خَطَرَ حِرْمانِها مِنْ نَسيجِ العَلاقاتِ الوُدِّيَّةِ الذي يُحيطُ بِها. وَهُنا يُمْكِنُ سَرْدُ عَشَراتِ الحُجَجِ التي تُؤَكِّدُ على أَنَّ المَوْقِفَ الِاسْتْراتيجِيَّ الذي تَمَتَّعَتْ بِهِ إيرانُ كَـ"فاعِلٍ شَبَح" طيلَةَ العُقودِ الأَرْبَعَةِ الماضِيَة، كانَ أَحَدَ أَكْثَرِ عَناصِرِ تَفَوُّقِها السِّياسِيِّ على حِسابِ العالَمِ العَرَبِيّ.
وَثالِثُها تاريخِيٌّ، يَنْطَلِقُ مِنْ حاجَةِ المُجْتَمَعِ الإيرانِيِّ الماسَّة، خُصوصًا الأَجْيال الجَديدَة مِنْه، لِلِانْفِتاحِ على العالَم. لَقَدْ عاشَ نِظامُ الجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ لِأَرْبَعَةِ عُقودٍ وَنِصْفٍ على قاعِدَةِ المَذْهَبِ الإِمامِيِّ الإِثْنَيْ عَشْرِيّ، بِإِلهامٍ مِنْ نَزْعَةٍ "مَهْدَوِيَّةٍ" شَكَّلَتْ نِظامًا خَلاصِيًّا، طالَما ادَّعى القَداسَةَ الدّينِيَّةَ لِتَأْميمِ السِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّة، وَمَنَعَ التَّنَوُّعَ البَشَرِيَّ الطَّبيعِيَّ مِنْ أَنْ يَعْكِسَ نَفْسَهُ وَيُمارِسَ حُضورَهُ العَمَلِيّ، بِاعْتِبارِ أَنَّ تِلْكَ النَّزْعَةَ "المَهْدَوِيَّةَ" هِيَ فِعْلُ اللهِ الفاضِلُ في التّاريخ، الذي يَتَوَجَّبُ على كُلِّ فِعْلٍ إِنْسانِيٍّ أَنْ يُذْعِنَ لَهُ وَيَحْتَشِدَ خَلْفَه!.
النظام الإيراني ينمو على العزلة ويقوى بالحصار والأغلب أن تنزع الأجيال الإيرانية الجديدة إلى الخلاص
لَكِنَّ التّاريخَ وَشى لَنا مِرارًا، وَلا يَزالُ يَشي، بِأَنَّ الأَفْكارَ ذاتَ المَنْزَعِ اليوتوبِيِّ لَمْ تَكُنْ أَبَدًا فاعِلَةً في حَرَكَةِ سَيْرِه، وَأَنَّ كُلَّ مُحاوَلاتِ الخَلاصِ خارِجَ قَوانينِهِ لَمْ تُشَكِّل سِوى هَوامِشَ نَحيفَةٍ وَمُؤَقَّتَةٍ على مَتْنِه. يَهْمِسُ التّاريخُ في أُذُنِ "الوَلِيِّ الفَقيهِ" بِهَذِهِ الحَقيقَة، فَإِنْ لَمْ يُصْغِ السَّمْعَ إِلَيْه، وَيَفْتَحْ صَدْرَهُ لِحِكْمَتِه، فَالأَغْلَبُ أَنَّ التّاريخَ يَصْرُخُ في وَجْهِهِ لِيُسْمِعَ الجَميعَ في أَرْجاءِ البَرِّيَّةِ الإيرانِيَّة. وَعِنْدَئِذٍ تُطْرَحُ الأَسْئِلَةُ الكُبْرى والجَذْرِيَّةُ حَوْلَ المَرْجِعِيَّةِ الدّينِيَّة، على مِنْوالِ ما جَرى مِرارًا مُنْذُ انْتِخاباتِ 2009، وَقُبَيْلَ العُدْوانِ الأَميرْكِيِّ - الصُّهْيونِيِّ الأَخير.
نَعَمْ جَرى قَمْعُ حَرَكَةِ الإيرانيينَ الِاحْتِجاجِيَّةِ مِرارًا وَتَكْرارًا، لَكِنَّ أَسْئِلَتَها لَمْ تَمُت، بَلْ تَجَدَّدَتْ وَسَتَتَجَدَّدُ مَعَ قُدْرَةٍ أَكْبَرَ على التَّحَدّي. فَالنِّظامُ الإيرانِيّ، كَكُلِّ نِظامٍ مُغْلَقٍ، يَنْمو على العُزْلَة، وَيَقْوى بِالحِصار، فَما إِنْ تَنْتَهي العُزْلَة، وَيَتَفَكَّكِ الحِصار، سَرْعانَ ما تَتَحَوَّلُ الأَسْئِلَةُ إلى مُساءَلَة، تَقودُ في النِّهايَةِ إلى تَحْقيقِ المَطالِبِ المَشْروعَةِ لِشَعْبٍ عَريقٍ فِعْلًا، لَهُ الحَقُّ في تَقْريرِ مُسْتَقْبَلِهِ والسَّيْطَرَةِ على مَصيرِه.. والأَغْلَبُ أَنْ تَنْزِعَ الأَجْيالُ الإيرانِيَّةُ الجَديدَةُ إلى الخَلاصِ لِتَأْخُذَ حاضِرَها بِيَدِها وَتَصْنَعَ مُسْتَقْبَلَها على أَعْيُنِها.
(خاص "عروبة 22")

