يُـطْـلِـعُـنـا العَـمَـلُ التّـاريـخِيُّ النَّـقْـدِيُّ عَـنِ الحَـداثَـة، الذي وَضَعَـهُ الفَـيْـلَـسوفُ الألْـمـانِـيُّ يـورْغِـنْ هـابِـرماس (الخِطـابُ الـفَـلْسَـفِيُّ لِلحَـداثَـة)، على حَـقيـقَـةٍ فِـكْـرِيَّـةٍ ذَهَـلَ عَـنْـهـا المَـهْـووسـونَ بِـفِـكْرَةِ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـةِ في الغَـرْب (وَتَـلامِـذَتُـهُـمْ في البِـلادِ العَـرَبِـيَّـةِ اسْتِـطْـرادًا)، مَـفـادُهـا أَنَّ مَـوْجَـةَ مـا يُسَـمّـى مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـةِ جُـزْءٌ لا يَـنْـفَـصِـمُ مِـنْ تُـراثِ الحَـداثَـة، وَأَنَّـها لَيْسَتْ تَـقْـبَـلُ الـقِـراءَةَ مِـنْ خـارِجِ هَـذِهِ الـقاعِـدَة.
بَـيـانُ ذَلِك، عِـنْـدَ هـابِـرمـاس، أَنَّ الأُطُـرَ المَـعْـرِفِـيَّـةَ المَـرْجِـعِيَّـةَ لِلحَـداثَـةِ هِـيَ عَـيْـنُـهـا التي تُـفَـسِّـرُ مُعْـطَـياتِ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـة؛ هَـذِهِ التي لا تَـخْـرُجُ عَـنْ دائِـرَةِ الإِوالـيّـاتِ الفَـلْسَـفِـيَّـةِ التّـأسـيـسيَّـةِ لِلحَـداثَـةِ ولا تُـفْـهَـمُ إلّا فـي ضَـوْءِ مُـقَـدِّمـاتِـها النَّـظَـرِيَّـة. يُـسْـتَـفـادُ مِـنْ هَـذا - في وَجْـهٍ رَئـيـسٍ مِـنْـهُ - أنّ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـةِ لا تَـتَـحَـدَّدُ بِـوَصْـفِـهـا قَـطـيـعَـةً مَـعَ الحَـداثَـة، وَإِنَّـمـا هِـيَ تُـمَـثِّـلُ اسْتِـمْرارِيَّـةً لَـهـا فـي لَحْـظَـةٍ مَـعْـرِفِـيَّـةٍ جَـديـدَةٍ تَـخْـتَـلِفُ عَـمّـا قَـبْـلَهـا في المَـلامِـحِ وَالقِـسْـمـاتِ وَبَـعْـضٍ كَـبـيـرٍ مِـنَ المُـفْـرَدات، لَـكِـنَّـهـا تَـظَـلُّ تَـحْـمِـلُ فـيـها "الجـيـنـاتِ الفِـكْـرِيَّـةَ" عَيْـنَـها المَـوْروثَـةَ عَـنْ نِـظـامِ الحَـداثَـة.
النزعة النقدية هي نفسها من منتجات الحـداثة ومكتسباتها
بِـمـاذا تَـتَـمَـيَّـزُ هَـذِهِ اللَّـحْـظَـةُ الـفِـكْرِيَّـةُ (المُـسَمّـاةُ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـة) في المَـعْـرِفَـةِ المُـعـاصِـرَةِ مِـنْ سِـواهـا مِـنَ اللَّحَـظاتِ الفِـكْـرِيَّـةِ لِلحَـداثَـة؟ الحَـداثَـة؟.
أَهَـمُّ سِـمـاتِ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـةِ وَأَظْـهَـرُهـا على الإِطْـلاقِ روحُ النَّـقْـدِ التي تَـسْـري فـي نُـصوصِـهـا. بَـدَت، دائِـمًـا، نَـقْـدِيَّـةً تَـهْـدِمُ مـا قَـبْلَـها حَتّى أَنَّـهـا أَوْحَـتْ - مِـنْ خِـلالِ تِلْكَ الجُـرْعـاتِ العالِيَـةِ مِـنَ النَّـقْـدِ فـيهـا - وَكَـأَنَّـهـا تَـطْـوي صَـفْحَـةَ الحَـداثَـةِ وتُـقَـوِّضُ أُسُـسَـها الفَـلْسَـفِـيَّـةَ وَالمَعْـرِفِـيَّـةَ لِـتُـؤَسِّـسَ أُخْـرى. أَمّـا الذيـن انْـسـاقـوا إلى قِـراءَةِ تِلْكَ النَّـقْـدِيَّـةِ الحـادَّةِ فـيها بِـوَصْـفِـهـا دَليـلَ قَـطيـعَـةٍ وَمُـفـاصَـلَةٍ فَـتَـنـاسـوا أَنَّ النَّـزْعَـةَ النَّـقْـدِيَّـةَ كـانَـت، هِـيَ نَـفْـسُـها، مِـنْ مُـنْـتَـجـاتِ الحَـداثَـةِ وَمُـكْـتَسَـبـاتِـها.
كَيْـفَ لِأَحَـدٍ مِـنّـا أَنْ يَـتَـجـاهَـلَ أَنَّ النَّـقْـدَ هَـذا هُـوَ مِـمّـا دَشَّـنَـتْـهُ الفَـلْسَـفَـةُ الحَـديثَـةُ مُـنْـذُ النِّـصْـفِ الثّـانـي مِـنَ القَـرْنِ الثّـامِـنَ عَشَـر؛ أَيْ قَـبْـلَ قَـرْنٍ مِـنْ هَـدْمِـيَّـةِ نـيـتْـشِـه وَعَـدَمِـيَّـتِـه؟ مـا الـذي يَـعْـنـيـهِ نَـقْـدَ إيـمـانْـويـل كَـنْـت لِلـعَـقْـلِ وَلِـوَهْـمِ قُـدْرَتِـهِ الإِمْـبَـراطـورِيَّـةِ على إِدْراكِ كُـنْـهِ الأَشَـيـاءِ والمَـوْضـوعـات؟ ومـا الـذي يَـعْـنـيـهِ نَـقْـدُ هـيـغِـل لِـفَـلْـسَـفَةِ الأَنْـوارِ وَمَـرْجِـعِـيَّـتِـهـا المَـعْـرِفِـيَّـة؟ وَمـا الذي يُـفْـهَـمُ مِـنْ نَـقْـدِ فـويـرْباخ لِلمَسـيـحيَّـةِ وَالـدّيـن، وَنَـقْـدِ مـارْكـس لِلمُطْـلَـقِ الفَـلْـسَـفِـيِّ الهـيـغْـلِـيِّ وَلِلاقْـتِـصـادِ السِّـيـاسِـيِّ وَلِلـنِّـظـامِ الرَّأْسْـمـالِـيِّ (أسُّ الحَـداثَـة)؟ ثُـمَّ مـا الـذي يَـكْـشِـفُ عَـنْـهُ نَـقْـدُ جـان ستـيـوارت مِـلْ للنِّـظـامِ السِّـياسِـيِّ التَّـمْـثـيـلِيّ (= الـدّيـمـوقْـراطِـيّ) القـائِـمُ على إِرادَةِ الأَغْلَـبِـيَّـةِ المُسْـتَــوْلَـدَةِ بِالاقْـتِـراع: النِّـظـامِ الـذي نَـظَّـرَ لَـهُ جـون لـوك وجـان جـاك روسـو وكَـنْـت؟ وَمـا الذي يَـعْـنـيـه، أَخـيرًا، نَـقْـدُ فـرويْـد للشُّـعـورِ وَللنَّـظْـرَةِ العَـقْـلانِـيَّـةِ إلى آلِـيّـاتِ الحَيـاةِ النَّـفْـسِـيَّـة؟ أَلَـيْـسَ يَـعْـنـي ذَلِكَ كُـلُّـهُ أَنَّ المَـنْـزَعَ النَّـقْـدِيَّ أَطَـلَّ فـي الحَـداثَـةِ مُـنْـذُ بَـواكـيـرِهـا؛ بِـفَـتْـرَةٍ طَـويـلَةٍ قَـبْـلَ شُـيـوعِ أَفْـكـارِ نـيـتْـشِـه وفـرويْـد وهـايْـدِغـر وَمَـدْرَسَـةِ فـرانْـكْـفـورْت وَتَـلامِـذَتِـهـا الفَـرَنْسـيّـيـن؟.
يَـتَـعَـذَّر، بِـالحِـسْبـانِ هَـذا، اخْـتِـراعُ فَـجْـوَةٍ فِـكْـرِيَّـةٍ وَثَـقـافِـيَّـةٍ بَـيْـنَ الحَـداثَـةِ ومـا بَـعْـدَ الحَـداثَـة، على مِـثـالِ تِـلْكَ الفَـجْـوَةِ التي يَـنْـتَـحِلُـهـا كَـثـيـرٌ مِـنْ دُعـاةِ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـةِ في الغَـرْبِ وَيُـرَدِّدُهـا عَـنْـهُـمْ - تَـرْديـدَ الأَذْكـارِ وَالأَوْراد - تَـلامِـذَتُـهُـمْ فـي بِـلادِنـا! قَـدْ لا يَـكـونُ اصْـطِـنـاعُ الفَـجْـوَةِ هَـذا مَـرْدودًا إلى سـوءِ فَـهْـمِ - وَإِسـاءَةِ قِـراءَةِ - الصِّـلَـةِ بَـيْـنَ تَـيْـنِـكَ اللَّحْـظَـتَـيْـنِ الـفِـكْـرِيَّـتَـيْـنِ في الثَّـقـافَـةِ الغَـرْبِـيَّـة، وَإِنَّـمـا الغـالِـبُ عَلَـيْهِ أَنَّـهُ مَجْـعـولٌ لِأَداءِ وَظيـفَـةِ التَّـسْـويـغِ لِـ"رِيـادِيَّـةٍ" فِـكْـرِيَّـةٍ جَـديـدَةٍ مَـزْعـومَـةٍ لِـكُـتّـابِ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـة، على شـاكِـلَـةِ تْـلْـكَ "الرِّيـادَةِ" المُـدَّعـاةِ التي يُـذيـعُـها أَمْـثـالُ بِـرْنـار هَـنْـري لـيـڤي! والحَـقُّ أَنَّـها مَـزْعـومَـةٌ وَمَنْـزوعَـةُ الدَّلـيـل؛ حَيْثُ "الرِّيـادِيَّـةُ" المُـدَّعـاةُ مـا ادَّعـاهـا مَـنْ هُـمْ لَـهـا مِـنْ مُسْـتَـحِقّـيـها مِـنْ مُثَـقَّـفـي مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـةِ الكِـبـارِ أَمْـثـالُ هـايْدِغـر، وَهـوركْـهـايْـمِـر، وميشـال فوكـو، وجيـل دولـوز، وجـاك ديـريـدا وهـابِـرْمـاس...
لحظة ما بعد الحداثة هي محطة تُراجع فيها الحداثة نفسها
فـي الأَحْـوالِ جَـميـعِـهـا، لَـنْ يَـسَـعَ قِـراءَةٌ تَبْحَثُ عَـنِ الفَـواصِـلِ والتَّـمايُـزاتِ بَـيْـنَ اللَّـحْظَـتَيْـنِ الفِـكْـرِيَّـتَيْـنِ الْمـومَأ إِلَـيْـهِـما أَنْ تُـحْـسِـنَ إِدْراكَ - وَتَـقْـديـرَ - المَـوْقِـعِ الذي تَـشْـغَـلُـهُ لَحْـظَـةُ مـا بَـعْـدَ الحَـداثَـةِ في نِـطـاقِ المَشـْروعِ الإِجْمالـِيِّ لِلحَـداثَـة، بِـمـا هَـيَ مَحَـطَّـةٌ نَـقْـدِيَّـةٌ في ذَلِكَ المَشْـروع؛ مَحَـطَّـةٌ تُـراجِـعُ فيـها الحَـداثَـةُ نَـفْسَـهـا، فـتُـعـيـدُ فَـحْـصَ الكَـثـيـرِ مِـنْ يَـقـيـنِـيّـاتِـهـا في ضَـوْءِ تَـطَـوُّرِ المَعْرِفَـةِ وَمُعْطَيـاتِ التّـاريـخ، وَتُـعـيـدُ بِنـاءَ فُروضِـهـا وَمَـفاهيـمِـهـا انْطِـلاقـًا مِـنْ حَصـائِـلِ المُـراجَـعَـةِ التي تُـخْـضِـعُ لَها كِيانَـهـا الفِـكْـرِيّ.
مـا أَغْـنـانـا عَـنِ الإِفـاضَـةِ فـي بَـيـانِ مُـعْـتَـمَـدِ تِـلْكَ المُـراجَـعَـةِ وَسُـلالَـتِـهـا؛ إِذْ هِـيَ مِـنْ ثَـمْـراتِ النَّـزْعَـةِ النَّـقْـدِيَّـةِ التي تَـنْـطَـوي عَلَيْـهـا الحَـداثَـةُ وَتَـغْـتَـذي مِـنْـهـا، فَـتُـسَـلِّطُـهـا على الأَفْكـارِ وَالعَـلاقـاتِ وَالمُؤسَّـسـاتِ نـازِعَـةً عَـنْـهـا طـابَـعَ الاسْـتِـبْـداهِ وَالأَُسْـطُـرَة، وتُسَـلِّطُـها على ذاتِـهـا لِـئَـلّا تَـتَـكَـلَّـسَ وَتَـتَـنَـمَّـط.
(خاص "عروبة 22")

